مدونات مختارة مميزة
المدونات الأكثر قراءة
نعمةٌ تُعَدُّ ولا تُهْدَر | فهد محمد العطاري
هذا المقال من مجلة نفحات المدينة: 22
الماء سرُّ الوجود ونعمةٌ إلهية، وهو أمانةٌ بين أيدينا، كما قال تعالى :
وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ حَىٍّ [الأنبياء: 30]
وجريان الأنهار ونزول المطر لا يعنيان استمرارهما بلا حدود، فالإسراف فيه خطرٌ جسيمٌ يهدد الفرد والمجتمع والبيئة، ويسلب حقَّ الأجيال القادمة ومن هنا يبرز السؤال:
ما أهمية الماء؟
- الماء أساس الحياة لجميع الكائنات الحية.
- وسيلة للطهارة في العبادات.
- ينقل المغذيات والأكسجين داخل جسم الإنسان والحيوان.
- عنصر رئيس في إنتاج الغذاء والزراعة. يدخل في صناعات متعددة كالأدوية والمشروبات والمنسوجات.
- مصدر نظيف لتوليد الطاقة الكهربائية. موطن للكائنات البحرية ومصدر غذاء لمليارات البشر.
- ينظم مناخ الأرض عبر المحيطات والتيارات البحرية.
- عامل استقرار صحي واجتماعي واقتصادي للمجتمعات.
- ضروري للنظافة ومكافحة الأمراض، ويدخل في تكوين الدم.
الماء لغة الحياة المشتركة بين جميع الكائنات، وحمايته مسؤولية جماعية؛ فهل سنكون أوصياء أمناء أم مستهلكين جشعين؟ إن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد مصير البشرية في القرون القادمة.
لماذا يُعَدُّ الماء سرَّ الحياة بامتياز؟
الماء هو السر الكامن وراء كل نبضة قلب، وكل نفسٍ نتنفسه، وكل ورقةٍ خضراء تميد في مهب الريح؛ فهو جوهر الوجود لجميع أشكال الحياة.
يشكّل الماء ما بين 60% و70% من وزن الإنسان البالغ، وترتفع النسبة إلى أكثر من 80% لدى الأطفال الرضع، مما يدل على أن الحياة تبدأ وتستمر بوجود الماء بوفرة.
- تكمن أسرار الحياة في الماء في قدرته العالية على امتصاص الحرارة وتخزينها دون ارتفاع سريع في درجتها، مما يجعله منظمًا حراريًا مثاليًا للكائنات الحية وللكوكب بأسره.
- لولا الماء، لما وُجد الأكسجين الذي نتنفسه، ولا الغذاء الذي نقتات به، ولا قامت حياة بشرية أو حيوانية.
من منظور كوني، الماء هو الذي جعل الأرض صالحة للحياة، بينما بقيت الكواكب الأخرى قاحلة إما لقربها الشديد من الشمس أو لبعدها عنها أو لغياب الغلاف الجوي الحافظ للماء.
وجود الماء السائل على سطح الأرض هو الشرط الأول الذي يبحث عنه العلماء عند البحث عن حياة في كواكب أخرى خارج مجموعتنا الشمسية.
الماء سجلٌّ تاريخيٌّ للأرض؛ إذ يحمل في طبقاته الجليدية أسرار المناخ القديم وتطور الحياة عبر ملايين السنين. دورة الماء المستمرة بين البحر والسماء والأرض هي نظام إعادة التدوير الأعظم في الكون، الذي ينقي الماء ويجدده باستمرار دون توقف منذ مليارات السنين.
الماء هو الآيات المتنقلة التي تسير في عروقنا وفي أنهار أرضنا، تشهد على قدرة الخالق ورحمته.
بعد أن أدركنا أن الماء هو سر الحياة وجوهر الوجود، يجب أن نسأل أنفسنا: كيف تعامل ديننا الحنيف مع هذه النعمة؟ وما هي الآداب والسنن التي أرشدنا إليها ؟
الإسلام دين الاعتدال، وقد وضع ضوابط دقيقة وأخلاقًا رفيعة للتعامل مع الماء، فجعل ترشيد استهلاكه عبادةً وقربةً إلى الله تعالى.
أول هذه الآداب هو اتباع سنة نبينا الحبيب صلى الله عليه وسلم في الوضوء، حيث كان النبي ﷺ يتوضأ بمدٍّ واحد ويغتسل بصاعٍ إلى صاعين، وهي كميات قليلة مقارنةً بما نستهلكه اليوم.
وكان ينهى عن الإسراف في الماء ولو كان على نهر جارٍ، مؤكدًا على أن الترشيد مبدأٌ أخلاقيٌّ دائم، لا يرتبط بندرة المورد فقط.
من آداب المحافظة على الماء في الإسلام:
- عدم تلويث المصادر المائية؛ فقد نهى النبي ﷺ عن البول في الماء الراكد أو إلحاق أي ضرر به.
- من السنن المستحبة الدعاء عند الشرب، وحمد الله بعده، تعظيمًا للنعمة وربطها بالمنعم.
- تقديم الماء للآخرين والبدء بالأيمن، وتنمية روح الإيثار.
- حث الإسلام على غرس الأشجار وسقيها، وجعلَ في كل كبد رطبة أجراً، مما يشجع على العناية بالماء المستخدم في الري وعدم إهداءه سدى.
- الحث على غرس الأشجار وسقيها، وجعل في كل كبدٍ رطبة أجرًا.
- نهى الإسلام عن احتكار الماء، قال ﷺ: «لا يُمنع فضل الماء ليُمنع به الكلأ» (البخاري: 6962)
- إصلاح التسربات في البيوت والمساجد فورًا، لأن ترك الماء يهدر دون فائدة هو تفريط في الأمانة.
- الاقتصار في الوضوء والغسل على قدر الحاجة دون زيادة ترفيهية وهذا من دأب السلف الصلح.
- عدم العبث بالماء أو عدم استخدامه فيما لا فائدة فيه وهذا من الآداب التي تحفظ هيبة النعمة.
- بعد أن استعرضنا بعض الآداب والسنن، يجب أن نلفت النظر إلى بعض صور الإسراف والتبذير التي انتشرت في مجتمعاتنا وتستنزف هذه الثروة الحيوية.
أبرز صور الإسراف المعاصرة
الإسراف في الماء اتخذ أشكالًا متعددة في حياتنا اليومية، منها:
- ترك الصنابير مفتوحة أثناء الاستخدام.
- استخدام الخراطيم بغزارة لغسل السيارات والأرصفة.
- إهمال إصلاح تسربات المياه في المنازل.
- ريّ المزروعات بشكل فائض.
- هدر المياه في المطاعم والفنادق بسبب سوء الإدارة.
- إعادة تعبئة أحواض السباحة دون ترشيد أو تغطية. تلويث مصادر المياه بالنفايات والمواد الكيميائية.
- حفر الآبار العشوائية وزراعة محاصيل شرهة للماء في مناطق جافة.
هذه الممارسات ليست أخطاءً عابرة، بل سلوكيات تحتاج إلى مراجعة جذرية. وكل قطرة مهدرة قد تكون سببًا في حرمان إنسانٍ آخر من حقه في الحياة.
عادات عملية لترشيد الماء:
- إغلاق الصنبور عند عدم الحاجة مثلاً أثناء غسل الأطباق، تنظيف الأسنان، الحلاقة.
- تشغيل الغسالات وهي ممتلئة فقط واختيار برامج اقتصادية أقل استهلاكاً للماء.
- استخدام الأوعية بدل الماء الجاري سواء في غسل الخضروات والأرضيات والسيارات ونحو ذلك.
- إعادة استخدام المياه النظيفة للري.
- تقليل زمن الاستحمام وتركيب أدوات اقتصادية.
- إصلاح التسربات فورًا. اعتماد أنظمة منزلية موفرة.
- استخدام الري بالتنقيط والسقي في الأوقات المناسبة.
- جمع مياه الأمطار للاستفادة منها.
- جعل الترشيد ثقافة أسرية دائمة.
أثر الإسراف على البيئة
- الإسراف في الماء يهدد البيئة ويقيد مستقبل الأجيال القادمة.
- الاستهلاك الجائر للمياه الجوفية والسطحية يسبب نضوب الآبار، هبوط التربة، وجفاف الأنهار والبحيرات.
- الإسراف يؤدي إلى تدمير النظم البيئية المائية وفقدان التنوع البيولوجي.
- زيادة الملوثات وانتشار الأمراض بسبب نقص المياه النظيفة.
- هدر الماء يعني هدر الطاقة وزيادة الانبعاثات الكربونية وتفاقم التغير المناخي.
- ندرة المياه تجبر الدول على بناء سدود باهظة الثمن وتؤدي إلى نزوح السكان وصراعات سياسية.
- التصحر وانخفاض الإنتاج الزراعي يهددان الأمن الغذائي العالمي.
- الإسراف يضعف النمو الاقتصادي، ويهدد الصحة العامة والاستقرار الاجتماعي والثقافي.
- معالجة آثار الإسراف المالية باهظة وتستنزف الموارد الوطنية.
دور الأسرة والمجتمع
الأسرة هي اللبنة الأولى في ترسيخ ثقافة الترشيد، عبر القدوة الحسنة وتعليم الأبناء قيمة الماء. ويكمل المجتمع هذا الدور من خلال المدارس والمساجد والإعلام، بنشر الوعي ودعم المبادرات البيئية في إدارة المياه، وتشجيع التعاون بين الجيران والشركات والحكومات المحلية.
كذلك المرأة والشباب، وكبار السن لهم أدوار محددة وفعّالة في نقل الخبرة وتعزيز الترشيد إلى جانب التكافل الاجتماعي والرقابة الشعبية الذاتية، وهكذا يجعلون الترشيد جزءًا من القيم المجتمعية، بحيث يبدأ التغيير من كل منزل وكل حي، ويصبح التضامن المائي رمزًا لمجتمع راقٍ يحفظ نعمه ويصون مستقبله.
خاتمة
الماء آيةٌ من آيات الله، وأمانةٌ في أعناقنا، واختبارٌ لشكرنا.
لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد، فالقطرات تُهدر كل لحظة.
ابدأ الآن بخطوةٍ بسيطة؛ فكل قطرةٍ تحفظها شهادة لك أنك كنت حافظًا لنعمة ربك.
القطرة تجتمع نهرًا، والجهد الفردي يتحول إلى وعيٍ جماعيٍّ يصنع التغيير.
فلنكن من الشاكرين المحافظين على نعم الله، ولنجعل ترشيد الماء سلوكًا دائمًا لنا ولأجيالنا القادمة.

تعليقات