(الجزء الثاني)مفهوم الولاية من خلال حديث الأولياء | عبد الباسط محمد


نشرت: يوم الأَربعاء،11-فبراير-2026

(الجزء الثاني)مفهوم الولاية من خلال حديث الأولياء

هذا المقال من مجلة نفحات المدينة: 20

السعي إلى الولاية بين الإيمان والتقوى

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين.

في الجزء السابق من هذا المقال تناولنا مسألة وجود أولياء الله تعالى، وأوضحنا أنها من أعظم النعم التي امتنَّ الله بها على عباده المؤمنين، مستندين في ذلك إلى الحديث القدسي الذي رواه الإمام البخاري، وفيه يقول الله عز وجل

من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب، وما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبَّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينَّه، ولئن استعاذني لأعيذنَّه". (صحيح البخاري: 650)

استنادًا إلى هذا الحديث الجليل تحدّثنا عن صفات أولياء الله تعالى وطرق الوصول إلى مرتبتهم السامية، إضافة إلى خطورة معاداتهم وعِظَم جرمها عند الله تعالى.

وفي هذا المقال نسلط الضوء على الطريق الموصل إلى الولاية، وهو طريق لا يُدرك إلا بتحقيق الإيمان الصادق والتقوى الخالصة، فهما مفتاح القرب من الله تعالى وسبيل نيل محبته ورضوانه.

أولًا: الإيمان – الأساس الأول للقرب من الله تعالى:

المعنى اللغوي:

الإيمان في اللغة مشتق من مادة "أمن" ويعني التصديق والطمأنينة، ولا يُعدّ الإيمان تامًا إلا إذا استقر التصديق في القلب واقترن بالانقياد والامتثال. (العين للخليل بن أحمد الفراهيدي: 8/389)

المعنى الاصطلاحي:

الإيمان في اصطلاح أهل السنة هو: قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالجوارح، وهو يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية أو يقوي و يضعف. (فتح الباري لابن حجر العسقلاني: 1/59، بتصرف)

وقد دلّت النصوص القرآنية على هذه الحقيقة كما في قوله تعالى:

لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِم [الفتح: 4]

مما يدل على أن الإيمان ليس حالة ثابتة جامدة، بل هو في تغير دائم يزيد بأعمال الطاعة ويضعف بالمعاصي والذنوب. ويقوم الإيمان على أركانه الستة المعروفة: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشرّه (المرجع السابق)

ثانيًا: التقوى – الزاد الحقيقي في طريق الولاية

المعنى اللغوي:

التقوى مشتقة من مادة "وقاية" وهي حفظ النفس من الشر والأذى كما في قوله تعالى:

وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ [الدخان: 56]

ويُقال في اللغة: "وقيت الشيء" أي صُنته ومنعته. (المفردات للراغب الأصفهاني: 833)

المعنى الاصطلاحي:

التقوى في اصطلاح العلماء تعني: التزام العبد بأوامر الله واجتناب نواهيه، فلا يُعدّ المرء تقيًّا إن اقتصر على جانب واحد دون الآخر (التفسير الكبير للإمام الرازي: 1/381-382)

وقد عبّر النبي ﷺ عن عمق هذا المعنى بقوله: لا يبلغ العبد درجة المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرًا مما به بأس. (سنن الترمذي: 2451)

وهذا يدل على أن التقوى تشمل ترك الحرام وترك المشتبهات أيضًا؛ تورّعًا وخوفًا من الوقوع في المعصية.

مكانة التقوى في القرآن الكريم:

تكررت كلمة "التقوى" ومشتقاتها في القرآن كثيرًا مما يدل على مكانتها العظيمة في حياة المسلم ومن أبرز الآيات في ذلك:


وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى [ المائدة: 2]

فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى [ البقرة: 197]

وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَٰلِكَ خَيْرٌ [ الأعراف: 26]

وهذه الآيات تؤكد أن التقوى ليست حالة روحية مجردة بل هي منهج حياة يظهر أثره في سلوك الإنسان وحركاته وسكناته.

وقد نبّه النبي ﷺ إلى أهمية صلاح القلب في توجيه السلوك الظاهري فقال ﷺ: "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب. (صحيح البخاري: 52)

وقال ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى: "صلاح الظاهر ناتج عن صلاح الباطن. (فتح الباري لابن حجر العسقلاني: 1/126)

التقوى زاد الأرواح ولباس القلوب:

كما أن الجسد يحتاج إلى لباس يستره فإن النفس تحتاج إلى لباس يحفظها من الانحراف ويقرّبها من الله، قال تعالى:

وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَٰلِكَ خَيْرٌ [ الأعراف: 26]

وفي آية أخرى:

وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى [ البقرة: 197]

وقد فصّل الإمام الرازي في تفسيره هذه الآية مبينًا أن للإنسان سفرين:

  1. سفر دنيوي يحتاج فيه إلى طعام وشراب ومركب.
  2. وسفر إلى الله تعالى لا يُفيد فيه إلا الزاد الروحي: التقوى، ومعرفة الله تعالى ومحبته.

 

وأشار الرازي إلى أن زاد الآخرة أعظم من زاد الدنيا لأسباب عدة:

  • زاد الدنيا يُنقذ من جوع مؤقت، بينما زاد الآخرة يُنقذ من عذاب أبدي.
  • زاد الدنيا يُشبع الجسد، وزاد الآخرة يُزكّي النفس ويقرّبها إلى الله تعالى.
  • زاد الدنيا يفنى، أما زاد الآخرة فباقٍ لا يزول. (التفسير الكبير للإمام الرازي: 3/189)

 

إن الإيمان الصادق والتقوى الخالصة هما السبيل الوحيد لبلوغ مقام الولاية، ونيل محبة الله ورضوانه، فكلما ازداد العبد إيمانًا وتقوى، اقترب من دائرة أولياء الله تعالى الذين وصفهم الله بقوله:

أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُون الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [ يونس: 62-63]

والطريق إلى هذا المقام ليس محصورًا على فئة دون أخرى بل هو مفتوح أمام كل من صدق في سيره وأخلص في عمله، وجعل التقوى زاده والإيمان راحلته والرضا غايته. اللهم ألحقنا بأوليائك الصالحين برحمتك يا أرحم الراحمين

تعليقات



رمز الحماية