مدونات مختارة مميزة
المدونات الأكثر قراءة
جناحان في سماء اليمَن العلميّة: الزبيدي والحضرمي | محمد إلياس السكندري
هذا المقال من مجلة نفحات المدينة: 22
زخرت الحواضر العلمية في التاريخ الإسلامي بعطاءٍ لا ينضب، غير أن لليمن بصمةً استثنائية علَت وأثمرت عبر التاريخ؛ إذ كانت مَهوى أفئدة طلاب العلم، ومستقر العلماء والفقهاء والوعّاظ والنسّاك الذين حملوا مشاعل النور ولواء الشريعة وبثّوا نورها في الآفاق.
وفي ربوع هذا البلد المبارك، شيدت اليمن مدارس علمية شامخة، تلاحمت فيها علوم الشريعة بالعقيدة والحديث، وامتزج فيها الفقه بالتصوف والتربية السلوكية، لتُسهم في صياغة هوية الفكر الإسلامي الممتد من زبيد إلى حضرموت، ومن صنعاء وعدن إلى أقاصي السواحل البعيدة.
ومن بين لآلئ عقد هذه النهضة، برَز عَلَمان شامخان من أعلام تلك البلاد:
- الشيخ أبو بكر بن علي الحَدَّادي الزبيدي: فقيه الحنفية البارع، وصاحب "الجوهرة النيرة"، الذي جسّد ذروة النضج العلمي في الدولة الرسولية بزبيد.
- الإمام عبد الله بن علوي الحداد: مجدد القرن الثاني عشر الهجري في حضرموت، وصاحب "الراتب" الشهير، الذي جابت مصنفاته الإصلاحية وأوراده الروحية المعمورة من "تريم" إلى مشارف الأرض.
وإن استعراض سيرة هذين العَلَمين ليس مجرد سردٍ تاريخي عابر، بل هو استكشاف لمنهج يماني أصيل يجمع بين العلم والعمل، وبين الفقه والتربية؛ وهو منهجٌ يُبرهن كيف تزدهر الأمة حين تتكامل مدارسها الفقهية والعرفانية، وتتوحد جهود علمائها لبناء الإنسان والمجتمع.
الشيخ أبو بكر بن علي الحَدَّادِي العَبَّادِي الزَّبِيدِي
يُعَدّ العلامة أبو بكر بن علي الحَدَّادِي من أعلام الفقه الحنفي في اليمن خلال القرن الثامن الهجري، وقد لمع بوصفه فقيهًا مدرِّسًا ومؤلِّفًا، غير أن سمعته لم تقتصر على التدريس، بل ارتبط اسمُه ارتباطًا وثيقًا بمؤلَّفه الأشهر: الجوهرة النيرة على مختصر القدُوري، وهو الشرح الذي أثنى عليه الفقهاء واعتبروه دليلًا على عمق فهم المؤلف لمتون المذهب وقدرته على تحرير العبارات وتوضيح المقاصد.
ويُجمِع أصحاب التراجم على أنّ الحدادي مثَّل إحدى قمم النضج الفقهي في زمنه، إذْ كان يُرجَع إليه في مسائل الفقه ويفيدُ منه طلاب زبيد وغيرها، وقد ظلت دروسه وشرحه معتمدَين في مدارس اليمن بعد وفاته، الأمر الذي جعل أثره العلمي أوسع من نُقول التراجم وأطول عمرًا من سير الأحداث.
أبرز مؤلَّفاته وتحليل "الجوهرة النيرة":
وقد وصفه المؤرخ الزركلي رحمه الله تعالى في كتابه الأعلام:
له في مذهب أبي حنفية مصنفات جليلة لم يصنف أحد من العلماء الحنفية باليمن مثلها، كثرة وإفادة تبلغ كتبه نحو 20 مجلدًا. "سراج الظلام" في شرح منظومة الهاملي، (فقه).
- وكتاب "التفسير" وهو تفسير حسن مشهور الآن عند الناس يسمونه: "تفسير الحداد".
- ومنها "السراج الوهاج" ثماني مجلدات، في شرح مختصر القدوري، (فقه).
- ومن أبرز آثاره كتابه الخالد: "الجوهرة النيرة" مجلدان، (أعلام للزركلي: 2/ 67، بتصرف)
- وهو شرح متن "مختصر القدوري"، أحد أعمدة التعليم الحنفي.
- ورغم قلّة التفاصيل الشخصية الواردة عن الإمام الزبيدي، فإن مجرّد بقاء "الجوهرة النيرة" حاضرةً في حلق العلم وفي مناهج التعليم الحنفي لقرون — كما هو ظاهر من استمرار تداولها — يكشف عن علوّ قدره ومكانته بين علماء اليمن في عصر الدولة الرسولية.
وقد تميّز الإمام الحدادي بأسلوبٍ يجمع بين الدقة والوضوح، إذ حرّر مسائل المتن، وشرح عباراته، وزاد عليها فوائد فقهية مأخوذة من كتب المذهب المعتبرة.
وبفضل هذا المنهج، صار الكتاب مقرّرًا في مدارس زَبيد واليمن، ثم في مصر والهند وباكستان، وظل معتمدًا في التدريس حتى عصور متأخرة، مما يعكس رسوخ قدم مؤلفه في علوم الفقه وملَكة التعليم والتحرير.
انتقاله إلى رفيقه الأعلى:
لا تذكر المصادر سنة وفاته بدقة، غير أنه توفي سنة ثمانمائة بزبيد (هدية العارفين أسماء المؤلفين:235-236، بتصرف)
بعد أن ملأ عصره تعلّمًا وتعليمًا وتأليفًا.
ورغم قلة الأخبار الشخصية عنه، بقي أثره العلمي شاخصًا عبر "الجوهرة النيرة"، التي صارت بوابةً يعرف منها الطلاب اسم الشيخ، ودليلًا على مكانته بين الدارسين للفقه الحنفي في اليمن وغيرها.
وهكذا انطوت صفحة رجل من رجال العلم، لكن أثره لم يغب، بل بقي حاضرًا في حلق العلم ومكتبات الفقهاء، شاهدًا على مدرسة زَبيد وعلى جيلٍ من العلماء الذين خدموا الدين بعلمٍ راسخ وأدبٍ رفيع.
الإمام عبدالله بن علوي الحَدَّاد: النَّسب والنشأة
وُلد الإمام عبدالله بن علوي الحداد ليلة الاثنين لخمس خلت من صفر الخير سنة 1044هـ -بالسبير- من ضواحي مدينة تريم في بيتٍ عُرف بالعلم والصلاح، وينتهي نسبه إلى الدوحة النبوية عبر آل باعلوي، وهي الأسرة التي اشتهرت في حضرموت بنشر العلم والدعوة والتربية الروحية.
يشير الإمام الحداد في بعض رسائله إلى أن نشأته كانت مشحونة بالعناية الإلهية؛ فقد أصيب بمرض الجدري في طفولته أذهب بصرَه وهو في الرابعة من عمره، غير أنه كما ينقل حبيب سالم الشاطري جعل من فقدان البصر بابًا إلى بصيرة أوسع، فحفظ المتون، وحضر حلق العلماء، واعتمد على الرواية والسماع وتقييد ما يتلقاه. (الإمام الحداد مجدد القرن الثاني عشر: 39بتصرف)
نشأ رحمه الله تعالى «مغروسًا في رياض الطاعة»، ملازمًا للمجالس العلمية، محبًّا للعبادة منذ صغره. فجمع بين طريقين قلّ اجتماعُهما في عصره: طلب العلم والتهذيب الروحي، مما مهّد لظهور منهجه الإصلاحي الذي اشتهر به لاحقًا. (الإمام الحداد مجدد القرن الثاني عشر: 40 بتصرف)
وبحكم البيئة العلمية في تريم، تردد الإمام الحداد على حلق كبار أئمتها، فتشرّب الفقه الشافعي، وتربّى على أيدي رجال السلوك كآل الحبشي وآل العيدروس، حتى أصبح عمدة العلماء وقدوة العارفين في حضرموت من القرن الثاني عشر الهجري.
أبرز مؤلفاته والراتب الشهير:
برز الإمام عبد الله بن علوي الحداد في القرن الثاني عشر الهجري بوصفه أحد أكثر علماء حضرموت إنتاجًا وتأثيرًا في مجال التأليف الروحي والإرشادي، حتى قيل إنه “ترك كتبًا لا تزال تُقرأ وتُدرَّس في الآفاق ومن أشهر مؤلفاته:
- "رسالة المذاكرة مع الإخوان المحبين من أهل الخير والدين"، وقد ذكر فيها تعريفاً لمعنى التقوى وترغيباً في سلوك طريق الآخرة وتزهيداً في الفانية مع صغر حجمها لها أثر عظيم في تنوير القلوب وتحريك الهمم.
- "رسالة آداب سلوك المريد" وهي أيضا وجيزة فيها كل ما ينبغي للمريد الالتزام به من الآداب والأعمال الظاهرة والباطنة.
- "النصائح الدينية والوصايا الإيمانية" وهو أكبر كتبه حجما وأعظمها نفعا وهو مؤلف جامع بين الفضائل الظاهرة والباطنة.
- "سبيل الادكار والاعتبار بما يمر بالإنسان وينقضي له من الأعمار" وقد بين في كل عمر من أعمار الإنسان ما له من شؤون وأطوار مستندا لما ورد في ذلك من الدلائل والآثار، ضمن بيان وافٍ وسهلٍ واضح.
- "الدعوة التامة والتذكرة العامة" وقد رسم فيه معالم طريق الدعوة وأسس الإصلاح الاجتماعي؛
- وكذلك له ديوان شعري "الدر المنظوم لذوي العقول والفهوم" يشتمل على جملة من العلوم والمواعظ والرقائق والدعوات.
- وغيرها من التصانيف أما ذروة عطائه التي طارت بها الركبان، واستقرت في القلوب والوجدان، هو "الراتب"؛ ذلك العقد المنظوم من الأدعية النبوية والأذكار المأثورة، الذي صاغه الإمام بترتيبٍ بديع، يجمع بين سلاسة اللفظ وعمق التأثير، ليجعله ميسوراً للعامة والخاصة على حد سواء.
وقد كان هذا "الراتب" أحد أسرار سطوعه الإصلاحي؛ إذِ استطاع من خلاله أن يربط الأمة بأورادها اليومية برباطٍ وثيق لا ينقطع.
ولم يقف أثره على حدود "تريم" أو اليمن فحسب، بل صار مرجعاً في مساجد حضرموت، وفي حواضر الهند، وجزر الملايو، وعلى امتداد السواحل الإفريقية؛ ليكون هذا الورد شاهداً حياً على عالمية المنهج، وعلامةً فارقةً في تاريخ التربية الروحية عبر العصور. (الإمام الحداد مجدد القرن الثاني عشر: 163- 169 بتصرف)
وفاته وأثره في الأجيال:
توفي الإمام عبدالله بن علوي الحداد يوم الثلاثاء 7 ذي القعدة سنة 1132هـ في داره بتريم، عن عمرٍ يناهز 79 سنة إلا ثلاثة أشهر (توضيحات الإمام الحداد: 7 بتصرف)
قضى حياته في التعليم والإرشاد وتهذيب المجتمعات، وقد رثاه أهل حضرموت وأجمعوا على أن رحيله أغلق بابًا من أبواب التربية الروحية التي نضجت على يديه.
غير أن وفاته لم تُنهِ حضوره، فقد بقي أثره ممتدًا في الأجيال عبر مدرسته العلمية والسلوكية التي حملها تلاميذه، مثل آل الحبشي وآل العيدروس، وانتقلت إلى إندونيسيا وشرق أفريقيا والهند مع التجّار والدعاة الحضارمة، فانتشر فكره وأوراده، واستمرت كتبه في تعليم الناس، حتى لُقب —بحسب وصف معاصريه— بـ"مجدد القرن الثاني عشر الهجري".
وهكذا، ترك الإمام الحداد ميراثًا متكاملًا يجمع بين العلم والسلوك والدعوة، ظل حاضرًا في حلق المساجد، وأوراد البيوت، ومجالس التصوف، وشكّل جزءًا من الهوية الدينية للمجتمعات التي وصلهتا توجيهاته، ليبقى حيًا في القلوب وإن غاب جسدًا.
يظهر لنا من عرض وقراءة سيرة الشيخ أبي بكر بن علي الحدادي الزبيدي والإمام عبدالله بن علوي الحداد صورتين مختلفتين، لكنهما متكاملتان، وهما من أبهى صور خدمة العلم والدين في اليمن.
فالإمام أبوبكر الحدادي رحمه الله تعالى مثّل روح المدرسة الفقهية التي حافظت على المذهب وأصوله، ونشرته بالتدريس والتصنيف، حتى صار شرحه "الجوهرة النيرة" معتمدًا لدى العلماء وطلاب العلم داخل اليمن وخارجها، وكانت خدمته للإسلام منبر العلم والتعليم، تُصان بها أحكام الشريعة، ويُبنى عليها فهم الأمة في عباداتها ومعاملاتها.
أما الإمام الحداد، فوسع دائرة التأثير إلى المجال الدعوي والتربوي، فاشتغل بإحياء القلوب، وتزكية النفوس، وربط الناس بالله تعالى عبر كتبه وأوراده وأسلوبه الإصلاحي الهادئ.
فكان أثره ممتدًا في المجتمعات، ثم تغلغل في حياة العامة والخاصة، لا سيما عبر الراتب الشهير الذي صار سمَة يومية في مساجد وأسر حضرموت، ثم في الهند والساحل الأفريقي وجزر الملايو.
ختامًا!
وبينما حفظ الحدادي معالم العلم الفقهي وأثراه، أعاد الحداد الروح إلى تلك العلوم بتربية السالكين، وهما جناحان لا تقوم الأمة بدونهما: علمٌ يُحفظ ويُفهم، وقلوبٌ تُهذَّب وتُربَّى.
فكلاهما خدم الإسلام من موقعه، وبالآلة التي آتاهما الله إياها: هذا بالقلم والشرح والتدريس، وذاك بالوعظ والدعوة والتصوف السني، واختلاف مسالكهما هو سر التلاقي بينهما في الهدف؛ إذ يسير كلٌّ منهما في طريقٍ يسد ثغرة ويكمل أخرى، ليثبت تاريخ اليمن من جديد أن العلم والعمل متى اقترنا، صلح بهما دين الناس ودنياهم، وامتد أثرهما إلى ما بعد العمر والحدود.

تعليقات