مدونات مختارة
الأكثر شهرة
نبذة من حياة المحدّث مَلِك العلماء | أبو سفيان محمد راشد المدني
هذا المقال من مجلة نفحات المدينة: 20
عندما نَذكر سيرة العلماء الربانيّين، ومجدهم في ربوع الهند يسطع اسمٌ منير، إنه أحد أولئك الذين وهبوا حياتهم للعلم والدعوة والإصلاح، وتركوا بصمات خالدة من كتب وتلاميذ..... ألا وهو العلّامةُ، المحدثُ، الفقيهُ، زينةُ المحدّثين في شبهِ القارّةِ الهنديّة: هو "مَلِك العلماء" الشيخ محمد ظفر الدين البِهَارِي رحمه الله الذي جمع الله له بين رسوخ العلم، وحسن التربية، وشرف النسب.
وفي هذا المقال نسلّط الضوء على سيرة هذا الإمام الجليل ونذكر طرفا من جوانب حياته لنقف على مآثره.
مولده ونشأته:
ولد الشيخ في بلدة "بِهَارْ شريف" -إحدى أشهر مدن في الهند- في العاشر من محرم سنة 1303 هـ الموافق للتاسع عشر من أكتوبر سنة 1880 م في أسرة عريقة في النسب والعلم والتقوى.
ونشأ في بيئة علمية فلما وصل إلى السنة الرابعة من العمر أديت مراسم قراءة التسمية لأجل الشروع في طلب العلم، ودرس الكتب الابتدائية على أبيه الكريم ومن علماء مصره.
اسمه ونسبه:
هو محمد ظفر الدين بن الملك عبد الرزاق بن الملك كرامة حسين بن الملك أحمد علي بن الملك غلام قادر رحمهم تعالى، ويتصل نسبه الشريف إلى الشيخ محي الدين عبد القادر الجيلاني رحمه الله تعالى.
أسرته:
كان أبوه الملك عبد الرزاق رحمه الله مواظبًا على الصوم، محافظًا على الصلاة، مشهورًا في الرياضة والمجاهدة، وجدّه الأعلى السيد إبراهيم بن السيد أبي بكر الغزنوي، يلقب بـ"مدار الملك" وبـ"مَلِك بِيَا".
هاجر جدُّه الأعلى الشريف إبراهيم رحمه الله من غزني، إلى الهند على عهد السلطان المسلم فَيْرَوْزْ شاهْ تُغْلَقْ، وصار موظفًا في جيشه الْمَلِكي، حتى استشهد في حرب ثارت في حصن "روهتاس"، وضريحه في أعلى الجبل بمدينة "بهار" يزوره العوام والخواص.
انتشر لقب "مَلِك" في هذه العائلة من الحضرة الشريف إبراهيم الغزنوي الهندي، بعد أن أطلقه علبه مَلِك ذلك الزمان بلقب "ملك بيا"، بينما كانوا يطلق عليهم بــ "السيد" سابقًا ( كونهم من آل النبي ﷺ) (ملك العلماء لساحل شهسرامي: 28-31، ملخصًا)
دراسته وتحصيله العلمي :
تلقّى العلوم على يد كبار علماء عصره من كانفور وكثير من الأساتذة في المدرسة الغوثية الحنفية وأحسن المدارس بـ"بَتْنَة" (وتسمى حاليا "نَالَنْدَة")، ثم ارتحل لطلب العلم حتى نال حظًّا وافرًا من علوم الشريعة والعربية، فبرز في علوم الحديث، والفقه، والعقيدة، والعربية، والتصوف، وكان له ولع خاص بعلوم الحديث، فبرز فيها.
تتلمذ على كبار علماء الهند في زمانه كالمحدث وصي أحمد السورتي وقاضي عبد الرزاق وأحمد حسن الأستاذ المشهور في عصره في علم المعقولات، وحين التقى بالإمام أحمد رضا خان الحنفي الهندي رحمه الله تأثّر لأول وهلة بشخصيته النابغة، فكان يحرص على الانتفاع من إفاداته العلمية، ويحبّ التمتّع بمنهله العلمي، ورغب أن يدرس عليه إلا أن الإمام الهندي رحمه الله كما هو المشهور عنه كان مولعًا بمطالعة الكتب، مشغوفًا بها فكان يقبل ويعكف عليها في أكثر أحيانه، ولم يكن له سلسلة للتدريس، وليس له مدرسة حتى ذلك الحين، فتمهد السبيل لتأسيس مدرسة بمساعيه وتلاميذه الآخرين فأسسوا مدرسة سميت بـ"منظر إسلام" عام 1322 هـ بمحلة سوداغران ببريلي الهند، وافتُتح فيها التدريس لطلاب الإمام أحمد رضا خان الهندي رحمه الله وصاروا يأخذون درسًا للحديث عليه فيها، وأما الإمام أحمد رضا خان فقرأ عليه الحديث، والفرائض، وأصول الفقه، وعلم الهيئة، والرياضيات، وعلم التوقيت، وعلمي الجفر والتكسير، وعلم التصوف وغيرها من الفنون حتى تأثر بالإمام أحمد رضا خان الحنفي الهندي رحمه الله فصار من أبرز من نشر فكره وعلومه.
تخرُّجه ومبايعته:
بعد تخرُّجه من المدرسة أدار عمامة الفضيلة على رأسه الشيخ المخدوم إلتفات أحمد رحمه الله تعالي المتولي لزاوية الولي المشهور من الطريقة الجشتية وغيره من العلماء، وذلك بطلبه، كما أنه منحه شهادة التدريس وشهادة الإفتاء، وقد بايع أستاذه ومربّيه الإمام أحمد رضا خان الحنفي الهندي رحمهما الله تعالى، وفي نفس سنة تخرجه أجازه الإمام أحمد رضا خان الهندي رحمه الله بالسلاسل العلمية العالية والخلافة، ولقبه بـ"فاضل بِهَارْ" (عالم بلد بهار) (حياة أعلى حضرة: 20-22، ملخصًا)
خدماته التدريسية:
بعد ما انتهى من دراسته في "منظر إسلام" عين مدرسًا فيها، وبقي يقوم على مسؤولية التدريس فيها نحو 4 سنوات، ثم تقلد منصب رئيس الأساتذة في المدرسة الأخرى، وعين في مدرسة شمس الهدى بـ"بَتْنَه" مدرّسًا للحديث النبوي، ثم أصبح درّس الفقه ثم تقلّدَ منصب الرئيس، وفي 21 من شوال سنة 1371 هـ عمل على افتتاح الجامعة اللطيفية بحر العلوم بـ"بَتْنَه"، ثم أصابه مرض أعاقه عن أداء مسؤولياته في الجامعة، ولكنه لم يتوقف عن مسؤوليته الدعوية، فقد بدأ أعماله الإصلاحية والدعوية والتوجيهية من بتنه أيضًا.
تلاميذه:
لا يوجد إحصاء لعدد التلاميذ الذين درسوا عليه خلال حياته التدريسية، إلا أن عدد التلاميذ المتخرجين عليه من إحدى المعاهد الدينية يبلغون الألوف، وكذلك كان المعتنون بعلمي الهيئة والتوقيت من مختلف أماكن الهند يروُون ظمأهم العلمي عن طريق المكاتبات والمراسلات وهم أيضًا غير قليلين.
وهكذا استمر على مدى 55 سنة من حياته في جهوده التعليمية ويداوم عليها ويروي فيها الآلاف من طلاب العلوم والمعارف الإسلامية في مختلف المدارس والمعاهد الدينية الإسلامية من بريلي، وآره، وسهسرام، وبتنه وغيرها، ويصدر مع كل ذلك الفتاوى الشرعية للمسلمين، وينصحهم ويعظهم.
تصديه للبدع والانحرافات:
كان الشيخ من الأبطال الذين تصدّوا للفرق الضالة والدعاوى المحدثة، خصوصًا الفرق التي تتعرض لمقام النبي ﷺ وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين فكتب في الرد عليهم، وألّف المؤلفات في الدفاع عن مقام النبي ﷺ وأهل البيت والصحابة الكرام.
وفاته:
توفي رحمه الله تعالى في بلده "بهار شريف" في شهر جمادى الأخرى، ليلة الاثنين، قبل طلوع الفجر، عام 1382 هـ الموافق لــ 18 من نوفمبر عام 1962 م، وكان يجري على لسانه "الله"، "الله"، جهارًا وتكرارًا، ودفن هناك، ولا تزال ذكراه حية في قلوب العوام والخواص في الهند وخارجها. (حياة أعلى حضرة: 24، ملخصًا)
انطباعات العلماء حول شخصيته:
يعترف الزمان بتبحره في العلوم العقلية والنقلية وسعة اطلاعه وقد أقرّ له بالفضل والتحقيق مشايخه وأساتذته ومعاصروه حتى أثنى عليه الإمام أحمد رضا الحنفي الهندي رحمه الله في رسائله ومكاتيبه أنه من أرشد تلاميذه وخاطبه بكلمات تدل على الحب: مثل: "ولدي الأعز"، "حبيبي وقرة عيني" "ولدي أعزك الله في الدنيا والآخرة (حياة أعلى حضرة: 18، ملخصًا)
مصنفاته:
له مؤلفات في مختلف العلوم الشرعية، أشهرها
- مجموعة الفتاوى المعروف باسم "فتاوى ملك العلماء" وهي حافلة بالمسائل الكثيرة على المذهب الحنفي.
- التعليق على "القدوري" بالعربية
- توضيح الأفلاك المعروف بـ"سلم السماء" والجواهر واليواقيت في علم التوقيت (كلاهما في علم التوقيت)
- وحياة أعلى حضرة (ترجمة الإمام أحمد رضا خان الهندي رحمه الله تعالى )
- خير السلوك في نسب الملوك
- جامع الرضوي المعروف بـ"صحيح البهاري"، وغير ذلك من الكتب والرسائل.
جامع الرضوي المعروف بـ"صحيح البهاري" ومزاياه:
إن الله عز وجل أنزل كتابه وجعله بين الحق والباطل فرقانًا فهو ﷺ- أوضح معاني كتاب الله كما قال تعالى:
وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلذِّكۡرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيۡهِمۡ وَلَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُون [النحل: 44]
وأوصله إلى رسوله الذي هو أكبر نعم الله على العالم، وألزم علينا اتباعه ﷺ بقوله:
وَمَا اٰتٰىكُمُ الرَّسُوْلُ فَخُذُوْهُۚ وَمَا نَهٰىكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوْا [الحشر: 7]
تعتبر السنة النبوية دليل ثانيًا من الأدلة الأربعة عند أهل السنة والجماعة، ولذا تنافس العلماء من الصحابة ومن بعدهم في تحصيل السنة وطلب الرواية واهتموا في سائر العصور بجمع الأحاديث بالروايات والأسانيد حتى وصلت إلينا الشريعة الإسلامية الغراء نقية خالصة.. والمذهب الحنفي من أحد المذاهب الأربعة وهو منسوب إلى إمام الأئمة أبي حنيفة النعمان بن ثابت رحمه الله الذي هو أول من قام بتأسيس الفقه وأصوله.
والمقدم عند الإمام الأعظم كتاب الله ثم سنة رسول الله ثم الإجماع ثم القياس الشرعي، فكيف يُظن أنه يُرجح الرأي والقياس على السنة، وهذا الكتاب "صحيح البهاري" من أنفع كتب الحديث في هذا الزمان في الفقه الحنفي، وقد جمع المؤلف رحمه الله تعالى فيه الأحاديث الكريمة من الصحاح الستة والسنن والجوامع والمسانيد والمعاجم، ورتّبه على الأبواب الفقهية، وبذل في جمعه وترتيبه وتبويبه جهودًا، ولذا أصبح اليوم محط أنظار العلماء، وهو مشتمل على ست مجلدات ضخمة، وهذه المجلدات تنقسم على أربعة وعشرين جزءًا، ومحتويات المجلدات بهذا الترتيب:
- المجلد الأول في بيان العقائد
- الثاني في الطهارة والصلاة
- الثالث في الزكاة والصوم والحج
- الرابع من النكاح إلى الوقف
- الخامس من البيوع إلى الغصب
- المجلد السادس في بيان الشفعة إلى كتاب الفرائض.
فالمجلد الثاني من صحيح البهاري يحتوي على ألف صفحة وعلى عشرة آلاف حديث، ومُقدمته من أهم المقدمات في أصول الحديث وهي مشتملة على 32 فائدة دالة على غزارة علم المؤلف وسعة اطلاعه على الحديث وأصوله "وهي مفيدة جدا" بحيث لابد لطلاب علم الحديث من الاطلاع على محتوياتها، وأما الأحاديث التي ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى فيه فهي إما صحاح أو حسان.
عدة مزايا الكتاب:
- سرد الأحاديث المؤيدة للمذهب الحنفي.
- الرجوع إلى المصادر الكثيرة.
- مراعاة الترتيب الفقهي والندرة فيه في سرد الأحاديث.
- تكثير طرق الأحاديث ليرتقي الضعيف إلى درجة الحسن والحسن إلى الصحيح.
- في المجلد الأول ذكر العقائد التي ثبتت في الآيات القرآنية والأحاديث النبوية.
- ذكر قواعد وأصول حديثيية، أخذت من تحقيقات الإمام أحمد رضا الحنفي الهندي رحمه الله التي قد خلت منها الكتب الأخرى في الأصول. (صحيح البهاري: 57-61، ملخصًا)
التحقيق:
ومن بواعث الفرح والابتهاج أن طُبع المجلد الثاني من هذا الكتاب المفيد ومما زاده حسنًا وبهاء أن خرج أحاديثه وحققها الشيخ المفتي محمد حسان رضا المدني العطاري زاده الله شرفًا وكرامة فله جزيل الشكر والامتنان.
عمل المحقق على كتاب "صحيح البهاري":
طبع الكتاب بمكتبة القاسمية البركاتية بحيدرآباد في السند قديمًا بدون تحقيق، ولذا حصلتْ فيه سقوط وأخطاء فاحشة، فحاول المحقّق أن يقدّمه إلى القرّاء الكرام بحلّة جديدة، ممتازة، بنسخة قديمة، من حيث التصحيح والتخريج والطباعة والتنسيق ليخرج الكتاب بصورة أنيقة ممتعة في القراءة والاستفادة ويكون نافعًا للطلبة والباحثين السادة ما يلي:
- النسخة المطبوعة كانت رديئة جدًّا، فقام بصف النص على الكمبيوتر.
- خرّج الأحاديث من المصادر التي ذكرها المصنّف ومن غيرها.
- رقّم الأحاديث في هذا الكتاب على طريقين؛ فإما ترقيم الأحاديث على حسب الكتاب فهو عمل المحقق، وترقيم أحاديث الأبواب فهو من عمل المصنّف رحمه الله تعالى.
- وضع بعض أطراف الأحاديث في آخر الكتاب.
- إذا كان سقطًا يسيرًا ذكرها من المصادر في مثل هذين القوسين.
- وإن كان الساقط عبارة كبيرة أشار لها في التعليق بلفظ "بتغير" و"بتصرف" و"نحوه" أو ذكر الألفاظ من المصادر.
- ذكر حكم أكثر الأحاديث تقليدًا للأئمة مثل العلامة الزيلعي، والهيثمي، وابن الملقن، والنووي، والبيهقي، وابن حجر العسقلاني، والسيوطي، والسبكي، والإمام أحمد رضا خان الحنفي الهندي رحمهم الله تعالى.
- أخرج كثيرًا من الفوائد الحديثية من الكتب المختلفة في التعليق. (صحيح البهاري: 81-82، ملخصًا)
ختامًا!
فلنقتدِ بهؤلاء الأعلام الأجلاء، ولنسلك طريقهم في طلب العلم، وخدمة الدين، ونشر السنة، عسى الله أن يكتب لنا ببركتهم القبول والرفعة في الدارين.

تعليقات