العولمة...إلى أين؟ آثارها وثمارها... وموقف المسلم منها | الشيخ فارس عمران


نشرت: يوم الإثنين،30-أغسطس-2021


كغيرها من المصطلحات الواردة إلى عالمنا الإسلامي، التي تطرق أسماعنا بين فينة وأخرى، نرى كلمة العولمة تحتل مكانة واسعة في الساحة الفكرية في الدول العربية والإسلامية، فكم من ندوات عقدت لمناقشة هذه الفكرة ومآلاتها، وكم من مؤتمر دُعي إليه العلماء والمفكرون لمباحثة تبعات هذه الفكرة المسماة بالعولمة وتداعياتها على الدين والمجتمع، فمن هنا أحببنا أن نسلط الضوء في هذه الكلمات على هذا الموضوع الهام، لنعلم ما هي العولمة وما مضمونها وما المراد منها، وما هي النتائج المترتبة على تطبيقها وتنفيذها؟ كل ذلك لنقف على موقف الإسلام من أمثال هذه الأفكار ولنميز الخبيث من الطيب.

ما هي العولمة؟

أما من حيث اللغة فإن كلمة العولمة كلمة شاردة عن ضوابط اللغة العربية شرودا تاماً ككثير من الكلمات الأخرى التي تدل على بعض الأفكار المعاصرة، والتي يصطلح عليها العصرييون في هذا الزمان، فكلمة عولمة على وزن فوعلة وهي مصدر، ولكن المصدر ينبغي أن يكون له فعل، كضرب يضرب ضرباً، أكل يأكل أكلاً، فالمصدر ثمرة الفعل، أما "العولمة" فليس لها في العربية فعل، فلا يوجد في العربية عولم يعولم.

أما من حيث المعنى المراد من كلمة العولمة Globalization: فهو جعل الشيء عالمياً، أو جعل الشيء دولياً في انتشاره وفي تطبيقه، وهي عملية تقوم بها المؤسسات ذات الطابع التجاري أصالةً، ثم تتبعها العولمة السياسية ثم يتبعها العولمة في مجالات أخرى كالثقافة وما لحق بها من الجوانب الاجتماعية. The sociology of globalization by Martell، Luke"".

وتستخدم العولمة كثيراً للإشارة إلى تكوين قرية عالمية، أي جعل العالم كله كقرية واحدة، بحيث تتقارب الصلات بين أطرافه المترامية، فتسهل من خلال ذلك طرق النقل والانتقال سواء نقل البضائع أو الأفكار.

نشأة العولمة

إن العولمة بمعنى جعل الشيء عالمياً فكرة قديمة، كما تعود أصولها إلى آلاف السنين، فقد سعت الأمبراطوريات القديمة إلى السيطرة على جميع العالم وفرض اقتصادها وثقافتها على باقي أمم الأرض.

أما في الزمن المعاصر، وخصوصا بعد الحرب العالمية الثانية، بدأت بعض الدول الكبرى بالترويج لفكرة العولمة، وأن المراد منها توحيد الجهود والطاقات وتوجيهها نحو الأفضل، سواء في المجال الاقتصادي أو الثقافي أو السياسي أو الاجتماعي، وأن ذلك من أهم السبل للتطور والازدهار. The sociology of globalization by Martell، Luke"".

مجالات العولمة

للعولمة مجالات متعددة متنوعة منها:

المجال الاقتصادي:

إن من أول المجالات التي تم الدعوة إليها في العولمة هي المجال الاقتصادي، فقد تمت الدعوة إلى جعل العالم سوقا واحدة، مفتَّحةَ الأبواب ملغاةَ القيود، وإلغاء القيود على نقل البضائع والسلع ورؤوس الأموال هو أهم وسيلة للتنمية الاقتصادية والثقافية والازدهار المالي كما يقول المروجون للعولمة.

المجال السياسي:

وهو جعل فكر سياسي معين عالميا تتبناه جميع الدول وتنهج نهجه

المجال الاجتماعي والثقافي

نتيجة للتطور التكنولوجي وثورة الاتصالات، إضافة إلى انتشار وسائل التواصل الاجتماعي وتوفر شبكة الإنترنت، صارت الدول المهيمنة تصدر مع السلع التي تنتجها أفكارها التي تتبناها، فقد جعلت هذه الدول المهيمنة من مجتمعاتها أصلا ينسج بقية العالم مجتمعاتهم على منواله، فصدرت إليهم لا السلع فقط، بل الطريقة التي يستهلكون بها تلك السلع، والشكلَ الذي يسرحون به رؤوسهم، ولم تصدر لهم مثلا أدوات الترفيه فحسب، بل صدرت لهم الطريقة التي يرفهون بها عن أنفسهم.

المجال الأخلاقي

أما العولمة في المجال الأخلاقي فهي في الأصل الدعوة إلى مجموعة من القيم الأخلاقية العامة التي يتوافق عليها جميع البشر، والتي تمثلت لاحقا في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ولكن الأمر لا يقف عند هذا الحد، فإن الدول المهيمنة التي تدعو إلى العولمة تسعى كذلك إلى تصدير قيمها الخاصة وأخلاقها الشخصية إلى جميع أمم العالم، فينصب العالم الغربي نفسه اليوم كأنموذج براقٍ وقدوة كاملة، ويطالب بقية دول العالم أن يحذو حذوه وأن يسيروا سَيْرَه.

موقف الإسلام من العولمة

لا شك أنَّ الحكم على الشيء فرع عن تصوره، فلا يمكن لنا في عالم الأفكار والدعوات رد الشيء لمجرد كونه مندرجاً تحت تسميةٍ جديدة أو اسم غربي غريب، بل لا بدَّ من تمحيص المعاني والوقف على أصول الأفكار ومآلاتها، وهذا ما دأب عليه علماء الأمة وأعلامها كالإمام أبي الحسن الأشعري والإمام الغزالي والإمام الرازي وأمثالهم رحمة الله عليهم، فلذا بعدما عرفنا طرفاً من المقصود بالعولمة فإننا نقول:

إن فكرة جعل الشيء عالمياً ليست بالجديدة، وما هي ببدع من القول حادث، فقد جاءت دعوة الإسلام دعوةً عالمية في جميع مجالات الحياة، ومن هذه الحيثية هي أمر لا يُذم.

ولكننا إذا ما دققنا النظر قليلاً في مفهوم العولمة فإننا نجد أن المشكلة تكمن في الشيء الذي يراد جعله عالمياً، فإننا إذا نظرنا إلى العولمة المعاصرة نجد أن لها جانبين:

جانب يظهر منه الإيجابية، وهو الدعوة إلى أخلاق عالمية راقية تتعاهد عليها الأمم من نصرة المظلوم ورعاية حقوق الإنسان، وعدم الاعتداء على الآخرين، فهذا شيء جيد يثمنه الإسلام بشكل عام، فدعوة الإسلام العالمية تتضمن نشر الخير ونصرة المظلوم، وجعل مثل هذه الأخلاق أخلاقاً عالمية لا شك أنه أمر محمود.

لكن المشكلة في الجانب الآخر الذي يجب التوقف عنده ملياً وهو حجر الزاوية في هذه المسألة، فإن اللبيب يدرك أن من وراء الدعوة إلى العلمانية دعوةً إلى "عولمة" أفكار وقيم فئة معينة من غير المسلمين، وفرضها على شعوب العالم بأسره، وجعل أفكار وآراء هذه الفئة هي معيار الصواب والخطأ، وبالتالي تفريغ المجتمعات من قيمها وتقاليدها وما اعتادت عليه من اللباس والطعام وأسلوب الحياة بل حتى ما يعتقده من الدين وما يدين به رب العالمين، وتفريغ المجتمعات من كل ذلك وملئها بأفكار وقيم وأساليب حياة ودين هذه الفئة المعينة التي لا تخلو أفكارها من الانحراف وأخلاقها من الانحلال ومجتماعتها من التفكك، ولا يخفى ما لتطبيق ذلك من مخاطر وآثار.

كيف يحصن المسلم نفسه ضد موجات العولمة؟

  1. الاعتزاز بالدين: إن اعتزاز المسلم بدينه وتعميق الشعور بالانتماء لهذا الدين الخاتم حصن حصين ودرع متين، فحضارة المسلمين هي الحضارة التي استقت منها حضارة الغرب محاسنها، وهي التي عمرت الدنيا ونشرت الدين، فالإسلام هو خاتم الأديان وهو المهيمن على جميع الكتب السماوية السابقة والشرائع، فعندما يتضلع المسلم بذلك يعلم يقيناً أنه ليس بحاجة أن يستورد عادات غريبة عن عاداته الإسلامية، وقد جاء في الحديث عن سيدنا جابر رضي الله عنه ((أن عمر بن الخطاب أتى النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب فقرأه النبي صلى الله عليه وسلم، فغضب، فقال:

    أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب، والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به، أو بباطل فتصدقوا به، والذي نفسي بيده، لو أن موسى صلى الله عليه وسلم كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني. (رواه أحمد ٣/٣٨٧)

  2. عالمية الإسلام: إن معرفة المسلم بأن دينه عالمي وأن سنة نبيه صلى الله عليه وسلم هي خير سنة، وأن طريقه أحسن طريق تنأى به عن اتباع غيره من المناهج والأفكار، وقد قال سبحانه وتعالى:

    وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا كَآفَّةٗ لِّلنَّاسِ بَشِيرٗا وَنَذِيرٗا وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ. (٢٨‏ سبأ)

    وفي الحديث عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

    أعطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أحَدٌ مِنَ الأنْبِيَاءِ قَبْلِي: نُصِرْتُ بالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وجُعِلَتْ لي الأرْضُ مَسْجِدًا وطَهُورًا، وأَيُّما رَجُلٍ مِن أُمَّتي أدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ، وأُحِلَّتْ لي الغَنَائِمُ، وكانَ النبيُّ يُبْعَثُ إلى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وبُعِثْتُ إلى النَّاسِ كَافَّةً، وأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ. (أخرجه البخاري (٤٣٨)، ومسلم (٥٢١))

  3. الحذر من اتباع غير المسلمين: فقد حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم من اتباع غير المسلمين، أو أن نذهب مذهبهم في كل ما يذهبون، وقد أخبرنا أن ذلك واقع لا محالة، وحذّرنا من الوقوع في ذلك، فقال صلى الله عليه وسلم:

    لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَن قَبْلَكُمْ شِبْرًا بشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بذِرَاعٍ، حتَّى لو سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ، قُلْنَا: يا رَسُولَ اللَّهِ، اليَهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قالَ: فَمَنْ؟ (أخرجه البخاري ٣٤٥٦)

    قال الإمام المناوي رحمه الله: (أي لتتبعن سنن من قبلكم اتباعا شبرا متلبسا بشبر وذراعا متلبسا بذراع وهو كناية عن شدة الموافقة لهم في المخالفات والمعاصي لا الكفر، ثم إن هذا لفظ خبر معناه النهي عن اتباعهم ومنعهم من الالتفات لغير دين الإسلام لأن نوره قد بهر الأنوار وشرعته نسخت الشرائع)

    ثم بين رحمه الله أن هذا الحديث من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم، فقال : (وذا من معجزاته فقد اتبع كثير من أمته سنن فارس في شيمهم ومراكبهم وملابسهم وإقامة شعارهم في الحروب ... وقبول الرشا وإقامة الحدود على الضعفاء دون الأقوياء وترك العمل يوم الجمعة والتسليم بالأصابع... إلى غير ذلك مما هو أشنع وأبشع (حتى لو أن أحدهم دخل جحر ضب لدخلتم) مبالغة في الإتباع، فإذا اقتصروا في الذي ابتدعوه فستقتصرون، وإن بسطوا فستبسطوا حتى لو بلغوا إلى غاية لبلغتموها) ا.هـ. (فيض القدير ٥/٢٦١)

وفي الختام، بعد أن عرفنا معنى العولمة وشيئاً من مآلاتها وما لها من مخاطر على شخصية المسلم وخصوصيَّة مجتمعه الإسلامي، فحري بنا أن نكون متيقظين حذرين من أمثال هذه الدعوات، فالمسلم يستفيد من الحسن ويمدحه، ويعرِض عن السوء ويتركه، وخير ملاذ لنا نبينا المصطفى وحبيبنا المجتبى صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، فهو حصننا، وسنته درعنا، وشريعته طريقنا، وهديه نبراسنا، ومحبته روح لأرواحنا وأنفسنا.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

تعليقات



رمز الحماية