آثار الأعمال الصالحة والسيئة | الشيخ محمد عمران عطاري


نشرت: يوم السبت،18-سبتمبر-2021


لله سبحانه وتعالى خلق العلّة والمعلول، وجعل بينهما ترابطًا قويًّا بحيث لا يتخلّف المعلول عن العلّة عادةً، فكلّما وجدت العلّة وجد المعلول لا محالة، فالعلّة مؤثّرة بقدرة الله تعالى والمعلول مؤثّر، وعلى سبيل المثال: السّمّ قاتلٌ... والتّرياق يلغي أثره... وكذا الأغذية والأدوية تؤثّر على صحّة الإنسان إيجابًا أو سلبًا، وهكذا وضع الله تعالى أثرًا في كلّ ما يقوم به الإنسان من أفعالٍ وأقوالٍ، فالكلمة الطيّبة التي تخرج على لسان الإنسان، تبعث السعادة في قلب الآخر، وتجعله صديقًا له، والكلمة المسيئة تؤذيه وربما تجعله عداوة بينهما، وكذلك لو قدّمتَ لأحدٍ وردةً فإنه سيفرح، كما أنَّك لو أظهرتَ له انزعاجاً أو فعلًا سيِّئًا يغضب، الخلاصة المهمة التي يجب أن نتنبّه لها: كما أن أثر الماء والدّواء والغذاء والتّعامل مع الآخرين ثابتٌ بكل وضوحٍ ولا يضيع منه ولو ذرّةً واحدةً، فكذلك الخير والشّرّ والأعمال الحسنة والسيّئة التي يقوم بها الإنسان مؤثّرةٌ في شخصيّة الإنسان الجسديّة والنفسيّة تمامًا ولا ينقص منها شيء، فبالحسنات ترفع الدّرجات ويشعر المرء بالسّعادة ويتقرّب إلى الله تعالى، وبالسيّئات تحطّ الدّرجات ويشعر المرء بتأنيب الضّمير ويستحقّ سخط الله تعالى نسأل الله السلامة، والآن نفصّل الموضوع كالآتي:

الآثار الحسنة للكلمة الطيّبة

الكلمة الطيّبة شعبةٌ من شعب الإيمان، ولها أنواعٌ كثيرةٌ، من أهمّها:

كلمةٌ طيّبةٌ بذاتها كالصلاة على النّبي ﷺ وقراءة القرآن وذكر الله تعالى. وكلمةٌ طيّبةٌ مباحةٌ في أصلها ولكنّها وسيلةٌ للخير،

أما القسم الأوّل فهو مؤثّر على شخصيّة الإنسان بكلّ تأكيد، فمثلًا إنْ يصلّي على النبي ﷺ تتحقّق له الكثير من الفوائد الدّنيويّة والأخرويّة التي لا تحصى، قال الشيخ المحدث عبد الحق الدهلوي رحمه الله: من يصلي على النبي ﷺ تدفع عنه البلايا، ويشفى من الأمراض ويأمن من الخوف والقلق، وينصر على الأعداء، وينال رضاء الله تعالى، ويزداد في قلبه حبّ الله تعالى، وتذكره الملائكة بالخير، فتكتمل أعماله، وتطيب نفسه وروحه وماله، وينال السعادة، ويبارك له في ماله ورزقه وأولاده وأولاد أولاده على مدى أربعة أجيال.(جذبُ القلوب، ٢٢٩، تعريبًا من الفارسية)

الآثار السيّئة للكلمة السّيّئة

قال النبي ﷺ:

إنّ العبد ليتكلّم بالكلمة مِن رضوان الله، لا يُلْقِي لها بالًا، يرفعه الله بها درجاتٍ، وإنّ العبد ليتكلّم بالكلمة من سَخَطِ الله، لا يلقي لها بالًا، يَهْوِي بها في جهنّم.(صحيح البخاري، ٤/٢٤١، ٦٤٧٨)

آثار الأعمال الطيّبة والسيّئة

ورد عن سيدنا الحسن بن صالح رحمه الله تعالى قوله: العمل بالحسنة قوّة في البدن، ونور في القلب، وضَوْء في البصر، والعمل بالسيئة وَهَنٌ في البدن، وظلمة في القلب، وعمي في البصر.(حلية الأولياء، ٧/٣٨٥، ١٠٩٤١)

وعلى هذا النّحو تمتدُّ آثار طاعة الله تعالى من الفرد نفسه إلى الأجيال.

آثارُ الأعمال الحسنة في الأجيال

عن سيدنا كعب الأحبار رحمه الله تعالى قال: إنّ الله تعالى يقول: تقضي الأبناءُ دَيْن الآباء، إنّي لآخُذ بالرجل من أهل معصيتي القَرْن بعد القرن لثلاثة قرون وإني لأحفظ الرجل من أهل طاعتي القرن بعد القرن لعشرة قرون .(حلية الأولياء، ٦/٩، ٧٦٣٣)

وعن سيدنا مجاهد رحمه الله تعالى قال: إنَّ الله تعالى ليُصْلِحُ بصَلَاح العبد ولدَه وولدَ ولدِه.(حلية الأولياء، ٣/٣٢٥، ٤١٢٥)

خمسةُ ذنوبٍ آثارُها رهيبةٌ جدًّا

جاء عن سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما قال:

ما ظهر الغُلُولُ في قوم إلّا ألقى الله في قلوبهم الرعبَ، ولا فشا الزنا في قومٍ إلّا كثر فيهم الموتُ، ولا نقص قوم المكيالَ والميزانَ إلّا قطع عنهم الرزقَ، ولا حكم قوم بغير حقٍّ إلا فشا فيهم الدمُ، ولا خَتَرَ قوم بالعهد إلا سُلِّطَ عليهم العدوّ.(مشكاة المصابيح، ٢/٢٧٦، ٥٣٧٠، الكامل فی ضعفاء الرجال، ٤/٤٠٢)

وقد ذكر العلامة عبد المصطفى الأعظمي في شرح هذا الحديث: أن الحبيب ﷺ ذكر في هذا الحديث: الأعمالَ السيِّئة الخمسةَ وآثارَها السيِّئةَ التي تترتَّبُ على القوم، وهي:

  1. أثر الخيانة هو أن القوم الذين يخونون الأمانة يخافون من الأعداء ويصبحون جبناء ضعاف القلوب.
  2. القوم الذين يفعلون الفاحشة يصابون بالأمراضٍ والأوبئة المتنوّعة، ونتيجةً لذلك ترتفع نسبة وفيات الناس فيهم.
  3. القوم الذين ينقصون الكيل والوزن تقل عندهم البركة في الرّزق، ويتكبّدون المشقّة والعناء لكسب لقمة العيش ويجوبون أنحاء الأرض مدى الحياة، ولا ترتاح قلوبهم ولو كسبوا الملايين، ولا يعرفون من أين يأتي المال وإلى أين ذهب!
  4. القوم الذين يحكمون بغير ما أنزل الله تعالى ينتشر فيه القتل وسفك الدّماء، حتى يكثر القتل فيهم في الصباح والمساء.
  5. والقوم الذين لا يلتزمون بالعهود يفقدون شرفهم واحترامهم، وينتهي مجد مملكتهم ويتغلب الأعداء عليهم ويحكمونهم.

هذه الآثار التي ذكرتْ في الحديث بسبب ارتكاب المعاصي ستؤثّر على الفرد والمجتمع لا محالةً، ولا تتخلّف عنها بأيّ حالٍ من الأحوال، لأنه بقدرة الله تعالى تؤثّر العلّة في المعلول حتمًا بناء على الأسباب التي جعلها الله في الأرض، وعلى سبيل المثال لو وضعت إصبعًا على النار فستحرقه حتى صرخت بصوتٍ عالٍ، ثم أضاف الشيخ قائلًا: اعلموا أن العذاب الذي ذكر في الحديث وهو دنيويٌّ فقط أما عذاب الآخرة فهو غير ذلك، وهو عذاب النار.(منتخب حدیثين ١٦٦، تعريبًا من الأردية)

أيها الأحبَّة القراء: أرجو من حضراتكم أن لا تَستخدِموا ألسنتَكم فيما لا يجوز، نوِّرُوا قلوبَكم وجدِّدُوا إيمانَكم بأعمالِ الخير، واجعلوها قُرَّةَ عُيونكم، واحْمُوا أنفسَكم وأجيالَكم من الآثارِ السيِّئة، بالابتعاد عن الأعمالِ السيِّئة ذاتِ التأثير الخطير مهما كانت، وبذلك نحمي أنفسنا وأجيالنا من كلِّ سوء بإذن الله تعالى، أسألُ الله تعالى لي ولكم التوفيقَ والسَّدادَ والمغفرةَ بحقِّ النبي الأمين ﷺ.

تعليقات



رمز الحماية