غزوة بدر الكبرى


نشرت: يوم الإثنين،20-أبريل-2020


شهر رمضان شهر جهاد ومجاهدات، وشهرُ عزٍّ وانتصارات، اشتمل في تاريخ المسلمين على العديد من الجولات والمعارك ضد الأعداء، فكان المسلمون فيها أهل عزة وقوة منذ بزوغ فجر الإسلام، وذلك عندما كان المسلمون يرعوْن حق الأوقات، ويغتنمونها بالطاعات والخيرات، ولو أردنا استعراض الأحداث التي يحْفل بها شهر رمضان المبارك لما استطعنا، لكننا سنتكلم عن باكورة الانتصارات وأولى المعارك في الإسلام، فتعالوْا معي نمرّ على أهم تلك الأحداث لنأخذ منها العبر والعظات، ونتذكّر فيها سلفنا الصالح ونحاول أن نشدّ من عزائمنا في إقبالنا على ربنا في شهر القرآن...

يوم الفرقان يوم التقى الجمعان:

كلّكم يعلم أن غزوة بدر وقعت في شهر رمضان المبارك، وفي السابع عشر منه، وكانت معركة فاصلة بين الشرك والإيمان، وكانت غزوة حافلةً بالنصر لأهل الرضوان، هناك على حوض بدر يوم التقى الجمعان، حين ظن أهل قريشٍ أنهم سيظفرون بالنبي العدنان صلّى الله عليه وسلم، لكنهم خابوا وخسروا أمام ثلاث مئة من أصحاب نبينا صلّى الله عليه وسلم؛ وهم ما يزيد على ألف من المشركين المدجَّجين بالسلاح والعتاد، أيْ كانوا ثلاثة أضعاف عدد المسلمين من حيثُ العدد والعُدَّة، وهي أول غزوة للمسلمين ضد أعدائهم وهي معركة الفرقان، وسُميت بيوم الفرقان أيضاً.

قصة غزوة بدر الكبرى:

سببها أن النّبي صلّى الله عليه وسلم سمع بقافلة لقريش راجعةً من الشام بقيادة أبي سفيان بن حرب، فحرّض المسلمين عليها، ليأخذوها عِوَضاً على ما تركوا من أموالهم في مكة، وانقسموا لفريقين في ذلك، وتحسّس أبو سفيان الطريق إلى مكة، فبلغه ما دبّره المسلمون لقوافل قريش، فأرسل ضمضم بن عمرو الغفاري إلى مكة ليخبر قريشاً بالخبر ويستنفرهم للخروج محافظةً على أموالهم.

فبلغ الخبر قريشاً، فتجهّزوا سراعاً، وخرجوا قاصدين الغزو، ولم يتخلّفْ منهم أحدٌ، وكانوا قريباً من ألفِ مقاتل.

وخرج رسول الله صلّى الله عليه وسلم في ليال مضت من شهر رمضان مع أصحابه وكانوا، فيما رواه ابن إسحاق، ثلاث مئة وأربعة عشر رجلاً، وكانت إبلهم سبعين، يتعاقب على الواحدة منها اثنان أو ثلاثة من الصحابة، وهم لا يعلمون عن قريش شيئاً، أما أبو سفيان فسلك طريق الساحل إلى مكة وجعل ماء بدر عن يساره، وأسرع حتى نجى بتجارته وقوافل قريش من الخطر.

مجلس للشورى:

حين أتى خبر مسير قريش إلى المسلمين، عقد النبي صلى الله عليه وسلم مجلساً استشارياً واستشار أصحابه، فتكلّم المهاجرون كلاماً حسناً، وكان منهم المقداد بن عمرو وقال:
يا رسول الله! امض لما أمرك الله فنحن معك.
ولكن النّبي صلّى الله عليه وسلم ظلّ ينظر إلى القوم ويقول لهم: أشيروا عليّ أيها الناس.
فقال له سعد بن معاذ: والله لكأنّك تريدنا يا رسول الله.
قال: أجل.
فقال سعد: لقد آمنّا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض لما أردتّ فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك.
فسُرّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم بقول سعد، ثم قال: سيروا وأبشروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين.. والله لكأنّي الآن أنظر إلى مصارع القوم.(بتصرف من شرح العلامة الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية: ص٢٦٨-٢٦٩ ج٢، وتفسير الخازن والبغوي: ص١٣ ج٣)

بعثة استخبارات:

ثم تحسّس النبي صلى الله عليه وسلم أخبار قريش وعددهم عن طريق العيون التي بثّها حتى علم المسلمون أنهم ما بين التسع مئة والألف، وأن فيهم عامة زعماء المشركين.

مع أن أبا سفيان أرسل إليهم أن يرجعوا إلى مكة، لأن القوافل نجتْ، لكن أبا جهل أصرّ على المتابعة وكان مما قاله: والله لا نرجع حتى نرِدُ بدراً فنقيم عليه ثلاثاً، فننحر الجزر ونطعم الطعام ونسقي الخمر وتعزفُ علينا القيان، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا فلا يزالون يهابوننا.

رأي شابٍ من صغار الصحابة في حضرة كبارهم:

مضى الصحابة حتى نزلوا بالعدوة القصوى من الوادي، ونزل رسول الله صلّى الله عليه وسلم عند أدنى ماء من مياه بدر، فقال الحباب بن المنذر:

يا رسول الله: أرأيت هذا المنزل، أمنزلاً أنزلَكه الله ليس لنا أن نتقدّم ولا أن نتأخّر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: بل هو الحرب والرأي والمكيدة، فقال: فإن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله ثم نغوّر ما وراءه من الآبار، ثم نبني عليه حوضاً فنملؤه ماء، ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون. فنهض رسول الله صلّى الله عليه وسلم وتحوّل إلى المكان والرأي اللذيْن أشار بهما الحباب رضي الله عنه.(بتصرف من الإصابة: ١- ٣٠٢، وفقه السيرة للشيخ البوطي رحمه الله تعالى: ١/١٥٦ وما بعد)

واقترح سعد بن معاذ أن يبنى عريش للنّبي صلّى الله عليه وسلم ليكون حصناً له، فوافق عليه الصلاة والسلام على ذلك. ثم أخذ يطمْئن أصحابه بتأييد الله ونصره له حتى إنه كان يقول:

هذا مصرع فلان، ومصرع فلان (أي من المشركين)، وهو يضع يده على الأرض هاهنا وهاهنا.. فما تزحزح أحدهم في مقتله عن موضع يده!(رواه مسلم: ٦/١٧٠)

التضرع والدعاء مع الوعد بالنصر وبعد الأخذ بالأسباب:

راح رسول الله صلّى الله عليه وسلم يجْأر إلى الله تعالى بالدعاء ويتضرع مساءً ليلة الجمعة لسبع عشرة مضت من شهر رمضان ويقول:

اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادّك وتكذّب رسولك، اللهم فنصرك الذي وعدتني، اللهم أحنِهم الغداة..

وظلّ يناشد الله متضرعاً وخاشعاً وهو يبسط كفيه إلى السماء حتى أشفق عليه أبو بكر رضي الله عنه، فالتزمه من ورائه وقال له:

يا رسول الله! أبشرْ فو الذي نفسي بيده لينجزنَّ الله لك ما وعدك..

وأقبل المسلمون أيضاً يستنصرون الله ويستغيثونه ويخلصون له في الضراعة. (بتصرف من سيرة ابن هشام: ١/٢٠٥، وحديث استغاثة الرسول بربّه في غزوة بدر متفق عليه..)

المعركة تبدأ:

وفي صبيحة يوم الجمعة لسنتين خلتا من الهجرة بدأ القتال بين المشركين والمسلمين، وأخذ النّبي صلّى الله عليه وسلم حفنة من الحصباء فاستقبل بها قريشاً وقال: شاهت الوجوه .
ثم نفحهم بها فلم يبق فيهم رجل إلا امتلأت عيناه منها، وأيّد الله المسلمين بالملائكة يقاتلون إلى جانبهم. (حديث تأييد للمؤمنين بالملائكة في بدر متفق عليه)
وانحسر القتال عن نصر كبير للمسلمين، وقتل في تلك الموقعة سبعون من صناديد المشركين، وأسر سبعون، واستشهد من المسلمين أربعة عشر رجلاً.
وأُلقيت جثث المشركين الذين صرعوا في هذه الغزوة -وفيهم عامة صناديدهم- في قليب بدر وقام رسول الله صلّى الله عليه وسلم على ضفة البئر فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: يا فلان ويا فلان بن فلان، أيسرّكم أنكم أطعتم الله ورسوله؟ فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربّنا حقّا، فهل وجدتم ما وعد ربّكم حقا؟
فقال عمر: يا رسول الله ما تكلّم من أجساد لا أرواح لها؟
فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم.(رواه البخاري رحمه الله تعالى: ٥/٨، وروى مسلم رحمه الله تعالى نحوه في: ٨/١٦٣)

الشورى في أسرى غزوة بدر الكبرى:

واستشار النّبي صلّى الله عليه وسلم أصحابه في أمر الأسرى، فأشار عليه أبو بكر رضي الله عنه أن يأخذ منهم فدية من المال تكون قوة للمسلمين ويتركهم عسى الله أن يهديهم، وأشار عمر بن الخطاب رضي الله عنه بقتلهم لأنهم أئمة الكفر وصناديده، ولكن النّبي صلّى الله عليه وسلم مال إلى ما رآه أبو بكر من الرحمة بهم وافتدائهم بالمال، وحكم فيهم بذلك؛ غير أن آيات من القرآن نزلت على رسول الله صلّى الله عليه وسلم في ذلك، وأيّدت الرأي الذي رآه سيدنا عمر من قتلهم، وهي من قوله تعالى:

ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ إلى قوله فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّباً. [الأنفال ٨/٦٧]، (صحيح مسلم: ٥/١٥٧- ١٥٨)

بعض فوائد وثمرات معركة الفرقان:

١. حرص النبي صلّى الله عليه وسلم على الثواب والأجر وتواضعه بين أصحابه، مع إجلال الصحابة وتوقيرهم له صلّى الله عليه وسلم وذلك حين كان جيش المسلمين يسير من المدينة إلى موقعة بدر وكان كل ثلاثة منهم يتناوبون على بعير واحد. كما رُوي عن عبد اللَّه بْن مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ:

كُنَّا يَوْمَ بَدْرٍ، كُلَّ ثَلَاثَةٍ عَلَى بَعِيرٍ، فَكَانَ أَبُو لُبَابَةَ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ زَمِيلَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: فَكَانَتْ إِذَا جَاءَتْ عُقْبَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يعني دوره في المشي) قَالَا: نَحْنُ نَمْشِي عَنْكَ، قَالَ: "مَا أَنْتُمَا بِأَقْوَى مِنِّي، وَمَا أَنَا بِأَغْنَى عَنِ الْأَجْرِ مِنْكُمَا". (رواه الإمام أحمد في المسند وغيره)

قال علماؤنا إن في هذا تواضعاً منه صلّى الله عليه وسلم ومشاركة لأصحابه في أعباء الجهاد والسير إليه، وفيه أيضاً أهمية الحرص على الثواب والأجر "وَمَا أَنَا بِأَغْنَى عَنِ الْأَجْرِ مِنْكُمَا" فما أعظم اهتمام النبي صلّى الله عليه وسلم في الثواب وما أكبر زهدنا فيه وخصوصاً ونحن في شهر رمضان شهر الفضائل والقربات والتراويح والصلوات، وشهر المغفرة والتوبة من الحوبات، لماذا نزهد بهذا الثواب والفضل ونحن أحوج ما نكون إليه مع أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم غير محتاج إليه، وكان يحرص كل الحرص على الثواب والأجر، ليعلّمنا الاهتمام بالثواب في أصعب الظروف، نسأل الله أن يوفّقنا لاغتنام ما يقسّمه الله في هذا الشهر وأن يكرمنا به وأن لا يجعلنا من المحرومين. إنه سميع مجيب..

٢. حرْص النبي صلّى الله عليه وسلم على المشاورة مع أصحابه وأخذه برأيهم وخصوصاً فيما لا يتعلّق بالوحي والرسالة حتى لو كان المشير صغيراً.
٣. حرص الصحابة على متابعة النبي صلّى الله عليه وسلم والتضحية معه في سبيل الدعوة ولو كان على حساب أرواحهم وأموالهم.. وزيادة على معاهداتهم.
٤. قوله صَلَّى الله عليه وسلم للحباب بن المنذر: "قَدْ أَشَرْتَ بِالرَّأْيِ" يدلّ على أخذ الصواب بالرأي حتى لمن كان صغيراً، وإجازة رسول الله صلى الله عليه وسلم للصحابة أن يتحدّثوا حتى مع صغر سنِّهم وتشجيعهم على ذلك.
٥. لما علم النبي صلّى الله عليه وسلم تضحية الصحابة وصدقهم في الثبات معه وأنهم باعوا أنفسهم لله حقيقةً أخذ صلّى الله عليه وسلم يطمْئن أصحابه بتأييد الله ونصره، حتى أنه كان يقول:

هذا مصرع فلان، ومصرع فلان (أي من المشركين)، وهو يضع يده على الأرض هاهنا وهاهنا.. فما تزحزح أحدهم في مقتله عن موضع يده! (رواه مسلم: ٦/١٧٠)


٦. أن الانتصار يكون بالصدق وأن الثبات على الحق يكون بمتابعة النبي صلّى الله عليه وسلم واقتفاء أثره، وأن الصحابة رضي الله عنهم خيرُ من وفّى بذلك مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فما أحوجنا ونحن في هذا الشهر أن نصحّح مسارنا في متابعة نبينا صلّى الله عليه وسلم، وننصر الإسلام بأقوالنا وأفعالنا ونتحلّى بالصدق والإخلاص في الثبات على الإيمان والعمل لمصالح الدين والإسلام لا للأهواء والرعونات.
٧. الدعاء والتضرع بعد الأخذ بالأسباب يكون سبباً من أسباب النصر والغلبة.

اللهم اجعل شهر رمضان شهر خير وبركة علينا وعلى جميع المؤمنين آمين بجاه النبي الأمين،
صلى الله تعالى عليه وعلى وآله وأصحابه وسلم أجمعين.

تعليقات



رمز الحماية