الحج ميلاد جديد


نشرت: يوم الخميس،15-أغسطس-2019


ميلاد جديد:

إن الحج ميلاد جديد لكل من أكرمه الله بالحج فعليه أن يحافظ على نقائه وصفائه بعد الحج حتى يلقى الله طاهراً نقيّاً من كلّ ذنب أو معصية؛ وكيف لا يكون ميلاداً جديداً وقد قال الصادق المصدوق في حديثه مُجلِّياً هذا المعنى عن أبي هريرة رضي الله عنه قالَ: سَمِعْتُ رسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقولُ:

منْ حجَّ فَلَم يرْفُثْ، وَلَم يفْسُقْ، رجَع كَيَومِ ولَدتْهُ أُمُّهُ.(متفقٌ عَلَيْهِ)

فهنيئاً لك أيها الحاج بهذا الميلاد فما على العبد إلا أن يلازم التوبة لربه ويعزم على إصلاح شأنه كلِّه في جميع أوقاته إلى أن يلفظ آخر أنفاسه فيحظى بالفلاح:

وَتُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ[النور: ٣١]

شكر المولى على هذه المنة العظيمة:

ومن هذا المنطلق أيضاً على منْ أكرمه الله تعالى بالحج هذا العام أن يلازم شكر المولى جلّ وعلا حيث وفقه الله تعالى لهذه الطاعة ومكّنه من أداء هذه الفريضة العظيمة التي يتمناها الكثير من المؤمنين فاختاره الله أن يكون أحد الوافدين على الله في بيته الحرام فيشكر الله على هذا الفضل ويرغب بالزيادة والمنة من الكريم سبحانه وتعالى القائل:

وَإِذۡ تَأَذَّنَ رَبُّكُمۡ لَئِن شَكَرۡتُمۡ لَأَزِيدَنَّكُمۡۖ وَلَئِن كَفَرۡتُمۡ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٞ.[سورة إبراهيم: ٧]

رحلة إيمانية:

إن رحلة الحج ليست رحلة عادية، ولا نزهة ترفيهية كما يخطأ البعض في فهمها وهذا واضح من خلال تعامل بعض المؤمنين مع هذه العبادة العظيمة؛ بل إن رحلة الحج هي دورة تربوية، أو قل: هي رحلة إيمانية، وزيارة ربّانية يتجرّد فيها العبد من أعباء الدنيا، راغباً بالتخلص من الآثام الماضية، خائفاً من ثقل المعاصي والمظالم، تهْفو روحه لربه، ويؤوب قلبه لبارئه، ويلهج لسانه لخالقه أن يكرمه بحج مبرور وميلاد جديد لذنب مغفور وسعيٍ مشكور وعملٍ مقبول، هذه أسمى مقاصد هذه الرحلة الإيمانية عند الراغبين والراهبين.

أمارات القبول للحج المبرور:

للحج المبرور أمارات وعلامات، فقد سُئِل الحسن البصري رحمه الله تعالى: ما الحج المبرور؟ فقال:

أن تعود زاهدًا في الدنيا، راغبًا في الآخرة.(التبصرة لابن الجوزي: ٢/٢٨٢)

هكذا هو الحج المقبول يدفع صاحبه إلى المزيد من الأعمال المرضية عند رب البريّة، ويحجزه عن المهلكات الرديّة، ويمنعه من الوقوع في الآفات والمخالفات الدنيّة، فانْطلقَ إلى الله بجدِّيّة، يرغب بالأفضل في سلوكياته وأخلاقه ومعاملاته في جميع أحواله، نعم لقد تغير هذا الحاج بكل شيء إلى الأفضل فغير نفسه فتغيّر:

إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡۗ.[سورة الرعد: ١١].

لقد تغيّر من المؤمن المخالف الطالح، إلى المؤمن الموافق الصالح.

حقيقة التلبية:

حين يقوم الحاج فيلهج ملبياً ربّ الأرباب من أول الإحرام إلى آخر منسكٍ من مناسك الحج، يعلن بهذه التلبية خضوعه لربه واستجابته لمولاه جلّ وعلا خضوع العبد الماثل بين يديّ سيده للخدمة بما يرضيه، نعم يلبي الحاج والمعتمر معترفاً بتقصيره وذنوبه، ومقراً باستحقاق عبْدِيته لخالقه؛ كما كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأتباعه حيث ورد: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، قَالَ: " سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُلَبِّي:

لَبَّيْكَ حَجًّا حَقًّا، تَعَبُّدًا وَرِقًّا. (مسند البزار: ٦٨٠٤، وورد أن هذه الصيغة موقوفة عليه رضي الله عنه).

وقد صح عن ابن عمر أنه كان يلبّي بتلبية رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ويزيد مع هذا:

لبيك لبيك، وسعديك، والخير بيديك لبيك، والرغباء إليك والعمل. (رواه مسلم: ١١٨٤)

لبيك مرغوبًا ومرهوبًا إليك، ذا النعماء والفضل الحسن. (أخرجه ابن أبي شيبة كما في فتح الباري: ٣/٤١٠).

فكل أعمال حجّه ومناسكه تعرّفه بالله وتذكّره بحقوق ربه عليه وأنه المعبود بحق لا معبود سواه، ولا تستسلم النفس إلا إليه، فيحفظ الحقوق لهذه التلبية، ويحذر الحدود التي نهاه الله تعالى عنها، فينسى الهوى والأنا، واللغوَ والرفث والخَنَا، ويترك التعلق بالغير والدُنى، فيحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، ويذكر الموت والبلى، وينهج في سائر حياته وتحولاته ملبّياً بالإجابة لله والمراقبة له في كل مكان وزمان، وحاله يقول: ها أنا ذا يا رب مستجيبٌ لك إجابة بعد إجابة وطاعة بعد طاعة قد امتنعتُ عن محظورات الإحرام أثناء حج بيتك الحرام وفي وقوفي بعرفات ومبيتي بالمزدلفة وعند المشعر الحرام ذكرتك ذكراً نسيت فيه الأهل والآباء والأجداد وسهوت عن كل شيء إلا ذكرك وعبادتك، هكذا هو حال الحاج يعيش أحوال التلبية بعد رجوعه فيمتنع عن المحظورات التي نهى الله عنها في سائر الأحوال على الدوام، وطول الدهر والعام، فيحذر إتيانها وقربانها واضعاً نصْبَ عيْنَيْهِ قول الله جل وعلا:

تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقۡرَبُوهَاۗ. [البقرة: ١٨٧].

همّ القبول لا همّ العمل:

المؤمن بعد أدائه لوظيفة العبودية لربه يحمل همّ القبول لعمله فيرجو ذلك ويخاف من الردّ وهذا حال المؤمن في كل العبادات ولا سيما في فريضة الحج ويتذكّر حال المؤمنين الصادقين ويعيش أحوالهم من خلال قول الله تعالى:

وَٱلَّذِينَ يُؤۡتُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمۡ وَجِلَةٌ أَنَّهُمۡ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ رَٰجِعُونَ (60) أُوْلَٰٓئِكَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَهُمۡ لَهَا سَٰبِقُونَ. [المؤمنون: ٦٠ - ٦١].

وقد سألت السيدة عائشة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية فقالت: أهم الذين يشربون الخمر ويسرقون؟ قال:

لا يا بنت الصدّيق! ولكنهم الذين يصومون، ويصلّون، ويتصدّقون، وهم يخافون ألا تُقبَل منهم، أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ.. (رواه الترمذي: ٣١٧٥، وابن ماجه: ٤١٩٨).

هكذا هو حال العبد بعد قيامه بأي عملٍ لربه يخاف من الردّ ويرجو القبول ويسعى لأن يكون من أهل التقوى على الحقيقة ليكون من أهل القبول مع الرضى، يضع نصب عينيه قول الحق الكريم في الكتاب المبين:

إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلۡمُتَّقِينَ.[المائدة: ٢٧]

تعليقات



رمز الحماية