مدونات مختارة
الأكثر شهرة
أهمية التخصص في عصر المعلومات المتشعبة | الشيخ عادل ديري
هذا المقال من مجلة نفحات المدينة: 19
مع تسارع وتيرة التطور التكنولوجي وانتشار المعلومات بفضل وسائل الاتصال الحديثة، أصبح عصرنا الحالي يُعرف بـ"عصر المعلومات المتشعبة"، فلم تعد المعرفة حكرًا على فئة أو مكان معين، بل أصبحت متاحةً للجميع بضغطة زر، ورغم ما تحمله هذه الظَّاهرة من إيجابيات، إلا أنَّها أوجدت تحديات كبيرة، أبرزها الحاجة إلى التَّخصص الدَّقيق، فالتَّخصص لم يعد مجرَّد خيار بل أصبح ضرورة ملحّة لمواجهة التَّعقيدات المعرفيَّة وتداخل العلوم.
ولا نجاح لأي مجتمع مسلم دون تكامل ولا تكامل دون معرفة كل فرد ماله وما عليه وما هو من شأنه وما هو ليس من شأنه
وما هو مهم وما هو أهم، كما أنَّه لا استقرار ولا توازن للمجتمع دون إدراك لقائمة الأولويَّات ومعرفة ما يجب تحصيله من المصالح، وما يجب درؤه من المفاسد، وما هو من قبيل الاختصاص وما ليس من الاختصاص. ذلك كله كي لا تختلط الأمور، ولا تتبعثر المصالح، ولئلا يصبح النَّاس فوضى لا سراةَ لهم.
أهمية التخصص من منظور ديني:
إنَّ الإسلام منذ نشأته دعا إلى العلم وشجَّع عليه، ولم يكن تشجيع الإسلام على العلم مقتصرًا على جانب دون آخر، بل شمل جميع العلوم النَّافعة، قال الله تعالى:
قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُون (الزمر: 9)
لكن مع تزايد المعارف وتفرعها، بات من الضَّروري أن يتخصَّص كل فرد في مجال معين، كما أشار ﷺ إلى مبدأ "تقديم الأكفاء" في قوله: "إذا وُسِّدَ الأمرُ إلى غيرِ أهلهِ فانتظرِ الساعة". (صحيح البخاري: 59)
وهذا يدل على أنَّ التخصص والاحترافية شرط أساسي للنَّجاح في أي مجال. وفي تاريخ الأمة الإسلامية نجد أنَّ العلماء تميزوا بالتخصص في مجالاتهم، فبرز علماء في الفقه، والحديث، والتفسير، والطب، والفلك، وكان كل واحد منهم يتقن تخصصه ويقدمه على أكمل وجه، ومن الأمثلة البارزة:
- الإمام أبو حنيفة الذي برع في علم الفقه
- والبخاري الذي برع في علم الحديث
- وكذا الطبري في علم التفسير
- وابن النفيس في الطب
- والبيروني في الفلك.
رحمهم الله وقد دلَّ القرآن الكريم والسنة النبوية على أهمية التخصص، كما في قوله تعالى:
وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (التوبة: 122)
هذه الآية تُبرز أهمية توزيع الأدوار وتخصص الأفراد بما يتناسب مع قدراتهم واحتياجات المجتمع.
التخصص وعصر المعلومات المتشعبة:
تعددت مصادر المعلومات في عصرنا الحالي بشكل مذهل، من الإنترنت إلى الكتب الرقمية والمنصات التعليمية، ولكن مع هذه الوفرة ظهرت مشكلات جديدة مثل التَّضليل المعلوماتي وعدم التَّمييز بين المصادر الموثوقة وغير الموثوقة، وهنا يظهر دور التخصص كضرورة للتمييز بين الصحيح والزائف.
والتخصص يمنح صاحبه القدرة على التعمق في مجال معين، مما يجعله مرجعاً يُعتمد عليه. فعلى سبيل المثال، عندما يحتاج المجتمع إلى رأي في قضايا طبية معقدة، فإنه يلجأ إلى الأطباء المتخصصين وليس إلى الهواة أو من يمتلكون معرفة سطحية، وكذلك الأمر في المجالات الأخرى، فالتخصص يحد من الفوضى الَّتي قد تحدث نتيجة التطفل على مجالات لا يملك المرء فيها خبرة أو دراية، فمن تتبع أمثلة الخلاف والفرقة في تاريخ المسلمين يجد أن إهمال التخصص كان سبباً في كثير من النزاعات وإضعاف مصالح الأمة.
فوائد التخصص:
التخصص ليس مجرد أداة لتسهيل العمل، بل هو مصدر للقوة والتقدم في المجتمع. ومن أبرز فوائده:
الجودة والإتقان: يتيح التخصص للأفراد التركيز على مجال معين، مما يعزز من جودة الإنتاج.
الكفاءة العالية: بفضل التخصص يستطيع الفرد استخدام خبراته ومعارفه بشكل فعال لحل المشكلات في مجاله.
تقليل الأخطاء: التخصص يقلل من احتمالية وقوع الأخطاء الناتجة عن الجهل أو سوء الفهم.
تعزيز الابتكار: عندما يتعمق الفرد في تخصصه، يصبح أكثر قدرة على الابتكار والإبداع.
تقسيم الأدوار: يسهم التخصص في تحقيق التكامل بين أفراد المجتمع، حيث يؤدي كل شخص دوره بفاعلية دون تداخل أو تضارب.
التخصص ومتطلبات العصر:
التخصص لا يعني الانعزال عن بقية العلوم بل على العكس يقتضي من المتخصص أن يكون لديه إلمام عام بالمجالات المرتبطة بتخصصه فمثلاً الباحث في العلوم الشرعية يحتاج إلى فهم جيد للّغة العربية، والتاريخ، والفلسفة، وحتى العلوم الاجتماعية لفهم السياق الذي تنزلت فيه النصوص.
ومع التطورات الحديثة أصبح التداخل بين العلوم سمة بارزة، فالتخصصات التقليدية مثل الطب والهندسة تطورت لتشمل تخصصات فرعية دقيقة جدا، وهذا يبرز أهمية التعليم المستمر والتطوير الذاتي لمواكبة المستجدات كما أن الشريعة الإسلامية تدعو إلى احترام التخصص وتقدير أهله، فقد قال النبي ﷺ: "من تطبب ولم يُعلم منه طب فهو ضامن". (سنن أبي داود: 4586)
وفي حادثة تأبير النخل قال النبي ﷺ لأصحابه: "أنتم أعلم بأمور دنياكم" وهذا يدل على ضرورة ترك المجال لأصحاب الخبرة. (صحيح مسلم: 2363)
والشريعة الإسلامية تحثُّ على ضرورة الرجوع إلى أهل التخصص في كل مجال، فقد قال الله تعالى:
وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ (النساء: 83)
وهذا توجيه واضح إلى أهمية ترك الأمور لأهلها.
وإن مراعاة التخصص من أهمّ مقومات النجاح والتوازن والاستقرار، حيث لا يبغي بعض على بعض، ولا يموج بعض في بعض، فنقدر للحاكم حكمه، وللفقيه فقهه، وللطبيب طِبّه، وللاقتصادي اقتصاده، ويجمعنا في ذلك كله مظلة الشريعة الإسلامية الَّتي تحض على التَّناصح والتَّواصي. إذ لا يعني التَّخصص ألا يقصر أحد في تخصصه أو لا يعتريه النقص بوجه من الوجوه، كلا... فالكمال لله والعصمة لرسوله ﷺ، غير أنَّ من الغلط أن يقصر المتَّخصص فلا يحاسب على تقصيره، لا سيما إذا كان يتعلق بمصالح المسلمين العامة؛ دينية كانت أو دنيوية، كما أنه من الغلط تدافع التخصص؛ لأنه خذلان وإسلام إلى الفوضى، فإذا تنصل كل أحد عن مسؤوليته فمن المسؤول إذن.
أخيرًا!
في عصر المعلومات المتشعبة، يظل التخصص ضرورة لا غنى عنها لبناء مجتمع معرفي قوي ومزدهر، فالتخصص يحقق التكامل بين الأفراد ويعزز من قدراتهم على مواجهة التحديات، ومن منظور إسلامي وعقلاني يمثل التخصص التزاماً أخلاقياً ومهنياً يساهم في رفعة الأمة وتحقيق مقاصد الشريعة. فكما أنَّ العقل أداة للتمييز بين الحق والباطل، فإنَّ التَّخصص هو السَّبيل لتحقيق الإتقان والجودة في عالم مليء بالتعقيدات.
رحم الله امرأ عرف قدر نفسه، فإن احترام التخصص يؤدي إلى التكامل والتَّناغم في المجتمع، مما يساهم في استقراره وتقدمه، ومع ذلك فإن التخصص لا يعني الانغلاق، بل يقتضي أيضًا التعاون والتكامل بين مختلف التخصصات لتحقيق الأهداف المشتركة للأمة.

تعليقات