أتدرون أيّ ليلة هذه..؟!


نشرت: يوم الخميس،18-أبريل-2019


Document

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين

أما بعد: فأعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم

ما هي الليلة التي يُفتَح فيها الخير ويُقَدَّر فيها الرزق وتُكتَب فيها الأعمار؟

ورد أنه " يفتحُ اللهُ الْخَيْرَ فِي أَربع لَيَالٍ؛ لَيْلَة الْأَضْحَى وَالْفطر وَلَيْلَة النّصْف من شعْبَان يُنْسَخ فِيهَا الْآجَالُ والأرزاقُ وَيُكْتَب فِيهَا الْحَاجُّ وَفِي لَيْلَة عَرَفَة إِلَى الْأَذَان ". (قال السيوطي في الدر المنثور أخْرَجَه الْخَطِيبُ فِي "رُوَاةِ مَالِكٍ" عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، ٧/٤٠٢)

ليلة النصف من شعبان ليلة فاضلة مباركة ووردت فيها الأحاديث المتعددة التي يُقوّي بعضها بعضا، وتَشهد لقدسيَّة هذه الليلة المباركة وما فيها، وتُحذِّر من شؤم المعاصي وحال أهل العصيان، فلا يُلتَفَت فيها إلى مَن يَردُّ هذه الأحاديث التي وردت في فضلها وتلقَّتها الأمة بالقبول، وعملت فيها بفضائل الأعمال التي دلَّت عليها تلك الأحاديث.

منها: ما جاء عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم كانيصوم شعبان كله فسألتْه قال:

«إِنَّ اللَّهَ يَكْتُبُ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ مَيِّتَةٍ تِلْكَ السَّنَةَ، فَأُحِبُّ أَنْ يَأْتِيَنِي أَجَلِي وَأَنَا صَائِمٌ». (أَخْرَجَه أَبُو يَعْلَى الموصلي في مسنده: ٤٩١١)

نعم! تُقطَع الآجالُ من شعبان إلى شعبان حتى إن الرجل لَيَنْكِحُ ويُولَد له وقد خرَج اسمُه في الْمَوتَى، ولذلك كان النبيّ يحرص أن يكون على طاعة وصوم في هذه الأوقات، التي تنادي وتقول: يا طالب الخير أبْشِرْ، ويا طالب الشر أقْصِرْ.

ومن تلك الأحاديث ما جاء عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم:

إِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ،فَقُومُوا لَيْلَهَا وَصُومُوا نَهَارَهَا، فَإِنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ فِيهَا لِغُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَقُولُ: أَلَا مِنْ مُسْتَغْفِرٍ لِي فَأَغْفِرَ لَهُ أَلَا مُسْتَرْزِقٌ فَأَرْزُقَهُ أَلَا مُبْتَلًى فَأُعَافِيَهُ أَلَا كَذَا أَلَا كَذَا، حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ. (أَخْرَجَه ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ، وذكره الإمام السيوطي في الدر المنثور)

وأخرج البيهقي عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:

دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَضَعَ عَنْهُ ثَوْبَيْهِ ثُمَّ لَمْ يَسْتَتِمَّ أَنْ قَامَ فَلَبِسَهُمَا فَأَخَذَتْنِي غَيْرَةٌ شَدِيدَةٌ ظَنَنْتُ أَنَّهُ يَأْتِي بَعْضَ صُوَيْحِباتِي فَخَرَجْتُ أَتْبَعَهُ فَأَدْرَكْتُهُ بِالْبَقِيعِ بَقِيعِ الْغَرْقَدِ يَسْتَغْفِرُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالشُّهَدَاءِ، فَقُلْتُ: بِأَبِي وَأُمِّي أَنْتَ فِي حَاجَةِ رَبِّكَ، وَأَنَا فِي حَاجَةِ الدُّنْيَا فَانْصَرَفْتُ، فَدَخَلْتُ حُجْرَتِي وَلِي نَفَسٌ عَالٍ،

وَلَحِقَنِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: " مَا هَذَا النَّفَسُ يَا عَائِشَةُ؟ "، فَقُلْتُ: بِأَبِي وَأُمِّي أَتَيْتَنِي فَوَضَعْتَ عَنْكَ ثَوْبَيْكَ ثُمَّ لَمْ تَسْتَتِمَّ أَنْ قُمْتَ فَلَبِسْتَهُمَا فَأَخَذَتْنِي غَيْرَةٌ شَدِيدَةٌ، ظَنَنْتُ أَنَّكَ تَأْتِي بَعْضَ صُوَيْحِباتِي حَتَّى رَأَيْتُكَ بِالْبَقِيعِ تَصْنَعُ مَا تَصْنَعُ، قَالَ: " يَا عَائِشَةُ أَكُنْتِ تَخَافِينَ أَنْ يَحِيفَ اللهُ عَلَيْكِ وَرَسُولُهُ، بَلْ أَتَانِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَقَالَ: هَذِهِ اللَّيْلَةُ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ وَلِلَّهِ فِيهَا عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ بِعَدَدِ شُعُورِ غَنَمِ كَلْبٍ، لَا يَنْظُرُ اللهُ فِيهَا إِلَى مُشْرِكٍ، وَلَا إِلَى مُشَاحِنٍ، وَلَا إِلَى قَاطِعِ رَحِمٍ، وَلَا إِلَى مُسْبِلٍ، وَلَا إِلَى عَاقٍّ لِوَالِدَيْهِ، وَلَا إِلَى مُدْمِنِ خَمْرٍ "

قَالَ: ثُمَّ وَضَعَ عَنْهُ ثَوْبَيْهِ، فَقَالَ لِي: " يَا عَائِشَةُ تَأْذَنِينَ لِي فِي قِيَامِ هَذِهِ اللَّيْلَةِ؟ "، فَقُلْتُ: نَعَمْ بِأَبِي وَأُمِّي، فَقَامَ فَسَجَدَ لَيْلًا طَوِيلًا حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ قُبِضَ فَقُمْتُ أَلْتَمِسْهُ، وَوَضَعْتُ يَدِي عَلَى بَاطِنِ قَدَمَيْهِ فَتَحَرَّكَ فَفَرِحْتُ وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ: " أَعُوذُ بِعَفْوِكَ مِنْ عِقَابِكَ، وَأَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ، جَلَّ وَجْهُكَ، لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ ". (شعب الإيمان، باب: ما جاء في ليلة النصف من شعبان، ٥/٣٦٤)

هكذا ينظر الله إلى عباده فيها بالمغفرة ويُعتِق من النار ما شاء من خَلقه، وقد أطال النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في سجوده رجاء الاقتراب من ربِّه وهو أقرب الخَلق إلى الله ولكن ليُعلّمنا بذلك الخضوع لله والسجود له سبحانه فتأمَّلوا هذا الحال النبوي في عبادة الله وقارنوا بين عباداتنا وسجودنا ودعائنا، وكيف كان يدعو وهو المعصوم الذي قال الله تعالى له:

(وَلَسَوۡفَ يُعۡطِيكَ رَبُّكَ فَتَرۡضَىٰٓ) (الضحى: ٥)،

فما أحرانا أن نقتدي برسولنا صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ونحن أهل التقصير والذنوب، نسأل الله أن يعفو عنا ويغفر لنا ويعيننا على رضاه وطاعته إنه سميع مجيب.

تعليقات



رمز الحماية