عنوان الكتاب: المحاضرات الإسلامية (الجزء الأول)

مَلَذّاتها اغتَرَفَ، فلمَّا ذُكِّرَ بالآخرةِ لم يَتَذَكَّرْ ولَمَّا سَمِعَ الوَعظَ لم يَتَّعِظْ، وتَراهُ مُعرِضًا، ضاحِكًا، كأنّه عَبَرَ الصِّراط وجاوَزَ النِّيرانَ. فآه...آه ! إذا جاء الأجَل، والموتُ بِساحَتِه نَزَلَ، وفي ظُلْمَةِ قَبرِه حَلَّ، بعدما عن دنياهُ اِرتَحَلَ وترَك ما جمَع، وخَمَد نَجمُه بعدما لَمَع، فأين بيتُه وزيْنتُه، وأين جَمعُه وكَثْرَتُه، أم أين أثاثُه الفاخِرُ وسَيّارَتُه الّتي كان بها يُفاخِر، وأين آلاتُ اللَّهوِ وَالطَّرَبِ وَالتَّرَفِ فقد ترَك متاع الدّنيا ودخل بيتَ الوَحدَةِ وَالظُّلْمَةِ وَالدُّودِ، وبَدَأَ العَهدَ الجديدَ لِيَلقَى ما قَدَّمَ في دنياهُ الّتي سَعَى لها طَوالَ عُمُره.

 

حُكِيَ أنّ سيِّدنا عمر بنَ عبدِ العزيز رضي الله تعالى عنه شَيَّع جنازةً فلمَّا اِصْطَفَّ النّاسُ تَأَخَّر عنها، فقال له أصحابه: يا أمير المؤمنين جنازةٌ أنت ولِيُّها تأَخَّرْتَ عنها وتَرَكتَها ؟ فقال: إنّي ما تأَخَّرتُ عنها إلاّ لأنّ القبرَ ناداني من خَلْفي، يا عمر بنَ عبد العزيز أَلا تَسأَلُني ما صَنَعتُ بالأَحِبَّة ؟ فقلت له: وما صنعتَ بهم ؟ فقال: خَرَّقتُ الأَكفان ومَزَّقتُ الأَبدان ومَصِصْتُ الدَّم وأكَلتُ اللّحم، ألا تَسأَلُني ما صنعتُ بالأَوصال ؟ فقلت له: ما صَنَعتَ بها ؟ فقال: فَرَّقتُ الكَتِفينِ من الذِّراعَينِ




إنتقل إلى

عدد الصفحات

269