مدونات مختارة مميزة
المدونات الأكثر قراءة
القرآن منهج حياة متكامل (المراتب الخمسة للتعامل مع كتاب الله) | محمد سجاد أنجم قادري
هذا المقال من مجلة نفحات المدينة: 21
الحمد لله الذي جعل القرآن نورا للمهتدين، وشفاء لصدور المؤمنين، وعزا للحافظين، أنزله على قلب سيدنا محمد ﷺ ليكون للعالمين نذيرا، والصلاة والسلام على من كان خلقه القرآن، وعلى آله وصحبه الذين تلوه حق تلاوته، وتدبروا محكمه، وآمنوا بمتشابهه، وعملوا بأحكامه... أما بعد:
إن القرآن الكريم هو مأدبة الله تعالى في أرضه، وحبله المتين، وصراطه المستقيم، لم يتنزل هذا الكتاب العزيز ليكون مجرد نصوصٍ تُتلى في المحاريب، أو تعويذاتٍ تُعلق للزينة، بل نزل ليكون منهج حياة متكامل، ودستوراً سماوياً يُصلح العقائد، ويُهذب الأخلاق، ويقوم السلوك، يقول الله تعالى:
إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ (الإسراء: 9 )
ولكي تتحقق هذه الهداية، وتكتمل الاستفادة من كتاب الله عز وجل، لا بد للمسلم أن يرتقي عبر خمس مراتب عظيمة، ذكرها العلماء واستنبطوها من نصوص.
المرتبة الأولى: الاستماع والإنصات
وهي بوابة الهداية الأولى، فالرحلة مع القرآن تبدأ بالأدب الرفيع، وهو حسن الاستماع، فحتى قبل أن يتحرك اللسان بالتلاوة، تكون الأذُن هي البوابة الأولى للقلب، والاستماع هو الذي يمهد الأرضية لزراعة الإيمان.
قد أمرنا الله تعالى بذلك فقال:
وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (الأعراف: 204)
كما ذم الله المعرضين عن السماع فقال:
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (فصلت: 26 )
قد ثبت في الحديث عن سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال لي النبي ﷺ: اقرأ علي، قلت: يا رسول الله! أقرأ عليك وعليك أُنزل؟ قال: نعم، إني أحب أن أسمعه من غيري، فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى قوله تعالى:فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ... ، قال: حسبك الآن، فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان. (متفق عليه)
لنا في السلف عبرة
قال عمر بن الخطاب: خرجت أتعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن أسلم، فوجدته قد سبقني إلى المسجد، فقمت خلفه، فاستفتح سورة الحاقة، فجعلت أعجب من تأليف القرآن، قال: فقلت: هذا والله شاعر كما قالت قريش، قال: فقرأ:
إنه لقول رسول كريم. وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون
قال: قلت: كاهن، قال:
ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون. تنزيل من رب العالمين. ولو تقول علينا بعض الأقاويل. لأخذنا منه باليمين. ثم لقطعنا منه الوتين. فما منكم من أحد عنه حاجزين (الحاقة: 42 – 47)
إلى آخر السورة، قال: فوقع الإسلام في قلبي كل موقع (مسند الإمام أحمد : 107)
فكان هذا الاستماع هو الجذوة الأولى التي أذابت قسوة قلبه.
كذلك كان الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى، فقد كان في بدايته يقطع الطريق، وبينما هو يتسلق الجدران ليلاً ليعصي الله، سمع صوت قارئ يتلو من داخل البيت:
أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ (الحديد: 16)
فكان هذا الاستماع الصادق كالسهم الذي أصاب قلبه، فقال فوراً: بلى يا رب، قد آن!، فنزل وتاب، وأصبح بعدها من كبار أولياء الله وزهاد الحرمين. (سير أعلام النبلاء: 8/421)
المرتبة الثانية: التلاوة حق التلاوة
وهي وظيفة العمر والعبادة اليومية التي لا يستغني عنها المؤمن، فالتلاوة هي أن تجري كلمات الله على لسانك بترتيل وتجويد، وهي غذاء الروح اليومي.
- قال الله تعالى:
الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ (البقرة: 121)
وقال سبحانه:
إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ... يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ (فاطر: 29)
- وقد رغبنا النبي ﷺ فقال: اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه (صحيح مسلم: 804)
وقال أيضًا: الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة (متفق عليه)
هل الأجر مترتب على مجرد التلاوة؟
وهنا لا بد من إزالة شبهة يلقيها الشيطان، فيقول للعبد: لا تقرأ حتى تتعلم التفسير وتفهم المعنى! والجواب القاطع في قول النبي ﷺ:
من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: الم حرف، ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف (سنن الترمذي:2910)
تأمل دقة النبي ﷺ في ضرب المثل بـ (الم) -وهي حروف مقطعة- أن الأجر مترتب على مجرد التلاوة التعبدية، سواء وافقها فهم أم لا.
وقد كان السلف يعظمون التلاوة:
- قال خباب بن الأرت رضي الله عنه: تقرب إلى الله ما استطعت، واعلم أنك لن تتقرب إليه بشيء أحب إليه من كلامه.
- تأمل في قصة الصحابي الجليل سيدنا أسيد بن حضير رضي الله عنه، حين كان يقرأ سورة البقرة في الليل، فتنـزلت الملائكة مثل المصابيح لسماع صوته، حتى قال له النبي ﷺ: تلك الملائكة دنت لصوتك. (متفق عليه)
المرتبة الثالثة: الحفظ في الصدور
وهو الكنز المحفوظ، فالقرآن في الصدر كالسراج في البيت المظلم، وهو شرف المؤمن في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى:
بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ (العنكبوت: 49)
- ينبغي لحامل القرآن أن يتميز عن غيره، كما قال سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ينبغي لحامل القرآن أن يُعرف بليله إذا الناس نائمون، وبنهاره إذا الناس مفطرون، وبحزنه إذا الناس يفرحون. (المصنف لابن أبي شيبة: 38323)
- وقال الفضيل بن عياض رحمه الله: حامل القرآن حامل راية الإسلام، لا ينبغي أن يلهو مع من يلهو تعظيماً لحق القرآن. (التبيان في آداب حملة القرآن للإمام النووي رحمه الله تعالى:36)
المرتبة الرابعة: التدبر العميق
وهي حياة القلوب والأرواح، فالتدبر هو الغاية من الإنزال، وهو الجسر الواصل بين اللفظ والمعنى. قال تعالى موبخاً الغافلين:
أفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (محمد: 24)
وقد قام النبي ﷺ ليلة كاملة بآية واحدة يرددها ويتدبرها ويبكي، وهي قوله تعالى:
إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (المائدة: 118)(سنن ابن ماجه: 1350;ماخوذًا)
المرتبة الخامسة: العمل والتطبيق
وهي الغاية العظمى والثمرة المرجوة، فكل ما سبق من استماع وتلاوة وحفظ وتدبر هو وسيلة، والعمل هو الغاية، قال تعالى:
الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ (الزمر: 18)
وقد ذم الله من لا يعمل فقال:
كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (الصف: 3)
وقال النبي ﷺ: والقرآن حجة لك أو عليك. (صحيح مسلم: 534)
- قد كان الصحابة رضي الله عنهم مدرسة في العمل، قال أبو عبد الرحمن السلمي رحمه الله: قال: حدثنا من كان يقرئنا من أصحاب رسول الله ﷺ: أنهم كانوا يقترئون من رسول الله ﷺ عشر آيات، ولا يأخذون في العشر الأخرى حتى يعلموا ما في هذه من العمل والعلم فإنا علمنا العمل والعلم (مصنف ابن أبي شيبة:29929 )
- ومن أروع صور الاستجابة، موقف أبي طلحة الأنصاري رضي الله عنه، حين نزل قوله تعالى:
لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ (آل عمران: 92)
فقام فوراً إلى النبي ﷺ وتصدق بأحب أمواله بستان بيرحاء (متفق عليه)
هكذا حولوا الآيات إلى واقع ملموس في اللحظة مباشرة دون تردد.
الخاتمة:
أيها المحب لكتاب الله! إن القرآن مشروع عمرٍ كامل، وسفينة نجاة في بحر الفتن، فلا تكن ممن يقرأ الحروف ويضيع الحدود، وها هو السلم أمامك واضحاً، فابدأ في الارتقاء:
- استمع بقلبك لتنال الرحمة
- اتلُ بلسانك لتنال الأجر
- احفظ لترتقي في الدرجات
- تدبر لتخشع اعمل لتفوز بجنات النعيم.
اللهم اجعلنا من أهل القرآن، وارزقنا تلاوته آناء الليل وأطراف النهار.

تعليقات