تضحيات خير نساء الأرض أمّ المؤمنين السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله تعالى عنها | محمد إلياس السکندري


نشرت: يوم الخميس،28-أبريل-2022

تضحيات خير نساء الأرض أمّ المؤمنين السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله تعالى عنها

مما لا شك فيه أنّ الإسلام رفع من شأن المرأة، وأكرمها بما لم يكرمها به دين سواه؛ قال الله تعالى في محكم تنزيله:

﴿مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٌ فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةً طَيِّبَةً وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٩٧﴾.

وقال تعالى:

﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكۡتَسَبُواْۖ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكۡتَسَبۡنَۚ وَسۡـَٔلُواْ ٱللَّهَ مِن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيماً ٣٢﴾.

وقال تعالى أيضا:

﴿وَلَهُنَّ مِثۡلُ ٱلَّذِي عَلَيۡهِنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيۡهِنَّ دَرَجَةٞۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ٢٢٨﴾.

يتضح لنا من خلال هذه الآيات الكريمة، وغيرها أن الإسلام يقرّر المساواة بين الرجل والمرأة على حدّ سواء، ولم يفضل أحدهما على الآخر كما يزعم به البعض.

فمشيًا على نهج القرآن الكريم لم يترك تاريخنا الإسلامي ذكر النساء اللواتي تركن بصمة في الحياة حتى بلغ صيتهن الآفاق بما قدمن من التضحيات أو البطولات أو الانجازات؛ لأنّها صنوة الرجل، وشريكته في تحمل المسؤوليّات، فإذا تكلّمنا عن سيرة النساء الخالدات فلا يكفي لنا المجلّدات الكبيرة، ولكن سأقدم لكم نبذة يسيرة لامرأة عظيمة من نخبة النساء الخالدات التي يعتزّ بهنّ الإسلام، وإنّها لسيرة أعظم امرأة عرفها التاريخ قامت بمهمّتها خير قيام، رعت حق الخالق سبحانه وتعالى، فاتَّبعته في كلّ ما أمر به على لسان نبيّه ﷺ، وسلكت الطريق الصحيح تجاه نفسها، وتجاه من تولّت شؤونهم، وتحملت المسؤوليّة كاملة، وما أعظم مسؤوليتها! وأعظم ما قامت به تجاه رسول الله ﷺ زوجها الأمين، وتجاه دعوته إلى الله تعالى، وتجاه بيتها وذريتها الطاهرة.! لقد أدت واجبها بما جبلت عليه من خلقٍ حتى أصبحت مثلًا يحتذى، ومصباحًا ينير لكلّ من أراد أن يسلك الطريق الواضح المعالم في الحياة.

وليتبيّن للمرأة المسلمة المعاصرة حجم العطاء المنتظر منها تجاه دينها، ووطنها، وأسرتها، وخاصة في زمننا هذا الذي نواجه -نحن كمسلمين- فيه تحدّيات كبيرة، ومشكلات جمة تحاول صرف المرأة المسلمة عن القيام بدورها العظيم الذي رسمه لها ديننا الحنيف، وشريعتنا الغراء.

أوّل تضحية:

لما سمعت السيدة خديجة رضي الله عنها عن أخلاق النبي ﷺ، وما اشتهر به من الصدق، والأمانة، وما سمعت من غلامها "ميسرة" في سفره للتجارة إلى الشام، وهي امرأة تاجرة ذات مال، وجمال، وجاه تحتاج إلى رجل مثله ﷺ لتأتمنه على نفسها، ومالها.

واشتهرت رضي الله تعالى عنها بالأخلاق الحسنة، والعادات الجميلة، قال السهيلي رحمه الله تعالى: وخديجة بنت خويلد تسمى "الطاهرة في الجاهلية والإسلام"، وفي سير التيمي: أنها كانت تسمّى "سيدة نساء قريش".

وقال الزبير رحمه الله تعالى: كانت خديجة تدعى في الجاهلية "الطاهرة".

كانت السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله تعالى عنها امرأة حازمة جلدة شريفة مع ما كانت عليه من الكرامة والخير، وهي يومئذ أوسط قريش نسبًا، وأعظمهم شرفًا، وأكثرهم مالًا، وأكثر قومها كان حريصًا على نكاحها والزواج منها لو قدر على ذلك وقد طلبوها وبذلوا لها الأموال، لشرفها وجمالها ومالها رضي الله تعالى عنها، وانصرفت رضي الله تعالى عنها بعد موت زوجها الثاني عن الزواج، ورفضت أن تتزوّج أحدًا ممن تقدّم لخطبتها، لتتشرّف بعد ذلك بالزواج من النبي ﷺ.

فأوّل تضحية في حياتها حين اختارت النبيّ محمدًا ﷺ قبل بعثته بخمسة عشر سنة للزواج وهو رجل قليل المال، وفاقد الأب والأم، وقد اتّفقت الروايات كلّها على أنّ السيدة خديجة رضي الله تعالى عنها هي التي خطبت النبي ﷺ لتتشرّف بالزواج منه، وأنّها هي التي مهدت لإجراءات الخطبة، وتجاوزت رضي الله تعالى عنها بهذا كلّ الأعراف والتقاليد التي تجعل الرجل هو الخاطب الذي يتقدّم لخطبة المرأة، ولها كلّ العذر في ذلك فمثل النبي ﷺ تخطبه النساء، وما من امرأة إلا تتمنّاه لنفسها زوجًا، وتبذل كلّ ما تستطيع لتصبح زوجة له كما قال سيّدنا أبو عبد الله الزرقاني في شرحه على "المواهب": عرضت (السيدة خديجة رضي الله تعالى عنها) عليه ﷺ نفسها، فقالت: يا ابن عمّ! إني قد رغبت فيك لقرابتك، وسلطتك في قومك، وأمانتك، وحسن خلقك، وصدق حديثك.

الزوجة الوفية:

كانت السيدة خديجة رضي الله تعالى عنها تتفاني في طاعة زوجها سيدنا محمد ﷺ، وخدمته، وتهيئة أسباب الراحة له، وكانت تتولّى خدمته بنفسها بكل طاقاتها، فكانت الأمّة الصالحة المطيعة لله ورسوله المتفانية في خدمة رسول الله تعالى، وإعانته في إيصال الهدي الإلهي للعالمين، ومواساته في الأذی الذي تحمّله من قومه، وأهل بلده، ويدلّ على ذلك الحديث الذي رواه سيدنا أبوهريرة رضي الله تعالى عنه:

" أتى جبريل عليه السلام النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله! هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها، ومنّي، وبشّرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه، ولا نصب"

فهي أول نساء النبيّ الأعظم محمد ﷺ، فكانت أمّ المؤمنين الأولى.

أعظم موقف من حياتها:

تتجلّى أعظم مواقف سيّدتنا خديجة رضي الله تعالى عنها مع سيّدنا وحبيبنا محمد ﷺ ما يدلّ على قوّة يقينها، ووفور عقلها، وصحّة عزمها ما حدث عندما أوحي إلى النبي ﷺ في الغار، وكان يخلو بغار حراء لعبادة الله تعالى الليالي ذوات العدد، فإذا ما نفد معه الماء والزاد رجع إلى أهله فيتزود لمثلها، وبينما كان النبيّ ﷺ خاليًا بنفسه في الغار كعادته يتعبّد الله عزّ وجلّ بهدوء تام، إذ يأتيه فجأة آت، ويقول له: اقرأ، قال: "ما أنا بقارئ"، قال: " فأخذني فغطّني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: اقرأ، قلت: "ما أنا بقارئ"، فأخذني فغطّني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: "ما أنا بقارئ"، فأخذني فغطّني الثالثة ثم أرسلني، فقال:

﴿ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ ١ خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِنۡ عَلَقٍ ٢ ٱقۡرَأۡ وَرَبُّكَ ٱلۡأَكۡرَمُ ٣﴾

فرجع النبي ﷺ إلى أهله يرجف فؤاده، فدخل على سيدتنا خديجة بنت خويلد رضي الله تعالى عنها، فقال: "زمّلوني، زمّلوني"، فزمّلوه حتى ذهب عنه الروع، فأخبر زوجته خديجة رضي الله تعالى عنها بالخبر وما حصل له ثم قال: لقد خشيت على نفسي، فقالت خديجة رضي الله تعالى عنها: كلّا والله ما يخزيك الله! أبدًا، إنّك لتصل الرحم، وتحمل الكَلَّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق.

وقد ضربت سيدتنا خديجة رضي الله تعالى عنها أروع الأمثلة في وقوف المرأة إلى جانب زوجها في المضرات ولو كانت غريبة بالنسبة إليها وإليه، لم تقل له: إن كانت خلوتك في الغار تضيرك أو تفزعك، فدع عنك تلك الخلوة، وابق معنا في البيت؟ لكنها وقفت معه منافحة عن الأمر الذي حُبَّب إليه، فقالت رضي الله تعالى عنها: كلا والله ما يخزيك الله أبدًا.

نعم الدعم والعون:

كانت أم المؤمنين السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله تعالى عنها نعم المساندة، والمعينة، والداعمة لرسول الله ﷺ، وقفت رضي الله تعالى عنها بجانب زوجها ﷺ تساعده، وتشدّ من أزره، وتعينه على احتمال الشدائد والمصائب، بل وتدفع من مالها لنصرته، ومن حنانها، وعطفها لمواساته، وتسليته، ولعلّ موقفها من ميثاق الظلم والعدوان الذي كتبه المشركون حين اجتمعوا في خيف بني كنانة، فأجمعوا أمرهم وتحالفوا على بني هاشم وبني المطلب أن لا يجالسوهم ولا يبايعوهم ولا يدخلوا بيوتهم حتى يسلّموا رسول الله ﷺ للقتل وكتبوا صحيفة وعهودًا ومواثيق لا يقبلوا من بني هاشم أبدًا صلحًا حتى يسلّموه للقتل.

فتحملت رضي الله تعالى عنها لأجل الله تعالى ورسوله ﷺ أن تعاني مع بني هاشم، وبني المطلب الحصار الجائر المفروض عليهم مدّة ثلاث سنوات بلا طعام سوى ما كان يصل إلى المحاصرين سرًّا أو في الأشهر الحرم حين يستطيع المحاصرون الخروج من الشعب لشراء الحوائج وبأسعار مبالغ فيها.

إنّها الصدّيقة .... إنّها الزّوجة ........ إنّها الطّاهرة:

إنها الإنسانة الوفيّة التي كانت دائمًا على أهبة الاستعداد لمساعدة رسول الله ﷺ، والوقوف إلى جانبه حتى في أصعب اللحظات، ومدّ يد العون له بكلّ قوة في السرّاء والضرّاء، فكانت لها تلك السيرة العطرة والصحبة الكريمة لسيدنا وحبيبنا محمد ﷺ، وقد توفيت رضي الله تعالى عنها قبل الهجرة بثلاث سنين على الأصح، وكانت وفاتها بعد وفاة أبي طالب بثلاثة أيام.

قال العلامة ابن حجر رحمه الله تعالى في "الفتح": وماتتْ على الصحيح بعد المبعث بعشر سنين في شهر رمضان أقامتْ معه ﷺ خمسًا وعشرين على الصحيح، وقال العلامة ابن عبد البرّ رحمه الله تعالى: أربعًا وعشرين سنةً وأربعة أَشْهُرٍ.

ودفنت رضي الله تعالى عنها بمكة المكرمة في مقابر المعلّى في الحجون وهي في الخامسة والستين من عمرها.

لقد توفيت السيدة خديجة رضي الله تعالى عنها بعد أن وقفت مع رسول الله ﷺ تؤيده، وتثبته، وتنصره، وتقف معه ﷺ، وتبذل كل ما تملك في سبيل نصرته وراحته رحم الله تعالى أم المؤمنين خديجة رضي الله تعالى عنها، فقد آمنت حين كفر الناس، وأعطت حين منع الناس، وصدّقت حين كذّب الناس، ووقفت معه يوم اشتدّ أذى الكفار عليه ﷺ، لن ننسى مواقفك العظيمة أيها الطاهرة العفيفة، بل نسأل الله أن يجزيك خير الجزاء فقد كنت سكنه المطمئن وكنت المهدّئة لروعه والزوجة الصالحة، والرفيقة الفالحة، هكذا سجلت السيدة خديجة رضي الله تعالى عنها صفحات مشرقة بالتضحية، والعطاء للإسلام، والحب الصادق لرسول الإسلامﷺ، والمواقف المشرفة دعمًا لدين الله الخاتم.

رسالة من حياة أم المؤمنين خديجة رضي الله تعالى عنها:

فما أحوج نساء المسلمين اليوم إلى الاقتداء بسيرتها العطرة رضي الله تعالى عنها؛ لأنّ نساء المسلمين لسنَ كنساء العالم، فينبغي للمرأة إذا كانت زوجة أن تزيح الهموم والغموم عن زوجها، ولا تكدر خاطره، ولا تجلب له المشاكل، بل عليها أن تزيل مخاوفه، وتثبّت جنانه بكلماتها الرقيقة، وتسكّن من خاطره وتهدئ من روعه بحبها وحنانها، لا شكّ أنّها ستكون هي الخط الخلفي له، وعامل السند الأمان، ومضمان السعادة للزوج والبيت والأولاد.


#مركز_الدعوة_الاسلامية
#مركز_الدعوة_الإسلامية
#الدعوة_الإسلامية
#مركز_فيضان_المدينة
#مؤسسة_مركز_الدعوة_الإسلامية

تعليقات



رمز الحماية