العلم وما أدراك ما العلم؟ | محمد إلياس السكندري


نشرت: يوم السبت،06-مايو-2023

العلم وما أدراك ما العلم؟

قال الله تعالى في محكم تنزيله:

قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلَّذِينَ يَعۡلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَۗ

قال العلامة ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: قل يا محمد لقومك: هل يستوي الذين يعلمون ما لهم في طاعتهم لربهم من الثواب، وما عليهم في معصيتهم إياه من التبعات؛ والذين لا يعلمون ذلك فهم يخبطون في عشواء، لا يرجون بحسن أعمالهم خيرا، ولا يخافون بسيئها شرا؟ يقول: ما هذان بمتساويين

فالقرآن الكريم طرح هنا قضية وجدانية ليحكم فيها الوجدان والفطرة، هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون؟ شيء طبيعي أن الوجدان والفطرة يعارضان هذه المساواة التي تساوي بين الضدين، فلا يمكن أن يستوي الذين يعلمون مع الذين لا يعلمون أبدا، فالطريق المظلم المليء بالعثرات والمتاهات والمشقات لا يستوي مع الطريق السوي المـعبد المبسط، كما يقول الشاعر:

سلي إن جهلت الناس عنّا وعنهم*****فليس سواء عالم وجَهُولُ

فعلى هذا سائر الآيات القرآنية التي تتحدث عن العلم وعظمته، غير أن الآيات تتحدث بأسلوب وجداني وفطري لتحكم كل صاحب عقل وبصيرة.

وكفى بالعلم فضلا وشرفا أن الله سبحانه وتعالى فضل به سيدنا آدم على الملائكة، قال الله تعالى:

وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ خَلِيفَةٗۖ إلى أن قال: وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ

قال المفسرون رحمهم الله تعالى: لما خلق الله سيدنا آدم وتم خلقه؛ علمه أسماء الأشياء كلها، وذلك أن الملائكة قالوا: ليخلق ربنا ما شاء، فلن يخلق خلقا أكرم عليه منا، أي: وإن خلق من هو أكرم عليه سبحانه من الملائكة؛ فنحن أعلم من هذا المخلوق؛ لأننا مخلوقون قبله ومتعرفون إلى الله قبله

فلا سبيل إلى نجاح الأمة إلا بالعلم؛ لأن في العلم تحرر العقول من الأوهام، وبالعلم يقضى على الفساد والكساد، والعلم أصل كل شيء، وأساس كل عبادة، فلا يمكننا أن نصلي أو نزكي أو نصوم أو نحج أو حتى نعيش إلا بالعلم، فالصلاة والصيام والزكاة والحج والجهاد والدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المـنكر، هذه الأمور تفتقر إلى العلم، وتحتاج إلى عالم ومرب يعلمنا أحكامها، فالعلم هو الأساس، وهو الذي يربط الأمة بربها سبحانه وتعالى، وهو الذي يحث المرء على اتباع دينه والسير على سنة نبيه ﷺ، والتمسك بماضيه والثبات في حاضره. فديننا دين يدعو إلى تعلم جميع العلوم النافعة، سواء دنيوية كانت أو دينية، ولا شك أن أفضل العلوم على الإطلاق هي علوم الشريعة التي يتعرف من خلالها المرء على خالقه ومالكه ربه سبحانه وتعالى، وعلى نبيه سيدنا محمد ﷺ، وعلى تعلم دينه وتوجيهات شريعته ومنهج حياته، والعلوم الشرعية هي التي خصها الله فأكرم بها أنبياءه ورسله عليهم الصلاة والسلام، فأرسل الله حبيبه ونبيه سيد الأنبياء وخاتم المرسلين، الذي هو أثر دعاء سيدنا إبراهيم وسيدنا إسماعيل عليهما وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم حين قالا:

رَبَّنَا وَٱبۡعَثۡ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡهُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَيُزَكِّيهِمۡۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ١٢٩

فأرسله الله بالعلم والهدى، قال تعالى:

هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلۡأُمِّيِّـۧنَ رَسُولٗا مِّنۡهُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمۡ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلُ لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٢

وقال تعالى:

لَقَدۡ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ بَعَثَ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡ أَنفُسِهِمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمۡ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلُ لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ ١٦٤

فمن مقاصد بعثة سيدنا وحبيبنا محمد ﷺ هو نشر العلم كما بيّن لنا ذلك بنفسه حيث قال في حديثٍ طويلٍ وفيه:

إنّما بُعِثتُ معلّمًا

فالأمة تحتاج إلى العلم والعلماء في كل زمان ومكان؛ لأن للعلماء في الإسلام منزلة شريفة تعلو من سواهم في الدنيا والآخرة، فأهل العلم هم أسرع الناس إدراكا للحق وإيمانا به، وهم أكثر الناس خشية من ربهم سبحانه وتعالى؛ لأن معرفة الله وخشيته لا تتم إلا بمعرفة آياته في مخلوقاته، فالعلم هو النور الذي يبدد ظلام الجهل، وهو القوة والعزة والمنحة، فبالعلم تزداد العقول هدى ورشادا، وترتقي به النفوس فتمتلئ ثقة وعزما؛ لأن طلبه عبادة، ومذاكرته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمـن لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة؛ فمن أوتيه فقد حزم الأمر كله، وجمع من الخير أكثره، يقول الله:

يُؤۡتِي ٱلۡحِكۡمَةَ مَن يَشَآءُۚ وَمَن يُؤۡتَ ٱلۡحِكۡمَةَ فَقَدۡ أُوتِيَ خَيۡرٗا كَثِيرٗاۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٢٦٩

ويقول الحبيب المصطفى ﷺ:

من يرد الله به خيرًا يفقِّهْهُ في الدِّين

وبحمد الله تعالى لقد انتشر العلم في عصرنا هذا انتشارا لم يسبق له مثيل، وهيأ الله سبحانه وتعالى بفضله الوسائل المـعينة على البحث والتحصيل، ما جعلنا نعيش نهضة علمية مباركة بإذن الله تعالى، حيث فتحت المدارس والجامعات والأربطة، وكذلك المعاهد الإسلامية التي تعلم الكبار والصغار عن بعد وعن كثب، وبحمد الله تعالى لم يتأخر مركزنا "مركز الدعوة الإسلامية" الذي يعد من أكبر المراكز الدعوية والإصلاحية العالمية عن نشر العلم، فقد تأسس لغاية هامة، ألا وهي "علي محاولة إصلاح نفسي وجميع أناس العالم"، فمركز الدعوة الإسلامية تارة يقوم ببناء المساجد، وتارة يقوم بفتح "جامعات في المدن" أي معاهد شرعية تربوية تعليمية، -وقد تجاوز عددها ألف معهد في العالم-، وتارة يفتتح المدارس الشرعية الإسلامية التي تهتم بتعليم وتربية الناشئين، حيث يتم فيها تعليم القرآن الكريم والعلوم الواجبة شرعا مثل "مدرسة المدينة"، وقد وصل عدد هذه المدارس إلى ما يقارب 5,000 مدرسة حول العالم، وتارة أخرى يقوم بفتح قسم خاص بالدراسة عن بعد مثل "دار المدينة" للبنين والبنات و"أكاديمية فيضان" للدراسات الإسلامية عن بعد، وذلك لتوفير دورات تعليمية متعددة عبر وسائل التواصل الحديثة مراعيا بذلك متطلبات العصر الحديث، وبذلك يهيئ البيئة التعليمية الممزوجة بالإصلاح والتربية لجميع فئات المجتمع رجالا ونساء، شيبا وشبانا، صغارا وكبارا.

فلا يزال مركز الدعوة الإسلامية عاكفا على نشر نور العلم والمعرفة، ومحو الأمية من جميع أنحاء العالم، وتثقيف الطلاب وتأهيلهم، وإعداد العلماء والدعاة والمفتين والمعلمين والمؤلفين وغيرهم، وهذا كله غيض من فيض بالنسبة إلى نشاطات المركز الذي تزيد أقسامه على 80 قسما دعويا في مجالات شتى.

وأخيرا... اعلموا أنه ليس هناك أعظم من العلم قدرا ومنزلة بعد الإيمان بالله سبحانه وتعالى وبرسوله ﷺ، وهذه المفاضلة أتت صريحة في القرآن الكريم حيث قال الله تعالى:

يَسۡ‍َٔلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمۡۖ قُلۡ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَٰتُ وَمَا عَلَّمۡتُم مِّنَ ٱلۡجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُۖ فَكُلُواْ مِمَّآ أَمۡسَكۡنَ عَلَيۡكُمۡ وَٱذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَيۡهِۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ

يقول العلامة القرطبي رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: وفي هذه الآية دليل على أن العالم له من الفضيلة ما ليس للجاهل؛ لأن الكلب إذا علم تكون له فضيلة على سائر الكلاب، فالإنسان إذا كان له علم أولى أن يكون له فضل على سائر الناس، لا سيما إذا عمل بما علم، وروي عن سيدنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه قال: لكل شيء قيمة؛ وقيمة المرء ما يحسنه

فعلينا أن نجعل من العلم والعلماء حجر الأساس في بناء الأوطان، قال سيدنا على المرتضى رضي الله تعالى عنه:

ما الفخرُ إلا لأهلِ العلمِ إنّهم*****على الهدى لمنِ استهدى أدِلاّءُ

وقدرُ كلِّ امرئٍ ما كان يُحسِنُهُ*****والجاهلونَ لأهلِ العلمِ أعداءُ

ففُزْ بعلمٍ تعشْ حيًّا بِهِ أبدًا*****فالنّاسُ موتى وأهلُ العلمِ أحياءُ


#مركز_الدعوة_الاسلامية
#مركز_الدعوة_الإسلامية
#الدعوة_الإسلامية
#مجلة_نفحات_المدينة
#نفحات_المدينة

تعليقات



رمز الحماية