النظافة... عبادة وسلوك | محمد سجاد أنجم القادري


نشرت: يوم الجمعة،16-يناير-2026

النظافة... عبادة وسلوك

هذا المقال من مجلة نفحات المدينة: 19

الحمد لله الذي يحبُّ الطاهرين، ويثيب المتطهّرين، والصلاة والسلام على سيد الأنقياء، وإمام الأصفياء، سيدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أيها القارئ الكريم! هل فكّرتَ يومًا: لماذا يهتمّ الإسلام كثيرًا بالنظافة؟ هل هي فقط للزينة أم شيءٌ أعمق من ذلك؟ تعالَ لنقرأ معًا هذه السطور، ونجعل من النظافة عادةً وعبادة.

النظافة من الإيمان

قال النبي ﷺ لنا بكل وضوح: "الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ". (صحيح مسلم: 534)

النظافة من الدين، فكأنها العلاقة بينك وبين ربّك، فإذا أردتَ أن تقف بين يدي الله تعالى في الصلاة، فعليك أن تكون طاهرًا في بدنك، في ملابسك، في المكان الذي تصلّي فيه، وإذا أردتَ أن تكون محبوبًا عند الناس، فكن نظيفَ المظهر، طيبَ الرائحة، حسنَ الكلام.

النظافة ليست في الملابس فقط

كثير من الناس يظنون أن النظافة فقط أن تلبس ثيابًا جميلة، وتضع عطرًا، وتغسل وجهك. نعم، هذا جزء منها، لكنه ليس كل شيء، والنظافة الحقيقية تشمل:

• نظافة الجسم: وغسل اليدين، والاستحمام، وتقليم الأظافر، والسواك.

نظافة البيت: وترتيب المكان، وتنظيف الأرض، ورمي القمامة في مكانها.

نظافة الشارع: لا ترمِ القاذورات في الطريق، ولا تؤذِ الناس برمي الأوساخ. 

• نظافة القلب: أن تبتعد عن الكذب، والحقد، والغيبة، والنميمة. 

• نظافة اللسان: ألّا تؤذي الناس بالكلام البذيء أو الشتائم.

لماذا النظافة مهمة؟

لأن النظافة: تحفظك من الأمراض، وتجعلك تشعر بالراحة والسكينة، وتجعلك قريبًا من الله ومحبوبًا في المجتمع، وتدل على أنك إنسان واعٍ، محترم، مسؤول.

الدراسات تقول: إن غسل اليدين فقط، يمكن أن يُنقذ آلاف الأطفال من الموت بسبب الجراثيم فما بالك لو نظّفنا بيوتنا، وشوارعنا، وقلوبنا، وأفكارنا؟

النظافة مسؤولية كل واحد منا

لا تقل: "هذه مسؤولية الحكومة" ولا تقل: "أنا لوحدي لن أغيّر شيئًا"، بل قل: "أنا سأبدأ بنفسي، وسأكون قدوة لغيري"، إن نظّفتَ بيتك، سيتعلم أولادك، وإن رميتَ القمامة في سلتها، سيراك الناس ويقلّدونك، وإن كنتَ طيّب اللسان، ستنتشر الكلمة الطيبة.

نظافة الطرق والشوارع

النظافة تبدأ منك، وتنتقل إلى بيتك، ثم إلى المجتمع كله، بعض الناس يرمون الأوساخ في الطرقات، أو يكتبون على الجدران، أو يتركون القمامة أمام أبواب الجيران. وهذا خطأ كبير، علينا أن نميط شيئا يؤذي الناس كما قال رسول الله ﷺ: كل سُلَامَى من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس ... (في آخر الحديث) ويُميط الأذى عن الطريق صدقة. (صحيح البخاري: 2989)

لو أزلتَ شيئًا يؤذي الناس من الطريق، فإن الله يكتب لك أجرًا، فكيف بمن يرمي الأذى بيده؟ ألا يخاف من الله؟ ليس بالكلام فقط، بل بالعمل.

أيها القارئ الكريم! إنّ كثيرًا من الناس يتكلّمون عن النظافة، ويكتبون مقالات، ويشاركون في برامج، بل ويحتفلون بــ"اليوم العالمي للنظافة" في المدارس أو في القنوات، ولكن هل هذا كافٍ؟

أبدًا! النظافة ليست شعارات تُرفع، ولا احتفالات تُصوَّر، ولا كلمات تُلقى ثم تُنسى، بل هي عملٌ مستمر، وسلوكٌ يومي، وخلقٌ دائم. فليس المهم أن نكتب عن النظافة، بل أن نُجسّدها في واقعنا. وليس المهم أن نحتفل بيوم النظافة، بل أن نكون نحن النظافة كلَّ يوم. ليس المهم أن نقرأ عن النظافة، بل أن يرانا الناس منظفين، راقين، محترمين. الاحتفال الحقيقي بالنظافة، أن تكون حياتنا كلها عنوانًا لها، وأن يكون بيتك نقيًّا، سلوكك طيّبًا، لسانك نظيفًا، ويدك عاملة في سبيل الخير. فهيا بنا جميعًا. نُحوِّل الكلام إلى أفعال، ونُترجم الإيمان إلى تطبيق.

رسالة إلى الآباء والمعلمين

يا من تُربي وتعلّم، كن قدوة!

علّم أولادك أن النظافة ليست فقط "نظامًا"، بل هي "جزء من الإيمان"، وعلّمهم أن تنظيف الحذاء، وترتيب السرير، ورمي القمامة في مكانها، أعمال يحبها الله. وازرع في قلوبهم أن المسلم الحقيقي لا يكون مهملًا، ولا فوضويًا، ولا مؤذيًا.

أخيرا! اجعلوا النظافة عادة يومية، لنكن أنظف قلبًا وجسدًا لكن بنية القُرب من الله. ابدأ من اليوم:

• اغسل يديك قبل الطعام وبعده.

• لا ترمِ شيئًا في الشارع.

• علّم غيرك بهدوء وأدب.

• نظّف لسانك من الكلمات السيئة.

• نظّف قلبك من الحسد والحقد.

والله يحبّ من يتطهّر، ويُكرم من يتأدب، ويرفع من يعتنِ بنفسه وبغيره كما قال النبي ﷺ: "إن الله جميل يحب الجمال". (صحيح مسلم: 265)

فاجعل نفسك جميلة ... بالنظافة، بالخلق، وبالإيمان.

تعليقات



رمز الحماية