الشيخ عبد القادر الجيلاني وأثره في التربية | محمد إلياس اليماني


نشرت: يوم الثلاثاء،02-نوفمبر-2021


قال الله تعالى

وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيۡكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَۚ [هود: ١٢٠]

يقول الإمام أبو منصور الماتريدي رحمه الله في تفسير هذه الآية:

أخبر أنّه إنّما قص عليه أنباء الرسل المتقدّمة لتسلية فؤاده. [تفسير الماتريدي، ١٧١/٩]

فإذا كان الله سبحانه وتعالى يقصّ على حبيبه ونبيه محمد ﷺ لتسلية فؤاده، وقد سئل الإمام الجنيد رحمه الله: مَا للمريدين فِي مجاراة الحكايات؟ فَقَالَ: الحكايات جند من جنود الله تَعَالَى، يقوّى بِهَا قلوب المريدين، فقيل لَهُ: فهل لَك فِي ذَلِكَ شاهد؟ فَقَالَ: نعم قَوْله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيۡكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَۚ﴾ [الرسالة القشيرية، ص ٢٣٨]

فنحن من باب أولى بالحاجة إلى قصص الأنبياء والمرسلين وكذلك إلى قصص الأولياء

والصالحين الكاملين، لنحس بالقمم الإنسانية الشامخة ترنوا إلينا، فنستنهض بها هممنا، ويُثبّتُ الله بها أفئدتنا، علمًا أنّ القرآن أيضًا قصّ علينا أخبار الصالحين من غير الأنبياء الذين كان لهم الدور الكبير في نشر الدين وإعلاء كلمة الله تعالى وتحمّل الأذى والصبر عليه في إصلاح الناس وإرشادهم إلى طاعة الله تعالى، وقد قال الله تعالى في محكم تنزيله:

﴿فَٱقۡصُصِ ٱلۡقَصَصَ لَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٦]

ونحن في هذ المقالة الصغيرة نسوق طرفًا من سيرة أحد الأولياء الصالحين والعلماء العاملين لنعيش لحظات مع شيخ جليل له دور كبير في إصلاح الناس وتربيتهم على الدين القويم واتّباع السنّة النبوية الشريفة إنّه سيدنا الشيخ عبد القادر الجيلاني رحمه الله، وهنا لا أسرد لكم نسبه العطر ولا سيرته الذاتية فهي موجودة في كتب التاريخ والسير ولكن في هذا المقالة أودّ أن أخصَّ ناحية من نواحي حياته العطرة حيث كان مربّيًا ومعلّمًا، وسيكون الحديث عن منهجه في التربية والتعليم وعن أبرز ما اشتهر بهمنهجه الإصلاحي .

لمحة موجزة عن منهجه في التربية

يعتبر الشيخ عبد القادر الجيلاني أوّل من نظّم الصوفية في جماعات ممنهجة تسير تحت طريقة منضبطة بالأصول، فرسم الشيخ عبد القادر الجيلاني منهجًا متكاملًا للتصوف يجمع بين العلم الشرعي المؤسّس على كتاب الله وسنّة رسوله ﷺ وبيّن التطبيق العملي والالتزام بالشرع: فقد قال رحمه الله: انظر لنفسك نظر رحمة وشفقة، واجعل الكتاب والسنّة أمامك، وانظر فيهما واعمل بهما، ولا تغتر بالقيل والقال. [فتوح الغيب، ص ٩٠، بتصرف]

وأوصی أيضًا ابنه فقال له: أوصيك بتقوى الله، وطاعته ولزوم الشرع وحفظ حدوده، وأعلم يا ولدي -وفّقنا الله وإيّاك والمسلميـن- أنّ طريقتنا هذه مبنيّةٌ على الكتاب والسنّة وسلامة الصدر وسخاء اليد وبذل الندى وكفّ الجفا وحمل الأذى والصفح عن عثرات الإخوان. [إتحاف الأكابر في سيرة ومناقب الإمام عبد القادر، ص ٢٩٩]

وكان رحمه الله كثيرًا ما يحثّ اتّباع طريقته على وجوب الأمر بالمعروف واجتناب النواهي والاستسلام والتسليم لقضاء الله وقدره.

توجه الناس إليه وإقبالهم على طريقته

بدأ مجلسه بشخصين أو ثلاثة ولكنه لم ييأس من ذلك بل واصل مسيره وفق السنّة النبوية في الوعظ والإرشاد والنصح والمحبة لحبيبنا ونبينا محمد ﷺ لذلك ازداد التفاتُ الناس لخطابه العذب ومنهجه الإصلاحي

حتى تزاحموا على درسه وضاقت بهم المدرسة، فكان يحضر عنده في المجلس الواحد أكثر من سبعين ألف رجل، وكان يوجّههم على الشريعة والسنة ويربّيهم على المودّة فيما بينهم، ويغرس في نفوسهم مفهوم البذل والعطاء والنصح والإرشاد وحسن التعامل وتجريد النفس عن الهوى وانقيادها لخالقها.

ومن المعلوم أنّ المدارس الدينية هي أهم المراكز التربوية للإصلاح منذ زمن سيدنا وحبيبنا محمد ﷺ حيث كان المسجد النبوي الشريف المحطّة الكبرى وهذه المدارس امتداد لمسجد النبوة في التعليم والتربية لأنّ القائمين عليها هم ورّاث الأنبياء، فهي محطّات متخصّصة في صناعة الرجال وتربية الأجيال على العلم والإيمان والاستعداد لخدمة الأمة الإسلامية.

فلما ازداد تزاحم الناس على مدرسة الشيخ وصار المجلس يضيق بهم من كثرة الحاضرين والمستمعين اضطرّ الشيخ عبد القادر الجيلاني إلى بناء مدرسته الجديدة التي عرفت -بالمدرسة القادرية- وتعد هذه المدرسة من أهم المراكز العلمية التي كان لها دورًا فعّالًا في تربية الناس وإصلاحهم في العصر الذي سمّاه بعض المؤرخين والباحثين عصر الجمود.

فأقبل الناس لمساندة الشيخ، وساعدَ في بناء هذه المدرسة الصغير والكبير والغني والفقير، وبذل كل محبّ جهده ما استطاع حبًّا وكرامة وإجلالًا وتقديرًا له ولمنهجه.

فصار الشيخ عبد القادر الجيلاني يعدُّ الكوادر ويهيِّئُها للعمل الدعوي وفق منهج مؤصّل واضح ليوصلوا هذا المنهج إلى مناطقهم، ومن أجل ذلك كان رحمه الله يُعدّ طلّابه إعدادًا صحيحًا ويربّيهم تربية روحية وتربية إسلامية فيؤهله لإصلاح نفسه وأهله ليكون ذلك سبيلًا في إصلاح الأمة وتربيتها وفق كتاب الله وسنة حبيبه ﷺ.

وقد أنشئت العديد من المدارس التي ساهمت بشكل واضح وهام في مشروع عظيم ألا وهو مشروع النهضة الذي عنى بإعداد أجيال التربية والإصلاح لمقاومة كل من الجهات الباطنية والعقائد الضالة المنحرفة، من أجل الحفاظ على المنهج السُّني الصافي في مشارق الأرض ومغاربها، فانتشر منهج الشيخ وتوّزع أتباعه في جميع العالم كاليمن والعراق والشام والهند وباكستان وغيرها.. وخير دليل على ذلك مانحن أمامه كمثال حي في هذه الأيام ما تسير عليه مدرسة الشيخ الكبير والمربي الشهير الشيخ محمّد إلياس العطّار القادري حفظه الله -مؤسّس مركز الدعوة الإسلامية-

حيث يقوم بتوجيه الناس والنصح لهم على منوال شيخه وباتباع أسلوبه في الوعظ والإرشاد والنصح والرشاد،

وقد كان الشيخ محمد إلياس حفظه في بداية دعوته إلى الله تعالى وحيداً فريدًا، ثُمّ تجمّع معه الناس شيئاً فشيئاً حتّى أصبحوا دعاةً إلى الله تعالى ووصل عددهم في الآلاف والحال بفضل الله تعالى على إقبال وازدياد....

نسأل الله تعالى أن يوفّقنا لما يحب ويرضى ويرزقنا المسير على نهج الشيخ عبد القادر الجيلاني وأن يحشرنا في زمرته آمين بجاه النبي الأمين وصلی الله تعالی عليه وعلى آله وصحبه وسلم

تعليقات



رمز الحماية