فلسفة العبادة في رمضان | الشيخ عادل ديري


نشرت: يوم الجمعة،27-فبراير-2026

فلسفة العبادة في رمضان

هذا المقال من مجلة نفحات المدينة: 21

شهر رمضان المبارك هو أعظم مواسم العبادة في الإسلام؛ فيه تتجلّى معاني التقوى والتضحية والصبر، ويتربّى المؤمن على مختلف الطاعات من صيام وصلاة وذكر وتلاوة للقرآن، ولقد فرض الله صيام رمضان على المسلمين بقوله تعالى:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى‌ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ  [البقرة: 183]

فالصيام طريق لتحقيق التقوى وضبط النفس، وفي هذا الشهر الفضيل يزداد إقبال المسلمين على ربّهم رغم ما يحيط بهم من أزمات وصوارف في الواقع السياسي والاجتماعي والإعلامي؛ فرمضان فرصة ذهبية لإصلاح النفس والمجتمع، ينبغي اغتنامها وعدم التفريط فيها مهما كانت الظروف والتحدّيات.

الصيام وفلسفة العبادة في رمضان

الصيام هو العبادة الأبرز في رمضان، وهو ليس مجرّدَ امتناع عن الطعام والشراب من الفجر إلى المغرب، بل هو تدريب عملي على الإخلاص والصبر ومراقبة الله تعالى، وفي الحديث الصحيح يقول النبي ﷺ:

مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إيمَانًا واحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِه. (صحيح البخاري: 2014)

أي أن من صام هذا الشهر مؤمنًا بفرضيّته ومخلصًا لله في صومه، نال مغفرة لما مضى من ذنوبه، وليس المقصود من الصيام تجويع البدن وتعطيشه دون فائدة روحية؛ فقد حذّر النبي ﷺ من صورة صيام بلا روح بقوله:

ربَّ صائمٍ ليس له من صيامه إلا الجوعُ، وربَّ قائمٍ ليس له من قيامه إلا السهرُ  (سنن ابن ماجه:1690)

فسرُّ الصيام إذًا أن يَتقرب العبد إلى الله بترك شهواته المباحة عادةً من طعام وشراب ونحوها في النهار، ملتزمًا بأمر ربه، فيحقق بذلك تقوى الله في نفسه، لذلك شرع الله الصيام شهراً كاملاً كل عام لتتهذّب النفس وتتدرّب على الفضائل؛ فرمضان بمثابة دورة إيمانية مكثفة تعين المسلم على مجاهدة نفسه وكبح أهوائها طوال العام.

ومن رحمة الله تعالى أن جعل للصائم فرحتين عظيمتين: فرحة عند فطره، وفرحة أعظم عند لقاء ربه، وجعل سبحانه للصائمين بابًا خاصًا في الجنة يُسمّى الريّان لا يدخل منه غيرهم، بل بشّر النبي ﷺ الصائمين بأن صوم رمضان يكون شفيعًا لهم يوم القيامة مع القرآن الكريم، يقولُ الصيامُ: أي ربِّ إِنَّي منعْتُهُ الطعامَ والشهواتِ بالنهارِ فشفِّعْنِي فيه، يقولُ القرآنُ: ربِّ منعتُهُ النومَ بالليلِ فشفعني فيه، فيَشْفَعانِ (مسند أحمد: 6626)

هذه المكانة الرفيعة للصيام تدل على عظيم أثره في تزكية الروح وتطهير القلب من أدران الذنوب، لذا ينبغي للمؤمن أن يُحسِنَ في صيامه ظاهرًا وباطنًا؛ فيلتزم بآدب الصوم، فيكفّ جوارحه عن الآثام واللغو، ويصون لسانه عن الكذب والغيبة، ويضبط انفعالاته بالتحلّي بالحلم والصبر، بذلك يتحقق المقصود الأسمى من الصيام وهو التقوى، مصداقًا لقوله تعالى في ختام آيات الصيام:

وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ   [البقرة: 185]

قيام الليل وإحياء القلب

عرف السلف الصالح أن شهر رمضان موسم لإحياء الليل بالعبادة كما هو نهارُه للصيام، ففي ليالي رمضان تُقام صلاة التراويح وقيام الليل ابتغاء وجه الله تعالى، وقد حثّ النبي ﷺ على هذه العبادة العظيمة بقوله:

من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه (صحيح البخاري: 37)

فصلاة الليل في رمضان سواء التراويح في أوّله أو التهجّد في آخره فرصة لغسل القلوب من أدران الدنيا والتقرّب إلى الله في وقت تنزل الرحمات، وكان رسول الله ﷺ قدوةً للمؤمنين في ذلك؛ وقد روى سيدنا حُذَيْفَة رضي الله عنه قائلا:

أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، فَقَامَ يُصَلِّي، فَلَمَّا كَبَّرَ قال: "اللهُ أَكْبَرُ ذُو الْمَلَكُوتِ وَالْجَبَرُوتِ، وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ"، ثُمَّ قَرَأَ الْبَقَرَةَ، ثُمَّ النِّسَاءَ، ثُمَّ آلَ عِمْرَانَ، لَا يَمُرُّ بِآيَةِ تَخْوِيفٍ إِلَّا وَقَفَ عِنْدَهَا. (ثم قال في آخر هذا الحديث) فَقَامَ فَمَا صَلَّى إِلَّا رَكْعَتَيْنِ حَتَّى جَاءَ بِلَالٌ رضي الله عنه فَآذَنَهُ بِالصَّلَاة. (مسند أحمد: 23399)

هذا يدل على مدى خشوع النبي ﷺ وتدبّره في صلاة الليل، إذ لم تكن صلاته مجرد تلاوة سريعة، بل وقوف بين يدي الله بتأمل وخشوع، وقد سار الصحابة والتابعون على هذا النهج؛ فكان بعضهم يختم القرآن كاملاً في صلاة القيام خلال بضعة ليالٍ، حرصًا على اغتنام كل لحظة في رمضان.

هذه الأمثلة تبين عظمة شأن قيام الليل في رمضان؛ فهو يحيي القلوب ويشرح الصدور بنور الإيمان، وفي زماننا المعاصر، قد يثقل قيام الليل على البعض بسبب طول السهر فيما لا ينفع، لكن الجدير بالمسلم أن يغتنم هدوء الليل وصفاء الوقت في هذا الشهر ليلج أبواب المناجاة والذكر، فقد خصّ الله الأسحار بنفحات ربّانية ووصف المستغفرين بالأسحار بأنهم من أهل جنته ومرضاته.

تلاوة القرآن والذكر في شهر القرآن

رمضان هو شهر القرآن بامتياز، فهو الشهر الذي أنزل الله فيه كتابه العزيز هدايةً للناس وفرقانًا بين الحق والباطل، وقد كان دأب المسلمين عبر القرون الإقبال الكثيف على تلاوة القرآن في هذا الشهر تأسّيًا برسول الله ﷺ الذي كان يُدارسه جبريل القرآن في رمضان كل عام، وفي العام الذي توفي فيه النبي ﷺ دارسه القرآن مرّتين، ومن تأمل حال السلف الصالح وجد عجبًا في حرصهم على القرآن؛ فقد ورد عن بعضهم أنه كان يختم القرآن كل ثلاث ليالٍ في رمضان، ومنهم من كان يختمه كل ليلة في العشر الأواخر، وروي عن الإمام الشافعي رحمه الله أنه كان له ستون ختمة في رمضان كلها في الصلاة، وعن أبي حنيفة أنه كان يختم كل يوم مرّة في رمضان، واشتهر عن الإمام مالك أنه إذا دخل رمضان تفرّغ لتلاوة القرآن، فكان يترك دروس الحديث ومجالس العلم ويقبل على المصحف تلاوةً وتدبّرًا، وقال الزهري: إنما رمضان هو تلاوة القرآن وإطعام الطعام (لطائف المعارف: 400)

كنايةً عن شغل الوقت بالقرآن والبرّ بدل الانشغال بما سواهما.

إن القرآن روح رمضان وهو ربيع القلوب؛ تتنزّل فيه السكينة على النفوس، وبتدبّره تستنير العقول، وبالعمل به تصلح الأحوال.

فلا عجب أن يجتهد الصالحون في مدارسة القرآن فهمًا وعملاً، لا تلاوةً فحسب، إن تلاوة جزء يسير بتدبّر وخشوع، مع تطبيق أوامره ونواهيه، خير من ختمات سريعة بلا وعي ولا أثر في السلوك، لذا يجمع رمضان بين كثرة الختمات من جهة، وبين عمق التدبّر من جهة أخرى؛ فالتسبيح والتحميد والتهليل والاستغفار غذاء الروح في كل حين، وهذا في رمضان أسمى وأزكى، وقد صحّ عن النبي ﷺ قوله: ثلاثة لا تُردُّ دعوتهم... والصائم حين يفطر (سنن الترمذي: 3598)

دعوة الصائم:

فدعوة الصائم عند فطره مستجابة بفضل الله، فمن الجميل أن يختم الصائم يومه بدعوات صادقات قبل الإفطار، يسأل بها خير الدنيا والآخرة، ويدعو فيها لإخوانه المسلمين بالفرَج والرحمة، كما أن الاعتكاف في العشر الأواخر سنة نبوية عظيمة، هدفها التفرغ التام للذكر والعبادة في خلوة مع الله بعيدًا عن شواغل الدنيا، ومن رحمة الله بعباده في رمضان أنه يكثر عتق الرقاب من النار كل ليلة، وتُصفّد الشياطين، وتفتح أبواب الجنان وتغلق أبواب النيران، ويُنادي منادٍ كل ليلة: يا باغيَ الخير أقبل، ويا باغيَ الشر أقصر (سنن الترمذي: 628)

فكأن الأجواء كلّها مهيأة للمؤمن لكي يُقبل على ذكر الله وطاعته دون عوائق، ومن هنا ينبغي على المسلم اغتنام هذه النفحات الربانية بالإكثار من الذكر وتلاوة القرآن، عسى أن يكون من المعتوقين من النار، ومن الفائزين بجنات النعيم.

اغتنام الوقت والتخلّص من الملهيات

من أعظم نعم الله على الإنسان نعمة الوقت والعافية، وكثير من الناس مغبون في هاتين النعمتين كما أخبر النبي ﷺ: نعمتان مغبونٌ فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ  (صحيح البخاري: 6412)

وإذا كان الوقت ثمينًا في كل حين، فهو في رمضان أثمن وأغلى؛ لأن ساعات هذا الشهر محدودة سريعة الانقضاء، وفي كل لحظة منه بركات قد لا تتكرر، والمؤمن الواعي يدرك أن رمضان سباق مع الزمن لفعل الخيرات، فيضاعف جهده ويُنظّم وقته ليملأه بالعبادة والنافع من الأعمال، يقول الإمام ابن الجوزي رحمه الله واصفًا حرصه على وقته: كانت عينُ بصيرتي قوية الحِدَّة، تتأسّف على لحظةٍ تمضي في غير طاعة، وتبادِر الوقت في اغتنام الطاعات (صيد الخاطر: 93)

هذه النظرة العميقة لقيمة الوقت هي ما نحتاجه اليوم خصوصًا في زمن كثرت فيه الملهيات ووسائل تضييع الزمن من تكنولوجيا وترفيه مباح وغير مباح، فمن ابتُلي بالإسراف في تصفّح المواقع والتطبيقات، أو متابعة الأخبار والمسلسلات لساعات طوال، فليعلم أن العمر رأس ماله، وأن الدقيقة التي تمضي لا تعود، ولهذا ننصح كل مسلم أن يضع خطة يومية لوقته في رمضان، يحدد فيها ساعات للقرآن والذكر، وأخرى للراحة التي تعينه على العبادة (كنوم القيلولة مثلًا ليستطيع قيام الليل)، وسيتمكن المؤمن من اغتنام رمضان كما ينبغي دون شعور بالإرهاق أو التقصير.

وتذكّر أن هذا الشهر أيام معدودات كما وصفه الله تعالى، وسرعان ما تنقضي مهما بدت لنا طويلة في بدايتها؛ فالمحروم حقًا من أدرك رمضان وفرّط في ساعاته الغالية، وانشغل بالزوائل عن الكنوز الروحية التي بين يديه.

رمضان فرصة لإصلاح النفس والمجتمع

يجمع رمضان في خصائصه بين البعد الفردي في تزكية الإنسان نفسه، والبعد الجماعي في إصلاح حال المجتمع وتقوية أواصره:

فمن جهة إصلاح النفس:

يمرّن الصيامُ المرء على السيطرة على رغبات الجسد، ويرقق القلب بالإحساس بجوع المحتاجين، ويعوّده على الالتزام بأوامر الله في السر والعلن، جاء في الحديث: الصيام جُنّة (صحيح البخاري: 1894)

أي درع وواقية من المعاصي والنار؛ فمَن أتقن صيامه تحصّن من تسلّط شهواته وهذّب أخلاقه، كما أن رمضان يبني في النفس ملكة المراقبة الذاتية؛ فالصائم يمتنع عن المفطرات خفيةً عن أعين الناس ابتغاء وجه الله وحده، وهذه التربية على الإخلاص تمتد آثارها لما بعد رمضان في سلوك المسلم وأمانته.

أيضًا قيام الليل يغرس في القلب محبة الخلوة مع الله والأنس بذكره، فيعتاد المؤمن بعد رمضان على صلاة الوتر وشيء من التهجّد، فلا يقطع صلته بربه حتى في الأشهر الأخرى، أما تلاوة القرآن في رمضان وفهمه، فهي منهج لتجديد الفكر والروح؛ إذ يكتسب المؤمن من معاني القرآن القوة والعزيمة والأمل.

أما من جهة إصلاح المجتمع:

فرمضان مدرسة لبناء مجتمع متراحم ومتكاتف، فالجوع والعطش في نهار الصوم يذكّران الأغنياء بمعاناة الفقراء، فيبادرون إلى مواساتهم بالبذل والعطاء، ولذا نرى في رمضان تنطلق حملات الصدقة وإطعام الطعام بكثرة، تحقيقًا لحديث النبي ﷺ: أفضل الصدقة صدقة في رمضان (سنن الترمذي: 663)

وكان رسول الله ﷺ أجود الناس بالخير في رمضان حتى يُوصف كرِيح مُرسلة في السخاء والعطاء، هذه الجود الرمضاني إن ترسّخ كثقافة في الأمة، سيخفّف بلا شك من معاناة الفقر ويقوي روح الأخوة بين الناس، فرمضان يوحّد المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها على عبادة واحدة في زمن واحد، فيشعر الجميع أنهم جسد واحد يصوم ويفطر في مواعيد متقاربة ويدعو ربًّا واحدًا، وفي ذلك قوّة معنوية هائلة يمكن أن تنعكس إيجابًا على تضامنهم في القضايا والأزمات.

فلا غرو أن أعظم انتصارات المسلمين الأولى اقترنت بروحانية رمضان ووحدة صفّهم؛ فغزوة بدر الكبرى التي وقعت في 17 رمضان من السنة 2هـ كانت نموذجًا لانتصار الفئة المؤمنة القليلة على عدوّها بكثير من الإيمان والتضحية، وكذلك فتح مكة تم في رمضان السنة 8هـ وكان فتحًا مبينًا أزال به المسلمون طغيان الشرك، وحققوا حلم تأسيس مجتمع التوحيد في مكة، هذه المحطات التاريخية تبيّن البعد الاستراتيجي لرمضان في حياة الأمة؛ فهو شهر انتصارات وتغييرات كبرى حين يستثمر بروحه الصحيحة، واليوم ورغم ما يمر به المسلمون من محن سياسية واجتماعية وإعلامية تُفرّق الاهتمام وتُشغل الأذهان، يبقى رمضان فرصة سنوية لتجديد عزيمتهم وإحياء الأمل في نفوسهم، فالصائمون القائمون الذاكرون يدعون ربهم بقلوب موقنة أن يفرّج الكرب عن الأمة ويجمع كلمتها وينصر مظلوميها؛ وما يدري المرء؟ فربّ دعوة صادقة في سَحَرٍ من أسحار رمضان تغيّر مجرى التاريخ بأمر الله... فإصلاح المجتمع يبدأ بإصلاح نفوس أفراده، فإذا خرج ملايين المسلمين من رمضان بروح جديدة وعزم على الاستقامة وخدمة الآخرين، فلا شك أن ملامح التغيير ستظهر في أسرهم ومجتمعاتهم.

خاتمة:

خلاصة القول، إن شهر رمضان مدرسة ربانية متكاملة، تتربّى فيها النفوس على التقوى والإخلاص، وتُنضبط الجوارح على الطاعة، ويذوق المؤمن لذة المناجاة والبذل والانتصار على شهواته، وفيه يدرك قيمة الوقت وأهمية ترتيب الأولويات، فيراجع نمط حياته ويصلح مساره، وهو فرصة سنوية عظيمة للتغيير الفردي والمجتمعي، إذ كم من شخص انتقل فيه من التفريط إلى الاستقامة، وكم من أسرة عادت إلى ربها في أجوائه الإيمانية.

والمطلوب أن نعيش رمضان بعقلية المجتهد الحريص لا بعقلية التسويف؛ فهو أيام معدودات سرعان ما تنقضي، فالفائز من عمّرها بالطاعة وأحسن صلته بالله وبالناس، فلنجعل رمضان نقطة تحول صادقة في علاقتنا مع الله، نطهّر فيها قلوبنا من التعلّق بالدنيا، ونترجم الإيمان إلى سلوك عملي بعده، ليكون بداية عهد جديد من الطاعة والثبات، فرمضان أعظم فرصة إصلاحية سنوية، متى أُحسن استثمارها تحققت بها غاية التقوى والإصلاح، والله ولي التوفيق.

تعليقات



رمز الحماية