الخطوات العملية لإصلاح النفس وتطوير الذات | الشيخ فارس عمران


نشرت: يوم الخميس،25-نوفمبر-2021


الحمد لله رب االعالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد:

تطوير الذات هدف يسعى إليه كل عاقل ويرنو إليه كل كامل، فهو بابُ الخير ومفتاح البرِّ، وبتطوير الذات وإصلاح النفس تفتح أبواب الدنيا، وتُعَبَّدُ طرق السعادة، وتنال الحظوة والرِّيادة.

ولا شكَّ أن لكلِّ هدف يُراد تحقيقه وسائل تسلك، وأمور ينبغي أن يحققها الساعي ليصل إلى تحقيق الغايات والمساعي، هذا في الأمور العادية، فمن أراد تحصيل عمل في مهنة من المهن فلا بدَّ له أن يسلك سبيل التعلم ليتقن تلك المهنة، فمن أراد على سبيل المثال أن يصبح طبيباً لا بدَّ له أن يدرس الطب، ولا بدَّ لدارس الطب من اتباع منهج معين والانتظام في سلك جامعة تدرس ذلك العلم فتُذَلَّل عسيره وتقرِّب يَسِيْرَه، وهكذا كل هدف صغر ذلك الهدف أو كَبُر.

فإذا عرفنا ذلك فما هي الوسائل تلك التي ينبغي أن يسلكها العاقل كي يصلح نفسه، ويطوِّرَ ذاته؟ وما هي أهمية تطوير الذات وإصلاح النفس؟ هذا ما سنتعرض له في هذه الكلمات بعون الله سبحانه وتعالى.

أهمية إصلاح النفس وتطوير الذات

جبلت النفوس على حب الكمال، فترى الطباع السليمة تميل إلى الجمال، وترى النفوس القويمة تسعى إلى القوة والكمال. وهذه فطرة قد فطر الله الناس عليها، والإنسان إذا لم يسعى إلى إصلاح نفسه ازدادت عيوبه، وإذا لم يقم بتطوير ذاته فإنَّه سيبقى مكانه ولن يتقدم في دنياه ولا في آخرته.

ولتقريب ذلك تصور معي هذا المثال، إنسان يعمل موظَّفاً في شركة ما، وقد تمَّ توظيفه في هذه الشركة بناءً على المهارات التي يمتلكها، فإذا بقيت مهارات هذا الموظف على حالها مع مرَّ السنين، ولم يُطَوِّر منها شيئاً، ولم يحقق في عمله إنجازاً يذكر أو هدفاً يُعتَبر، فمن الطبيعي أن يبقى في نفس مسماه الوظيفي من غير ترقية ولا ارتقاء كما من الطبيبعي أن يبقى راتبه على حاله.

أما إذا أراد هذا الموظف أن يرتقي في السلم الوظيفي وأن يصل إلى مراتب أعلى، فلا بد له من تطوير ذاته وتنمية مهاراته، فإن فعل ذلك فُتِحتْ له الأبواب نحو الارتقاء والنجاح.

وكذلك في الأمور الدينية، إذا لم يصلح العبد من عيوب نفسه ويحسن من أخلاقه، فكيف يرجو أن يرتقي في معارج القرب والكمال.

إذن فالنجاح الدنيوي و السعادة الحقيقة في الآخرة، كلاهما أمران مرتبطان بلا شكٍّ بإصلاح النفس وتنمية الذات، فمن هنا تكمن أهمية إصلاح النفس وتطوير الذات.

وسائل إصلاح النفس وتطوير الذات

إن لإصلاح النفس وتطوير الذات وسائل يجب أن تسلك وهي كثيرة متعددة، ولكننا نوجز لك فيما يلي أهمَّ تلك الوسائل.

١- معرفة النفس:

من أراد تطوير ذاته، لا بدَّ له أولا أن يعرف نفسه وأن يقف على عيوبها، وأن يحدد نقاط القوة في شخصيته ونقاط الضعف فيها، فمن غير ذلك لا يمكن لبنيان ذاته أن يتم، ولا لزرعه أن يورق، فمن أراد أن يبني بنياناً لا بد له من أن يعرف طبيعة الأرض التي يبني عليها.

وقد اصطلح علماء النفس المعاصرون على مصلح self-knowledge" معرفة الذات" فهو مصطلح يُستخدم في علم النفس المعاصر لوصف المعلومات التي يمتلكها الشخص عن نفسه عند إيجاد جواب للسؤال "ما هي شخصيتي الحقيقية؟ والشخصية الحقيقية عندهم تتضمن المشاعر، والمعتقدات، والقيم الحقيقية، والرغبات، والحالات العقلية الأخرى لدى الإنسان العاقل.

وقد تكلم علماؤنا أهل التربية والتصوف عن هذا قبل قرون متطاولة، وقد قالوا (من عرف نفسه فقد عرف ربه)، فمعرفة الإنسان حقيقة نفسه، والوقوف على مواطن عجزه وضعه، تفتح له باب الانكسار للعزيز الجبار، وكذلك تفتح له باب إصلاح النفس وتغيير الذات.

يقول الإمام ابن عطاء الله السكندري رحمه الله في حكمه: "تحقق بأوصافك يمدك بأوصافه . تحقق بذلك يمدك بعزه . تحقق بعجزك يمدك بقدرته . تحقق بضعفك يمدك بحوله وقوته"

ولا يخفى أن معرفة النفس هو أول الطريق لتحقق العبد بأوصافه، فكيف تتحقق بما لا تعلم.

٢- تخلية النفس من العيوب الظاهرة والباطنة:

إن من أهم الأمور التي ينبغي الاعتناء بها هي ما اصطلح عليه أهل التزكية والأخلاق أهل التصوف بقولهم (التخلية و التحلية) فتخلية النفس من الأمراض الخبيثة كالكبر والعجب والرياء من أوجب الواجبات، ثم تكون تحليتها بعد ذلك بالفضائل والكمالات وذلك باتباع سنة سيد السادات صلى الله عليه وسلم، ولا بد لتلك التخلية والتحلية من الاقتداء بالعلماء الصالحين والمربين الكاملين.

٣- الرضى بالقضاء والقدر:

إن الرضى بالقضاء هو من أسس الإيمان، وهو من ركائز النفس المتوازنة، فمن أراد أن يطور ذاته فإن تحقق الذات بالرضا من أعلى الغايات التي ينبغي أن يسعى إليها طالب ذلك، إذ به تسكن النفس لمجاري الأقدار، وترضى بما اختاره اللطيف الجبار سبحانه وتعالى، ومن هذا الرضى ومن تلكم السكينة تحصل السعادة والطمأنينة.

قَالَ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زَيْدٍ: الرِّضَا بَابُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ، وَجَنَّةُ الدُّنْيَا، وَمُسْتَرَاحُ الْعَابِدِينَ.

قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: "مَا أُبَالِي عَلَى أَيِّ حَالٍ أَصْبَحْتُ عَلَى مَا أُحِبُّ أَوْ عَلَى مَا أَكْرَهُ، لِأَنِّي لَا أَدْرِي، الْخَيْرُ فِيمَا أُحِبُّ أَوْ فِيمَا أَكْرَهُ؟"

قال أبو مُعَاوِيَة الْأَسْوَد فِي قَوْلِهِ

{فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} (النحل: ٩٧)

قَالَ: "الرِّضَا وَالْقَنَاعَةُ." ( الرضا عن الله بقضائه لابن أبي الدنيا ص٧٢، ٦٥ )

٤- تحديد الوجهة ومعرفة الطريق:

من أهم الأشياء التي ينبغي لمن يريد أن يطور ذاته أن يحققها تحديد الوجهة، وذلك بأن يدركَ معالم الطريق الذي يمشي فيه فيبصرَ أوله ويعلمَ آخره، فالطريق الواضح يورث الطمأنينة التي تتبعها السكينة، وبتحصيل ذلك تنشط النفس للإبداع، وتقوى على التضحية، لذلك كان طريق الشرع الشريف واضحا بينا، أوله يورث السعادة في الدنيا وآخره في مستقر صدق عند مليك مقتدر.

يقول رب العزة جل جلاله:

وَأَنَّ هَٰذَا صِرَٰطِى مُسْتَقِيمًا فَٱتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِۦ. ( الأنعام:١٥٣)

وأما المبتعد عن دين الله عز وجل فإنه متبع للسبل، والمتبع للسبل الملتوية لا يرى آخر الطريق ولا يبصر نهايته، لذا ترى قلوب أهل الغفلة مضطربة، وأرواحَهم مغتمَّة، لا يعلمون أين يسيرون ولا يطمئنون لما سيلقون بعد المنون.

هذا في أمور الآخرة، وكذلك في حال الدنيا، فمن أراد النجاح والإبداع فلا بد أن يعلم الطريق الذي يسير فيه من أين يبدأ وأين ينتهي، فمن أراد أن يتعلم مهنة ما أو أن يدرس علما ما لا بد له أولا من معرفة سبل تحصيل ذلك العلم أو وسائل تعلم تلك المهنة، فيَسِيْر خلال خطة محكمة وخُطَاً واثقة.

٥- العزيمة والإصرار:

فلا ينبغي للإنسان أن ييأس إذا فشل ولا لعزيمته أن تفتر إن عَثَرَ، فالإصرار من أهم مفاتيح النجاح سواء الدنيوي أو الأخروي

يقول النبي صلى الله عليه وسلم:

"احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أنِّي فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل قدَّر الله وما شاء فعل، فإنَّ لو تفتح عمل الشيطان" (رواه مسلم ٢٦٦٤ )

أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته

ومدمن القرع للأبواب أن يلجا

٦- الاستقامة:

بعد معرفة الإنسان نفسه ثم تحديد هدفه وغايته وتحقيق إصراره وعزيمته لا بدَّ له من الثبات على الطريق الذي يسلكه سواء طريق الآخرة طريق الهداية والاستقامة، أو طريق النجاح الدنيوي والتحصيل العملي أو العلمي.

وقد حثَّ ربنا سبحانه على الاستقامة فقال سبحانه وتعالى:

فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا ۚ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ. (هود: ١١٢)

قال الإمام الفخر الرازي رحمه الله : "وهذه الكلمة كلمة جامعة في كل ما يتعلق بالعقائد والأعمال ، سواء كان مختصا به أو كان متعلقا بتبليغ الوحي وبيان الشرائع" (مفاتح الغيب ٥/٥٢ )

ثم قال رحمه الله: "معرفة الصراط المستقيم في غاية الصعوبة ، بتقدير معرفته ، فالبقاء عليه والعمل به أصعب ، ولما كان هذا المقام في غاية الصعوبة لا جرم ، قال ابن عباس : ما نزلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في جميع القرآن آية أشد ولا أشق عليه من هذه الآية ؛ ولهذا قال - عليه الصلاة والسلام - :

" شيبتني هود وأخواتها" (مفاتح الغيب ٥/٥٢)

وقد بين الإمام القشيري رحمه الله تعالى أهمية الاستقامة فقال: " والاستقامة: درجة بها كمال الأمور وتمامها، وبوجودها حصول الخيرات ونظامها، ومن لم يكن مستقيما في حالته ضاع سعيه وخاب جهده؛ قال الله تعالى:

(وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّتِي نَقَضَتۡ غَزۡلَهَا مِنۢ بَعۡدِ قُوَّةٍ أَنكَٰثٗا )

ومن لم يكن مستقيما في صفته لم يرتق من مقامه إلى غيره، ولم يبن سلوكه على صحة" (الرسالة القشيرية ص٩٤)

٧- طلب العلم:

ولا شكَّ أن بالعلم تتفتح العقول وتستنير الأفئدة، فالبعلم تبنى الأمجاد ويزهو طريق العباد وترتقي الدور والبلاد.

العلم يبني بيوتا لا عماد لها
والجهل يهدم بيت العز والكرم

لذا فالاهتمام بالعلم سواء الدنيوي أو الديني من أهم ما يجب أن يعتنى به في سبيل تطوير الذات وإصلاح النفس، فإصلاح النفس لا يتم بالجهل، وأما تطوير الذات فالعلمُ أسُّه وأساسه.

٨- حفظ الأوقات:

بعد أن ذكرنا أهم النقاط التي يحتاجها الإنسان في تنيمة الذات وإدارة التغيير للنفس البشرية، ينبغي أن لا نغفل عن أهمية الأوقات إذ هي رأس مال الإنسان، فلا يتم شيء مما ذكرنا إلا بحفظها وصرفها فيما ينفغ.

قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لرجلٍ وهو يَعِظُه :

"اغتنِمْ خمسًا قبل خمسٍ: شبابَك قبل هَرَمِك، وصِحَّتَك قبل سَقَمِك، وغناك قبل فقرِك، وفراغَك قبل شُغلِك، وحياتَك قبل موتِك." ( الترغيب والترهيب للحافظ المنذري:٤/٢٠٣)

وقال الشاعر:

دَقَّاتُ قلبِ المرءِ قائلةٌ له
إنَّ الحياةَ دقائقٌ وثواني
فارفع لنفسك بعدَ موتكَ ذكرها
فالذكرُ للإنسان عُمرٌ ثاني

٩- الصحبة الصالحة:

إن من أهم معالم تطوير الذات أن يصحب الإنسان من يعينه على ذلك، فالصحبة الصالحة من أهم تلك الوسائل، فهي تعين على تحصين النفس من الخمول وتدفع عن الإنسان الكسل والتقاعس، وتأخذ بيده إلى معالي الخير الذي ينشده.

عن أَبي موسى الأَشعَرِيِّ رضي الله عنه : أَن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"

إِنَّما مثَلُ الجلِيس الصَّالِحِ وَجَلِيسِ السُّوءِ: كَحَامِلِ المِسْكِ، وَنَافِخِ الْكِيرِ، فَحامِلُ المِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ ريحًا طيِّبةً، ونَافِخُ الكِيرِ إِمَّا أَن يَحْرِقَ ثِيابَكَ، وإمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا مُنْتِنَةً" (متفقٌ عَلَيهِ)

وقال الشاعر:

عش واحدا أو فالتمس لك صاحبا
في محتدى ورع وطيب نجار
واحذر مصاحبة السفيه فشر ما
جلب الندامة صحبة الأشرار
والناس كالأشجار هذي يجتنى
منها الثمار وذي وقود النار

وقال آخر:

عَنِ المَرءِ لا تَسأَل وَسَل عَن قَرينه
فَكُلُّ قَرينٍ بِالمُقارِنِ يَقتَدي

ومن هنا ترى مركز الدعوة الإسلامية قد حرص على إيجاد تلك البيئة الصالحة، والصحبة النافعة، بتوجيهات فضيلة الشيخ العارف بالله الشيخ محمد إلياس العطار القادري حفظه الله تعالى، فقوافل المدينة تعمر المساجد، واجتماعات المركز ونشاطاته بيئة مناسبة للصحبة الخيرة الدالة على الخير والهدى والرشاد.

وفي الختام...فإن هذه الأمور هي من أهم ما ينبغي الاعتناء به لتحصيل الغايات النبيلة سواء الدنيوية منها أو الأخروية، فتطوير الذات يبدأ من هذه الأشياء فهي مثل الأساس للبناء، فإن كان هذا الأساس متيناً استقر البناء وثبت، وإن كان هشَّاً ليناً تداعى وسقط،

(أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (التوبه:١٠٩)

اللهم لا تجعل ممن يظلمون بالمعاصي أنفسهم، وسقنا بعناية ألطافك ورأفة تحننك إليك إنك رؤوف رحيم برٌّ كريم، بجاه المصطفى الأمين صلى الله عليه وسلم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

تعليقات



رمز الحماية