التضامن مع الشعب الفلسطيني | محمد جنيد القادري


نشرت: يوم الإثنين،16-فبراير-2026

التضامن مع الشعب الفلسطيني

هذا المقال من مجلة نفحات المدينة: 20

في 29 من نوفمبر من كل عام، يحتفي العالم بـ"يوم التضامن مع الشعب الفلسطيني"، غير أن هذا اليوم يحمل في جوهره مأساة عميقة وقصة طويلة من المعاناة والظلم الممتد عبر الزمن.

ومنذ عام 1977م، وحتى اليوم يتم إحياء هذا اليوم سنويًا في مختلف أنحاء العالم، لكن واقع فلسطين لم يتغير، بل ازداد قسوةً وتعقيدًا، لقد ضاق الخناق على أهلها، ولا سيما في غزة، حتى غدت الحياة هناك غايةً في الصعوبة، وصارت المآسي التي يعيشها الفلسطينيون شاهدةً على صبرٍ يفوق الوصف، وظلمٍ لم يعدّ خافيًا على أحد.

وفي خضم هذه الظروف القاسية، أسطر هذه الكلمات تعبيرًا عن تضامني مع هذا الشعب الصامد، ومحاولةً لإبقاء قضيته حيّةً في ضمير الأمة، لعلّها تذكّرنا جميعًا بمسؤوليتنا تجاه فلسطين، وتدفعنا إلى نصرتها بالفعل لا بالقول، وبالدعم العملي لا بالشعارات.

لماذا قضية فلسطين مهمة؟!

إنّ قضية فلسطين ليست قضية حدودٍ أو أرضٍ أو شعبٍ فحسب، بل هي قضية عقيدة وإيمان، وقضية أمةٍ بأسرها، فهي الأرض التي باركها الله تعالى في كتابه العزيز،

  • وهي أرض الأنبياء والرسل
  • ومهد الرسالات السماوية
  • وديار سيدنا أيوب ومحراب سيدنا داوود
  • وعجائب سيدنا سليمان
  • ومولد سيدنا عيسى المسيح
  • ومهاجر سيدنا إبراهيم الخليل عليهم السلام
  • ومنتهى الإسراء ومبتدأ المعراج
  • إنها أرض الرباط والثبات
  • وأرض المحشر والمنشر
  • وأرض الطائفة المنصورة إلى قيام الساعة
  • وفيها أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين: المسجد الأقصى المبارك.

ومن هنا، فإنّ التضامن مع الشعب الفلسطيني ليس مناسبةً موسمية ولا شعارًا للاستهلاك الإعلامي، بل هو واجبٌ شرعي وإنساني وأخلاقي، يُعبّر عن صدق الانتماء إلى الدين والأمة، وإلى القيم التي دعا إليها الإسلام من عدلٍ ونصرةٍ للمظلومين.

معنى التضامن وأبعاده:

التضامن الإنساني ليس كلمةً تُقال أو شعارًا يُرفع، بل هو موقفٌ صادقٌ ينبع من قلبٍ حيٍّ وإيمانٍ صادق، يتمثّل في مؤازرة المظلوم، والوقوف إلى جانبه، والسعي لتخليصه من براثن الظلم والاضطهاد، وقد علّمنا الإسلام أن التضامن واجبٌ إيماني وأخلاقي، فقد قال خاتم النبيين ﷺ:

"مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى". (صحيح مسلم: 2586)

وفي حديث آخر قال عليه الصلاة والسلام:

"إِنَّ المُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا". (صحيح البخاري: 481)

هذا التصوير النبوي البليغ يبين أن المؤمن الحق لا يعيش لنفسه فقط، بل هو جزء من جسد الأمة، يتألم لألمها ويفرح لفرحها، ومن هذا المنطلق، فإنّ التضامن مع الشعب الفلسطيني واجبٌ إيماني قبل أن يكون واجبًا إنسانيًا.

فلسطين قضية الأمة:

لقد زخَر تاريخ المسلمين بالمواقف التي جسّدت وحدة الأمة وتلاحمها، إذ وقف العرب والعجم معًا تحت راية الإسلام، وكانت قضاياها الكبرى قضايا مشتركة توحِّد الصفوف وتجمع القلوب.

وهكذا كانت قضية فلسطين عبر التاريخ: قضية مركزية توحِّد الأمة حين تتفرّق، وتجمع كلمتها حين تختلف، وظلّ الضمير الجمعي حاضرًا فيها، نابضًا بحبّها والانتماء إليها.

غير أنّ عوامل الانقسام والعصبيات الضيّقة أضعفت هذا الوعي بمرور الزمن، فتمزّقت الأمة وتباينت مصالحها، حتى تراجع حضور القضية الفلسطينية في وجدان كثيرين، فبعد أن كانت قضيةً إيمانيةً مقدسةً تخصّ الأمة كلّها، اختُزلت أولاً في صراعٍ عربي، ثم في صراعٍ محليٍّ محدود.

لكنّ الحقيقة التي لا يجب أن تغيب هي أنّ فلسطين ليست شأنًا محليًا، بل هي أرضٌ مباركةٌ مقدّسة، وميراثٌ للأمة الإسلامية كلها، ترتبط بها الأمة ارتباطًا عقديًا وإيمانيًا وتعبديًا وأخلاقيًا وتاريخيًا وحضاريًا وثقافيًا.

ومن أبرز صور هذا الارتباط يتجلّى المسجد الأقصى المبارك، الذي ليس ملكًا للفلسطينيين وحدهم، بل هو أمانةٌ في أعناق المسلمين جميعًا، قال تعالى:

سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِيٓ أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ لَيۡلٗا مِّنَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ إِلَى ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡأَقۡصَا ٱلَّذِي بَٰرَكۡنَا حَوۡلَهُۥ  [الإسراء: 1]

لذلك فإن الوقوف مع فلسطين ليس ترفاً فكرياً ولا عاطفة عابرة، بل هو دفاع عن كرامة الأمة وحماية لمقدساتها، ومن يتخلى عن هذه القضية المهمة، فإنما يتخلى في الواقع عن جزء من عقيدته وتاريخه وهويته.

صور التضامن العملي:

بعد إدراك أهمية التضامن وعِظَم مسؤوليتنا تجاه فلسطين، يبرز السؤال: كيف نحوّل هذا التضامن إلى واقعٍ عملي ملموس؟ نقول إن هنالك صور متعددة للتضامن، ومن أبرزها:

  • الدعاء الصادق: وهو أضعف الإيمان، وهو في الوقت نفسه سلاح المؤمن، نسأل الله أن يفرّج كرب إخواننا، ويثبّت أقدامهم، وينصرهم على القوم الظالمين.
  • الدعم المادي: بالمساهمة في تلبية احتياجاتهم الأساسية من طعامٍ ودواءٍ وكساءٍ ومأوى، لتخفيف آلامهم وصون كرامتهم..
  • الدعم الإعلامي والسياسي: عبر كشف جرائم الاحتلال، والدفاع عن الحقوق الإنسانية، ونصرة القضية في المحافل والمؤتمرات، والتصدي للروايات المزيّفة تجاه الشعب الفلسطيني والأمة الإسلامية جمعاء.
  • التربية والوعي: من خلال غرس محبّة فلسطين والمسجد الأقصى في قلوب الأجيال، وتعريفهم بمكانتها الدينية والتاريخية.
  • الوحدة الإسلامية: وهي أسمى صور التضامن، إذ لا يمكن أن تتحرّر فلسطين إلا بوحدة صفوف المسلمين وتكاتف جهودهم.

وفي هذا الإطار يبذل مركز الدعوة الإسلامية جهوده بالتعاون مع المؤسسات الخيرية والإغاثية في مختلف البلدان، ليكون جسراً عملياً تصل من خلاله تبرعات المسلمين إلى المستضعفين في فلسطين، فتسدّ جوع الجائعين، وتكسو العُراة، وتُداوي الجرحى، وتُؤوي المشرّدين.

الخاتمة:

اليوم، نحن كمسلمين نقف أمام اختبارٍ تاريخيٍّ كبير، تتجلّى فيه مسؤوليتنا تجاه الأرض المباركة. فهل نتركها تواجه مصيرها وحدها، أم نقف إلى جانبها بإخلاصٍ ووفاء؟

إنّ موقفنا من فلسطين ليس خيارًا سياسيًا، بل هو موقف إيماني وأخلاقي يُعبّر عن مدى تمسّكنا بديننا وقيمنا، فصمت العالم أمام الظلم لا يبرّر تقصيرنا، ولن يُعفينا من المسؤولية أمام الله تعالى يوم القيامة.

لذلك، ينبغي أن تكون مساهمتنا بقدر استطاعتنا، وبكل وسيلةٍ ممكنة، لنؤازر الشعب الفلسطيني، ونقدّم له ما نستطيع من دعمٍ وعون، عسى أن نكون سببًا في تخفيف معاناتهم وتفريج كروبهم، فقد قال رسول الله ﷺ:

"المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ القِيَامَةِ." (صحيح البخاري: 2442)

نسأل الله تعالى أن ينصر إخواننا في فلسطين، ويفرج كربهم، ويرفع عنهم البلاء، وأن يجعلنا عونًا لهم، لا خاذلين ولا متخاذلين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

تعليقات



رمز الحماية