شموليّةُ فلسفةِ الحياةِ في الإسلامِ وعظمتُها الإنسانيّة | الشيخ محمد قاسم العطاري


نشرت: يوم الخميس،18-مايو-2023

شموليّةُ فلسفةِ الحياةِ في الإسلامِ وعظمتُها الإنسانيّة

فلسفةُ الحياةِ في الإسلامِ جامعةٌ وواسعة جدًّا، ورائعةٌ أيضًا في الوقت نفسه، "وهي أنَّنا عبيدٌ لله تعالى، ويجبُ أن نعيشَ حياةً هادفةً في هذا العالَم لتحقيقِ مقصدِ الخلقِ والنجاةِ الأخرويَّة والأفراحِ الأبديّة والقرب الإلهي"، ومن جهة أخرى فإن حال الملحدين والدَّهْريّين تختلف عن هذا تمامًا؛ لأنهم لا يملكون أيَّ مقصدٍ حقيقيّ للحياة، لذا كان هدفُهم جمعُ المال وإشباع الرغبات من مَلذات الدنيا، هذا ما يريدون، ولا يطلبون غيره، ولا يُفكّرون في سواه، وإذا ساهموا في الأعمال الخيرية فعادةً ما ينطوي ذلك على الرغبة في كسب الشُّهرةِ وذُيوع الصيت، فهم مُخيَّرون بين أن يُساعدوا الناس أو يتركوهم على حالهم.

أما المسلمُ فلا يُنصحُ بالعملِ لمصلحة الآخرين فحسب بل يُؤمر؛ لأن نجاحَه في الحياةِ الأخروية والأبدية منوط بذلك، وهو يَسعى بكل ما في وسعه لإرضاء الله تعالى في تحقيق هدف الحياة، وهو لا يَعيش لنفسِه فقط بل يجتهد لتحسين ظروف كل من حوله سواء أ كان قريبًا أو جارًّا أو غيرهما من الناس، وهو يُحاول إسعادَهم بأداء حقوقِهم بغضّ النظر عن المقابل، أو أنه يتصرّف مثله أم لا، ولذلك عندما يحمِل المسلمُ هدفَ الحياةِ من أعماقِ قلبه يجتهدُ في تحقيقه بأيّ طريقة استطاع، بل إنه حتى لو نسي هذا الهدف السامي ولو للحظة من حياته بسبب الغرق في رغباته الجسدية أو الغفلة فإنه سيعود نحو الهدف نادمًا تائبًا عندما تلومه النفسُ اللوّامة، ويُفكّر في الحضور أمام حضرة الله تعالى ويُدرك أن هذه الملذّات فانيةٌ ليس لها أيّ قيمة؛ لأن مقصد الحياةِ موجود في أساس كل مسلم.

الفرق بين هذين الفريقين

الفرقُ بين "من يؤمن باللهِ تعالى" و"من لا يُؤمن" واضح:
الثاني يعمل أعمالاً خيريّة ويقضي حوائج الناس ويُساعدهم لأغراض دُنيوية، إن شاء فعل وإن شاء ترك دون أن يلومه أحدٌ، وأما المؤمن بالله تعالى فهو يقوم بتلك الأعمال بنية الخيرِ والثواب؛ لأنه مأمورٌ بذلك.

أمر آخر يجب ملاحظته

هناك أمر آخر يجب الالتفات إليه، هو أن تعيينَ مقصد الحياة منوطٌ بفهم مكانته، هل هو يعتبر نفسَه أرفعَ وأشرفَ وأجلّ منزلة أم غير ذلك، وعلى سبيل المثال إن بعضَ الناس رأوا الشمسَ ساطعة بشدة، وأنها تُضيء العالم كلَّه، وتَرتبط بها الفوائدُ في العالم بالملايين، فبدأوا يعبدونها، إذن مَن هو الأفضل برأيه؟ طبعًا الشمس؛ لأنه رأى الناسَ قد انحنوا أمامها يظنّون "أنها الإله"، فنسي الإنسانُ مكانته، ومن جهة أخرى رأى البعضُ أن للأشجار أو الحيوانات أو الأشياء الأخرى فوائد كثيرة، فاعتبروها أفضلَ من أنفسهم، وانحنوا أمامها، والمهمّ من هذا أنه لا يمكن لأيّ نظريةٍ عن الحياة أن تكون مفيدةً للإنسان في المعني الحقيقي ما لم تعرف مكانته الأصلية العظيمة دون التقليل والزيادة من شأنها.

النظريات الأخرى غير الإسلام

هي إمّا تتّصف بتقليل شأن الإنسان لدرجة المهانة أو بالزيادة والتطرّف لدرجة ليست له أيّة مسؤولية أمام حضرة الله تعالى، ومنحتْه الحريةُ المطلقةُ خلافًا للحقائق، وأما الإسلامُ فإنه نبَّه الإنسانَ وقال له: إن الأشياءَ التي تعبدها وتعتبرها معبودًا هي مخلوقة لخدمتك، الكونُ كلُّه لخدمتك، وأنتَ خُلِقتَ لعبادة الله تعالى، قال الشاعر في اللغة الأردية بما معناه:

أنت لم تُخلق للأرض ولا للسماء*****الكونُ كلُّه لك ولستَ أنتَ للكون

مصالح الإنسان

لقد ذكر الله تعالى في مواطن عديدة من القرآن الكريم مكانةَ الإنسانِ وأن خلقَ الكونِ وما فيه من السماء والأرض ودوران الشمس والقمر وتعاقب الليل والنهار كل ذلك ونحوه لمصالح الإنسان، حيث قال:

وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مِّنۡهُۚ

وقال أيضًا:

وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ دَآئِبَيۡنِۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ ٣٣

وقال أيضًا:

هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا

وتتجلى عظمةُ الإنسانِ من أمر اللهِ تعالى للملائكةِ بسجدة آدم عليه السلام، فقال:

وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ

وإن الله تعالى رفعَ منزلةَ بنی آدم وفضَّلهم على سائرِ المخلوقات، حيث قال:

وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِيٓ ءَادَمَ وَحَمَلۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَفَضَّلۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ كَثِيرٖ مِّمَّنۡ خَلَقۡنَا تَفۡضِيلٗا ٧٠

وجاء في القرآن الكريم إن الله تعالى خلق الإنسانَ في أحسنِ وأعدل صورة فقال:

لَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ فِيٓ أَحۡسَنِ تَقۡوِيمٖ ٤

الصورةُ التي قدَّمها الإسلامُ لكرامة الإنسان وشرفه وتتجلَّى من خلالِ آيات القرآن الكريم هي أساسٌ لفلسفة الحياة في الإسلام.


#مركز_الدعوة_الاسلامية
#مركز_الدعوة_الإسلامية
#الدعوة_الإسلامية
#مجلة_نفحات_المدينة
#نفحات_المدينة

تعليقات



رمز الحماية