فلسفة الشكر في الإسلام | محمد سجاد أنجم القادري


نشرت: يوم الجمعة،06-فبراير-2026

فلسفة الشكر في الإسلام

هذا المقال من مجلة نفحات المدينة: 20

حين نتوقّف قليلًا لنتأمّل في حياتنا ندرك أنّ سعادتنا الحقيقية لا تُصاغ بكثرة الطموحات أو بما نواجهه من ضغوط، إنما بالقيم التي تحفظ للروح توازنها، ومن أهم هذه القيم التي يغفل عنها الكثيرون قيمة الشكر.

إنّها كلمة قصيرة الحروف عظيمة المعنى، فالشكر ليس مجرّد تعبير لطيف أو مجاملة عابرة بل هو منهج حياة وروح يعيش بها المؤمن مع ربّه أوّلًا ثم مع الناس من حوله.

معنى الشكر

المعنى اللغوي:

قال ابن منظور في لسان العرب:

الشُّكْرُ: نَقِيضُ الكُفْرَانِ، وَهُوَ الثَّنَاءُ عَلَى الْإِنْسَانِ بِمَا أَوْلَى مِنْ مَعْرُوفٍ. وَيُقَالُ: شَكَرْتُهُ وَشَكَرْتُ لَهُ، وَاللَّهُ تَعَالَى يُشْكَرُ وَيُشْكَرُ لَه.

أي أنّ الشكر في أصل اللغة هو الثناء على المُنعِم وإظهار أثر النعمة على اللسان والجوارح.

المعنى الاصطلاحي:

قال الجرجاني في التعريفات: الشُّكْرُ: هُوَ صَرْفُ الْعَبْدِ جَمِيعَ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ إِلَى مَا خُلِقَ لِأَجْلِه.

وقال الإمام الغزالي في إحياء علوم الدين: حَقِيقَةُ الشُّكْرِ أَنْ يَرَى الْعَبْدُ النِّعْمَةَ مِنَ اللَّهِ، ثُمَّ يَسْتَعْمِلَهَا فِي مَرْضَاتِه.

فالاصطلاح الشرعي يوسّع دائرة الشكر ليجعله موقفًا شاملًا يجمع اعتراف القلب وثناء اللسان وعمل الجوارح.

الشكر في القرآن الكريم والسنة النبوية

المفهوم القرآني:

القرآن الكريم يقرّر قاعدة ثابتة أن الشكر سبب الزيادة والجحود سبب الحرمان، كما قال تعالى:

وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لشديد  [إبراهيم: 7]

كما ربط القرآن الشكر بالعمل لا باللسان وحده فقال تعالى:

اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشكور  [سبأ: 13]

المنهج النبوي:

كان النبيّ ﷺ مدرسة حيّة في الشكر فقد روى سيدنا المغيرة بن شعبة رضي الله عنه: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ حَتَّى تَتَوَرَّمَ قَدَمَاهُ، فَقِيلَ لَهُ: أَتَفْعَلُ هَذَا وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ فَقَالَ: أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا. (صحيح البخاري: 4837)، (صحيح مسلم: 2820)

وعند الطعام كان ﷺ يقول: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا وَجَعَلَنَا مُسْلِمِين. (سنن أبي داود: 3850)

وعند ركوب الدابة كان يتلو قول الله تعالى:

سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ ۝ وَإِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ  [الزخرف :13-14]

الشكر علاج روحي ونفسي

مواجهة القلق والتذمّر

الحياة اليوم مليئة بالضغوط والمقارنات التي تورث الحسد والضيق، والشكر يعالج هذا المرض بتغيير زاوية النظر من التركيز على النقص إلى النظر لما هو موجود وقد أكدت دراسات حديثة في علم النفس الإيجابي أن كتابة قائمة يومية بما أنت ممتنّ له تزيد السعادة وتخفّف القلق وهذا ما سبق إليه الإسلام منذ قرون.

الرضا الداخلي:

قال النبي ﷺ: عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَه. (صحيح مسلم: 2999)

الشكر في العلاقات الإنسانية

الاعتراف بفضل الآخرين:

قال النبي ﷺ: لَا يَشْكُرُ الله مَنْ لَا يَشْكُرُ النَّاس. (سنن الترمذي: 1954)

فشكر الوالدين والمعلمين والأصدقاء صورة من صور الشكر لله؛ لأنه هو الذي سخّرهم لنا في حياتنا.

بناء المودة:

الشكر كلمة قصيرة لكنها جسر من المحبة، قد تعيد علاقة أو تقوّي رابطة وتبعث الحياة في قلب كاد أن ينغلق.

الشكر كفعل عملي:

الشكر ليس مجرد لفظ بل سلوك عملي يظهر على الجوارح.

  • شكر العين أن تُغَضّ عن الحرام.
  • شكر الأذن أن تسمع الذكر والقرآن.
  • شكر اللسان أن يلهج بالحمد بدل الغيبة.
  • شكر اليد أن تتحرك في الخير.
  • شكر القدم أن تمشي إلى الطاعة.
  • والنعم تُشكر بالعمل.
  • والمال بالإنفاق.
  • والصحة ببذلها في الخير.
  • والعلم بنشره وتعليمه.

تطبيقات عملية للشباب

عند الاستيقاظ قل: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُور. (صحيح البخاري: 6312)

عند النجاح قل: اللهم اجعله عونًا لي على طاعتك.

عند الفشل: أحمد الله أن الأمر لم يكن أسوأ.

دوّن يوميًا ثلاث نِعم في حياتك وسترى أثرها على سعادتك.

أخيرًا:

الشكر في الإسلام هو فلسفة حياة متكاملة تصنع السعادة والطمأنينة وتزيد النعم، فليكن الشكر عادة يومية لا تفارق أقوالنا وأفعالنا، ولنجعل كل نعمة منطلقًا لعمل صالح يضاعفها، واجعلوا أيامكم كلها مواسم شكر تجدوا في قلوبكم فرحًا لا يزول وفي حياتكم بركة لا تنقطع.

تعليقات



رمز الحماية