مدونات مختارة
الأكثر شهرة
أورادُ العاشقين وزادُ السالكين | الشيخ أيمن ياسر بكار
هذا المقال من مجلة نفحات المدينة: 19
في إحدى رحلاته الطويلة، كان يسير في أطراف مدينة آسفي المغربية، متأملاً في خلق الله تعالى، شاردًا في حب النبي ﷺ، فمر ببئر وأراد الوضوء، ولكن دلوها مفقود، وحبلها مقطوع، فوقف محتارًا، ينظر إلى الماء في جوف البئر العميق، مترددًا بين الحاجة إلى الوضوء، والخجل من السؤال.. فجأة أطلت طفلة صغيرة من أحد البيوت، وقدمت إليه قائلة: يا سيدي! أتبحث عن الماء؟
فقال: نعم! ولكن لا يوجد دلو أستسقي به، فاقتربت الطفلة من البئر وتفلت فيه، فصار الماء يرتفع ويرتفع حتى وصل إلى فم البئر..
فنظر إليها وقال: من أين لك هذا؟ فأجابته: بفضل الإكثار من الصلاة على النبي ﷺ..
ذلك الموقف كان منعطفًا في حياة الإمام محمد بن سليمان الجزولي رحمه الله تعالى، فعاد إلى خلوته يحمل في قلبه نورًا جديدًا، عزم أن يجمع أفضل الصيغ والأدعية التي تفيض حبًّا وعشقًا وشوقًا بالصلاة على النبي ﷺ، وفي تلك الخلوات، وبإلهام روحاني ولد كتابه الشهير:
"دلائل الخيرات وشوارق الأنوار في ذكر الصلاة على النبي المختار ﷺ" (جامع كرامات الأولياء للنبهاني: 1/335، بتصرف) (شرح الشيخ أحمد الصاوي على صلوات القطب الدردير: صـ 7، بتصرف، مخطوط جامعة الملك سعود 1957)
هناك في ثنايا التاريخ المغربي، وتحديدًا في ربوع سوس وفاس، خُطَّت سيرة من أعذب السير وأصفاها روحًا، إنها سيرة الإمام العارف بالله، محمد بن سليمان الجزولي السملالي الحسني، ذاك الرجل الذي انقطعت به السبل عن كل ما يشد إلى الدنيا، ووهب عمره لذكر النبي ﷺ، حتى كتب بمداد محبته كتابًا صار قبلة القلوب وروح الأرواح: دلائل الخيرات وشوارق الأنوار.
مولده ونسبه ونشأته:
ولد الإمام الجزولي رحمه الله في قبيلة جزولة إحدى قبائل الأمازيغ عام 807 هـــ الموافق 1404م، وتوفي في عام 870 هــ الموافق 1465م. (التحفة اللطيفة للسخاوي: 2/481)
محمد بن سليمان بن داود بن بشر بن عمران بن أبي بكر الجزولي، المعروف بـ"محمد الجزولي السملالي"، هو أحد أعلام العلماء والصوفية في المغرب الإسلامي.
سببه نسبته الجزولي والسملالي:
اشتهر بنسبة الجزولي بضم الجيم أحيانًا وفتحها أحيانًا أخرى، ويقال في البربرية "اكزولي"، والسملالي نسبة إلى قبيلة سملالة، وهي إحدى قبائل جزولة. (الأعلام للزركلي: 6/150، بتغير)
وهو من الأولياء السبعة المشهورين في مراكش، وطريقته الشاذلية ثم أسس الطريقة الجزولية، تجاوز عدد مريديه اثني عشر ألفًا، من أشهرهم: أحمد زروق، وعبد العزيز الدبّاع، وأبو عبد الله السهيلي.
تفتحت مدارك الإمام الجزولي الروحية والعلمية مبكرًا، فشد الرحال إلى فاس، قلب العلم النابض، وارتوى من معينها في مدرسة الصفارين، حيث حفظ المتون، وتفقّه على المذهب المالكي، وتشرب الروح الصوفية من ينابيعها الصافية.. (الضوء اللامع للسيوطي: 7/257-259، بتصرف)
هناك عاش في خلوة شبه كاملة، كتب على جدران غرفته عبارة واحدة ظل يكررها: "الموت.. الموت.." وكأنه كان يتدرب على الرحيل، ويهيئ نفسه للقاء لا يعرف موعده.
مؤلفاته وأثره:
يُعد كتابه الشهير "دلائل الخيرات وشوارق الأنوار في ذكر الصلاة على النبي المختار ﷺ" من أعظم مؤلفاته، ابتدأه بقوله: "الحمد لله الذي هدانا للإيمان" هذا الكتاب صار آية في باب الصلاة على النبي ﷺ، وانتشر في المشرق والمغرب، ولا سيما في بلاد الروم. وقد صححه المؤلف بنفسه قبل وفاته بثماني سنوات، في ضحى يوم الجمعة، سادس ربيع الأول، سنة 862 هـ. (كشف الظنون: 1/759) (الأعلام للزركلي: 6/150)
من شروحه المشهورة:
شرح الشيخ محمد المهدي بن أحمد الفاسي (ت 1052 هـ)، المسمى بــ"مطالع المسرات بجلاء دلائل الخيرات"، ويُعد هذا الشرح من المعتمدات. (كشف الظنون: 1/759، ملخصا)
رحلاته العلمية:
بعد مراكش، سافر رحمه الله مع أخيه عيسى إلى فاس سنة 835 هـ، حيث اجتمع بعلماء كبار، مثل أبي عبد الله العبدوسي ثم توجه إلى تلمسان في أول سنة 840 هـ، وأقام بها نحو ثمانية أشهر، التقى فيها بابن مرزوق، وأبي القاسم العقباني، وأبي الفضل بن الإمام وغيرهم. زار أيضًا تونس، فالتقى بعمر القلشاني وأبي القاسم البرزلي، ودخل طرابلس، فاجتمع بيحيى القدسي. وفي أواخر سنة 840 هـ، وصل إلى القاهرة، حيث التقى بالبساطي وسعد الدين بن الديري. (التحفة اللطيفة للسخاوي: 2/482، الضوء اللامع: 7/258)
ثم قصد مكة المكرمة مع الحجاج سنة 841 هـ، ومنها توجه إلى المدينة المنورة، مجاورًا بها حتى سنة 843 هـ، حيث عرض عليه عبد السلام بن أبي الفرج الكازروني. بعدها عاد إلى مكة المكرمة، واستقر فيها، فتزوج ابنة أحمد بن أحمد بن إبراهيم المرشدي رحمه الله، ورُزق منها أولاد، واشترى دارًا، وتصدر للتدريس والإفتاء، حتى أخذ عنه الأماثل. (التحفة اللطيفة للسخاوي: 2/482، الضوء اللامع: 7/259)
أسفاره وخدماته:
ومع توالي الأيام، وتزايد الشوق إلى الحقيقة، انطلق في رحلة إلى المشرق، جاب فيها مكة والمدينة، وزار القدس ومصر، وبحث عن النور في مساجدها وزواياها، لكنه ما لبث أن عاد، حاملاً قلبًا مضيئًا، ولسانًا لا يفتر، يلهج بالصلاة على النبي ﷺ، هناك، في الزوايا المغربية بدأ نور دلائل الخيرات يولد..
وكانت شرارة التأليف قد أشعلت مع تلك الفتاة التي سألته: "أين أنت من كثرة الصلاة على النبي ﷺ؟!" فاهتز قلبه، كأنما ناداه الغيب، فانكب على تدوين صيغ الصلاة على الحبيب، يجمعها من بطون الكتب، ومما فتح الله عليه به في خلواته الطويلة، التي دامت أربعة عشر عامًا، فإنه لم يكن يؤلف كتابًا فحسب، بل كان ينسج خريطةً روحية تسلكها الأرواح التائهة، لتصل إلى مقام المحبة والصفاء..
جاء دلائل الخيرات مقسمًا على أيام الأسبوع، ليكون لكل يومٍ ورده الخاص، في تناغم بديع بين العادة والعبادة، بين التنظيم والزهد، يحمل بين دفتيه عشرات الصيغ في الثناء والمدح النبوي، ممزوجة بأدعية خاشعة، وتوسلات رقيقة، وكأن الجزولي أراد للقارئ أن يعيش حالة عشقٍ نبوي لا تنقضي. (جامع كرامات الأولياء للنبهاني: 1/335، بتصرف)
كان أسلوب الجزولي في الكتابة عذبًا، شاعريًا، محملاً بروحانية فريدة، تُشبه مناجاة عاشقٍ في محراب الليل، يتهجد بأسماء الحبيب ﷺ، لا طلبًا لشيء من الدنيا، بل حبًّا خالصًا، وتذوقًا لمعنى "إن الله وملائكته يصلون على النبي...".
ولأن الأرواح تهفو إلى الجمال، والأنفس تتوق إلى الكمال، كان لهذا الكتاب انتشارًا كبيرًا في بقاع الأرض، من فاس إلى مراكش، من الحجاز إلى الشام، ومن الهند إلى الأندلس، وأثراً عظيمًا في أمة الإسلام، فجُعل كورد يومي في الطرق الصوفية، وتُلي في المساجد والزوايا، وزُخرفت نسخه بماء الذهب، وعلّقت صفحات منه في البيوت، كأنها رقى نورانية لطرد الحزن وجلب البركة..
وفاته ومدفنه:
شارك الإمام الجزولي في مقاومة الاحتلال البرتغالي للمغرب، وكان يدعو للصلاة على النبي ﷺ كجزء من الأعمال الجهادية، فانتشرت حلقاته وزواياه في ساحات الجهاد، فكانت مكانًا لتعبئة الروح والجسد.
لكن هذا النور أثار غضب الحاقدين، فتحرك المجرمون ليطفئوه، وفي لحظة خاشعة اثناء صلاة الفجر، وبينما الجزولي ساجدًا، اغتالته أيادي الغدر، فسقط جسده الطاهر ميتًا بالسم، في سنة 870 هــ، ودفن في أوفوغال، ولكن أنى لهذا النور أن يطفأ وقد انتشر في العالم أجمع! (الأعلام للزركلي: 6/150، ملخصا)
من كراماته رحمه الله:
وبعد مرور 77 عامًا على وفاته، قرر السلطان السعدي أحمد الأعرج نقل رفاته إلى مراكش، فتح القبر، فإذا بالجسد كأنه نائم، لم يتغير، وعاد الدم إلى موضعه حين لُمس، فتعالت الصيحات: "ها هو حي في موته، كما كان حيًّا في حياته! (جامع كرامات الأولياء للنبهاني: 1/334، بتصرف)
دفنوه في "رياض العروس" حيث صار أحد "الرجال السبعة" وصار مقامه منارة للروح يتوافد إليه الزوار، وما يزال إلى الآن يجتمع الناس عنده كل خميس، ليقرؤا دلائل الخيرات كاملاً.. وما يزال صوت الجزولي يهمس في الأمة بعبارات الحب المضمخة بالخشوع "إنما الطريق إلى الله محفوف بذكر الحبيب ﷺ، وإن المحبة الحقة لا تخبو، بل تشعل القلب نورًا لا يطفأ". وما يزال ينادي كل قلب ضائع وروح شاردة: "ابدأ بالصلاة عليه ﷺ، وستجد الطريق منورًا، وإن كان في الظلمة".
أهمية دلائل الخيرات في نشر التصوف والصلاة على النبي ﷺ
إن الصلاة والسلام على سيدنا محمد ﷺ من أعظم القربات وأرفع الطاعات، بها تتنزل الرحمات، وتُفتح أبواب الخيرات، وتُستنزل البركات، وقد ألّف العلماء عبر العصور مؤلفات عديدة في هذا الباب، إلا أن كتاب "دلائل الخيرات وشوارق الأنوار" يُعدّ من أبدع ما كُتب وأشهر ما أُلف، فقد جمع فيه صيغ متنوعة وروحية رفيعة، تُشعّ بنور المحبة، وتغمر القلب بالسكينة والطمأنينة.
هذا الكتاب لم يكن مجرد مجموعة من الصلوات، بل كان مشروعًا روحيًّا متكاملًا، يربط القلوب بحضرة النبي ﷺ، حتى صار عنوانًا للمحبة والوفاء.
جمع صيغ متعددة للصلاة على النبي ﷺ: يحتوي الكتاب على صيغ متنوعة وجامعة للصلاة والسلام على النبي ﷺ، مما يسهل على القارئ المواظبة عليها، ويجعلها جزءًا من حياته الروحية اليومية، حيث قسمها على سبعة أقسام تناسب أيام الأسبوع، مع دعاء بأسماء الله الحسنى وأسماء النبي.
انتشار واسع وتأثير روحي عميق: منذ تأليفه، انتشر الكتاب في مشارق الأرض ومغاربها، وحظي بقبول واسع من العلماء والصوفية، حتى وصفه العلماء بأنه من أفضل ما صنف في كيفية الصلاة على النبي، لما فيه من نور وهداية وروحانية تضيء قلوب المداومين عليه.
فتح أبواب الخير والسعادة: يُعتقد بحكم التجربة أن قراءة الكتاب بانتظام تجلب النور، وتفتح أبواب الخير والسعادة، وتُسهل قضاء الحوائج، كما يُروى عن بعض الصالحين رؤيا النبي ﷺ لمن داوم عليه، مما يعزز التجربة الروحية للمؤمن.
تعزيز المحبة والارتباط بالنبي ﷺ: الكتاب يعبر عن ذوقية ومحبة عميقة للنبي محمد ﷺ، ويُعتبر وسيلة روحية للتواصل معه، مما يعمق الإيمان ويقوي الصلة الروحية بين القارئ والنبي المختار.
جزء من الأوراد الصوفية: أصبح الكتاب جزءًا من الأوراد التي يلتزم بها الصوفيون في المغرب ومناطق أخرى، مما ساهم في نشر التصوف وتعاليم المحبة والذكر المستمر للنبي في المجتمعات الإسلامية.
وبالتالي، فإن "دلائل الخيرات وشوارق الأنوار" ليس مجرد كتاب في الصلوات، بل هو منظومة روحية متكاملة ساهمت في تعزيز التصوف، ونشر عمل الصلاة على النبي ﷺ، ورفعت من مستوى الوعي الروحي لدى المسلمين عبر الأزمان والأمكنة.
رحم الله الإمام الجزولي، الذي كتب كتابًا من نور، ومد حبلاً متصلا بمن أصله نور، فكان نورًا على نور، يهدي الله به من يشاء من عباده..

تعليقات