خصائص القرآن الكريم وكيفية الاستفادة من جواهره


نشرت: يوم الأَربعاء،03-فبراير-2021


لا يخفى على كل مسلم أن القرآن الكريم كلام الله المنزل من رب العالمين وهو معجزة خاتم الأنبياء وسيد المرسلين صلى الله عليه وسلم, وهو الكلام الذي لا يدانيه كلام, ولا يبلغ عشر معشار بلاغته الفَصِيحُ المِكْلام, وقد كانت العرب وقت نزول التنزيل تتفاخر بالبلاغة والفصاحة والشعر, فلما سمعوا القرآن وقفوا عاجزين مندهشين, وخَرُّوا من جزالته وبلاغته ساجدين, حتى قال المغيرة بن شعبة وهو من فصحاء العرب فيما رواه البيهقي في شعب الإيمان عن ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا :

أنَّ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وَسَلَّمَ فَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ فَكَأَنَّهُ رَقَّ لَهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا جَهْلٍ، فَأَتَاهُ، فَقَالَ: يَا عَمِّ! إِنَّ قَوْمَكَ يَرَوْنَ أَنْ يَجْمَعُوا لَكَ مَالًا. قَالَ: لِمَ؟ قَالَ لِيُعْطُوكَهُ فَإِنَّكَ أَتَيْتَ مُحَمَّدًا لِتَعْرِضَ لِمَا قِبَلَهُ ، قَالَ: قَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أَنِّي مِنْ أَكْثَرِهَا مَالًا، قَالَ: فَقُلْ فِيهِ قَوْلًا يَبْلُغُ قَوْمَكَ أَنَّكَ مُنْكِرٌ لَهُ أَوْ أَنَّكَ كَارِهٌ لَهُ قَالَ : وَمَاذَا أَقُولُ؟ فوالله مَا فِيكُمْ رَجُلٌ أَعْلَمَ بِالْأَشْعَارِ مِنِّي، وَلَا أَعْلَمَ بِرَجَزِهِ وَلَا بِقَصِيدَتِهِ مِنِّي، وَلَا بِأَشْعَارِ الْجِنِّ. وَاللهِ مَا يُشْبِهُ الَّذِي يَقُولُ شَيْئًا مِنْ هَذَا، ووالله إِنَّ لِقَوْلِهِ الَّذِي يَقُولُ حَلَاوَةً، وَإِنَّ عَلَيْهِ لَطُلَاوَةً وَإِنَّه لمُثمِر أعْلاه، مُغْدِقٌ أَسْفَلُهُ، وَإِنَّهُ لَيَعْلُو وَمَا يُعْلَا، وَأَنَّهُ لَيَحْطِمُ مَا تَحْتَه. (رواه البيهقي في دلالة النبوة)

في الحقيقة إن كل مسلم لا يخفى عليه أن القرآن هو في ذروة البلاغة والقداسة, ولكن ما قد يتساءل عنه الكثيرون هو: ما الميزات والخصائص التي أضفت على القرآن ما أضفت حتى أحلته من قلوب المسلمين هذه المنزلة من القداسة والتعظيم؟ وما هي الخصائص والأسرار التي جعلت القرآن الكريم في ذروة الكلام الفصيح؟ ثم ما هي الوسائل التي تمكننا من الاستفادة من فوائد القرآن الكريم وعلومه وبركاته؟

هذا ما سنحاوله بيانه في هذه المقالة بعون الله تعالى.

خصائص القرآن الكريم

إن للقرآن الكريم خصائص وميزات لا تعد ولا تحصى, من أهمها:

  1. كلام الله: وشرف الإضافة من شرف المضاف إليه, فمن أعظم خصائص القرآن الكريم هي أنه كلام الله سبحانه وتعالى المنزل على نبينا سيدنا محمد صلى الله تعالى وسلم, المتعبد بتلاوته, المنقول إلينا بالتواتر.
  2. معجزة خالدة: لقد أيد الله كل رسول بمعجزة تظهره صدقه, وقد كانت معجزات الأنبياء محدودة بزمانهم, أما نبينا عليه الصلاة والسلام فقد خصه الله تعالى بمعجزة القرآن المعجزة الباقية ما تعاقبت الليالي والأيام, يقول النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه البخاري: ما مِن نبيٍّ إلا أُوتِي ما مثله آمَن عليه البشَر، وإنما كان الذي أُوتِيتُه وحيًا أُوحِيَ إليَّ، فأوَدُّ أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة.
    قال الإمام البوصيري رحمه الله:
  3. دامت لدينا ففاقت كل معجزة***من النبيين إذ جاءت ولم تدم

  4. إحكامه: فليس في القرآن آية تعارض على الحقيقة آية أخرى, ولا معنى يعارض معنى آخر, ولا قصة تنفي أختها, وصدق المولى سبحانه:

    وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا. (النساء ٨٢)

  5. إعجازه بالنظم: فنظم القرآن هو ما وقع به التحدي كما أشار لذلك عدد من العلماء, وقد جاء خلافا لما عهد العرب من أساليب السجع والشعر, واشتمل على الفصاحة والبلاغة وعدم التفاوت في مستوى هذه الفصاحة في الآيات والسور, وأكد الإمام الباقلاني رحمه الله في كتابه إعجاز القرآن أن القرآن منزل بلسان العرب ولكنه نزل على وزن يفارق سائر أوزان كلامهم ولو كان من بعض ما ألفوه من نظم وشعر لعرفوا أن صاحبه قد برع فيه وتقدم، ولكنه جاء من غير جنس كلامهم، وليس يخرج الحذق في الصنعة إلا أن يؤتى بغير جنسها وما ليس منها وما لا يعرفه أهله. قال الله تعالى

    وقُل لَّئِنِ ٱجۡتَمَعَتِ ٱلۡإِنسُ وَٱلۡجِنُّ عَلَىٰٓ أَن يَأۡتُواْ بِمِثۡلِ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ َا يَأۡتُونَ بِمِثۡلِهِۦ وَلَوۡ كَانَ بَعۡضُهُمۡ لِبَعۡضٖ ظَهِيرٗا . (الإسراء ٨٨)

 

وصف بديع كاف في بيان شرف القرآن الكريم وعظم قدره

ويكفي في وصف قدر عظم القرآن ورفعة شأنه كلام سيدنا علي عليه السلام, ففي الترمذي عن الحارِثِ الأعْوَرِ قالَ:

مَرَرْتُ فِي المَسْجِدِ، فَإِذَا النّاسُ يَخُوضُونَ فِي الأَحَادِيثِ، فَدَخَلْتُ عَلَى عَلِيّ، فَقلت: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، أَلاَ تَرَى النّاسَ قَدْ خَاضُوا فِي الأحَادِيثِ؟ قالَ: وقد فَعَلُوهَا؟ قلت: نَعَمْ، قالَ: أَمَا إِني قد سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "أَلاَ إِنّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةٌ، فَقلت: مَا المَخْرَجُ مِنْهَا -يَا رَسُولَ الله-؟ قالَ: كِتَابُ الله، فِيهِ نَبَأُ مَا كان قَبْلَكُمْ، وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ، وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ، وَهُوَ الفَصْلُ لَيْسَ بِالْهَزْلِ، مَنْ تَرَكَهُ مِنْ جَبّارٍ قَصَمَهُ الله، وَمَنْ ابَتَغَى الهُدَى فِي غَيْرِهِ أَضَلّهُ الله، وَهُوَ حَبْلُ الله المَتِينُ، وَهُوَ الذّكْرُ الْحَكِيمُ، وَهُوَ الصّرَاطُ المُسْتَقِيمُ، هُوَ الّذِي لاَ تَزِيعُ بِهِ الأَهْوَاءُ، وَلاَ تَلْتَبِسُ بِهِ الالْسِنَةُ، وَلاَ يَشْبَعُ مِنْهُ الْعُلَمَاءُ، وَلاَ يَخْلُقُ عَلى كَثْرَةِ الرّدّ، وَلاَ تَنْقَضَي عَجَائِبُهُ، هُوَ الّذِي لَمْ تَنْتَهِ الْجِنّ إِذْ سَمِعَتْهُ حَتّى قالُوا: إِنَّا سَمِعۡنَا قُرۡءَانًا عَجَبٗا (1) يَهۡدِيٓ إِلَى ٱلرُّشۡدِ فَ‍َٔامَنَّا بِهِ، مَنْ قالَ بِهِ صَدَقَ، وَمَنْ عَمِلَ بِهِ أُجِرَ، وَمَنْ حَكَمَ بِهِ عَدَلَ، وَمَنْ دَعَا إِلَيْهِ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ". خُذْهَا إِلَيْكَ يَا أَعْوَر

 

فضل قراءة القرآن

لو أردنا التوسع في سرد أحاديث عن فضل قراءة القرآن لاحتجنا إلى مجلدات كثيرة, فإن لتلاوة الآيات القرآنية فضائل لا تحصى فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:

مَثَلُ المؤمن الذي يقرأُ القرآن (ويعملُ به) كمَثَل الأُتْرُجَّة؛ ريحُها طيِّب، وطعمُها طيِّب، ومَثَلُ المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمَثَل التَّمرة؛ لا ريح لها، وطعمُها حلوٌ، ومَثَل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الرَّيحانة؛ ريحها طيِّب، وطعمها مر، ومَثَل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمَثَل الحنظلة ليس لها ريح وطعمها مر. (متفق عليه)

وقال عليه الصلاة والسلام:

من قرأ حرفا من كتاب الله فله حسنة والحسنة بعشر أمثالها ، لا أقول الم حرف ، ولكن ألف حرف ، ولام حرف ، وميم حرف. (رواه الترمذي )

 

كيفية الاستفادة من جواهر القرآن الكريم

إن الاستفادة مما في القرآن الكريم تكون على نحويين, الأول الاستفادة العلمية, والثاني الاستفادة العملية الروحية

الاستفادة العلمية

 

  1. على الإنسان أن يخصص من وقته كل يوم ليقرأ شيئا من تفاسير القرآن الكريم حتى يستبين معانيه ويغوص إلى أعماقه فيلتقط من درره وجواهره ما يثبت إيمانه ويرتقي بأخلاقه, فكلما ازداد المرء علما, ارتفع قدره عند الله عز وجل, فالعلم قبل العمل, ومن أعظم العلوم العلوم المستقاة من القرآن الكريم, يقول الله عز وجل قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلَّذِينَ يَعۡلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَۗ ويقول الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم: لأَنْ تَغْدُوَ فَتَعَلَّمَ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللهِ خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تُصَلِّيَ مِئَةَ رَكْعَةٍ
  2. تعلم كيفية تلاوته وتجويده: فعن أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: مثل الذي يقرأ القرآن وهو حافظ له مع السفرة الكرام البررة, ومثل الذي يقرأ وهو يتعاهده وهو عليه شديد فله أجران. (متفق عليه), فينبغي على المسلم أن يحسن تجويد الآيات القرآنية.
  3.  

    الاستفادة العملية

    إن للاستفادة العملية من بركات القرآن الكريم لا لنا من مراعاة آداب متعددة منها:

    1. تطهير القلب واستحضار النية: للاستفادة من بركات القرآن وتلاوته لا بد بداية من تطهير الباطن قبل تطهير الظاهر, وذلك باستحضار النية الصالحة, وتطهير محل نظر الباري جل وعلا, يقول النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم.

      لئن طَهَّرت ثوباً دون قلب****فطهر الثوب دون القلب حيضُ

    2. تطهير الظاهر: وذلك بالوضوء, فإن مس المصحف من غير وضوء لا يجوز, أما قراءته من غير مس المصحف فهي جائزة, ولكن الأولى أن يكون الإنسان حين تلاوة القرآن على طهارة.
    3. تهيئة المكان وتطهيره وتطيبه: فإن الملائكة تحضر تلاوة القرآن, مما يزيد تنزلات السكينة والرحمة, يقول النبي صلى الله عليه وسلم: إنَّ لِلَّهِ مَلائِكَةً يَطُوفُونَ في الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أهْلَ الذِّكْرِ، فإذا وجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَنادَوْا: هَلُمُّوا إلى حاجَتِكُمْ قالَ: فَيَحُفُّونَهُمْ بأَجْنِحَتِهِمْ إلى السَّماءِ الدُّنْيا. (البخاري)
    4. عدم قطع تلاوته: ومن الآداب التي يغفل عنها كثيرون عدم قطع تلاوة القرآن الكريم لأمر دنيوي إلا لحاجة, فإن القارئ يخاطب المولى سبحانه وتعالى, فالذي يخاطب الملك لا يلتفت عنه لسواه, وقد كان الإمام الشعراني رحمه الله يستغفر الله سبع مئة مرة إذا قطع تلاوة القرآن لحاجة دنيوية كما ذكر في كتابه المنن الكبرى.
    5. أن يخصص لنفسه حزبا من القرآن يقرؤه كل يوم, فلا يمر عليه يوم إلا ويقرأ فيه حصة من القرآن الكريم

     

    نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يقرؤون القرآن ويعملون به إنه سميع قريب مجيب وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

تعليقات



رمز الحماية