الوعي الديني ومسؤوليتنا (الجزء الأول) | الشيخ محمّد قاسم العطّاري حفظه الله تعالى المفتي العام بمركز الدعوة الإسلاميّة ورئيس قسم دار إفتاء أهل السنة


نشرت: يوم السبت،25-يوليو-2026

الوعي الديني ومسؤوليتنا (الجزء الأول)

هذا المقال من مجلة نفحات المدينة: 22

ما هي الحساسية الدينية؟

الحساسية الدينية هي تطبيق الشريعة الإسلامية على النفس، والاهتمامُ بحال الآخرين، وتعليمُ المجتمع كلّه العقائد الصحيحة، والالتزامُ بالدين، والشعورُ بالغيْرة القلبية عند وقوع المخالفة في العقائد والأعمال الإسلاميّة، مع السعي العملي لمعالجة تلك المخالفات، أمّا تقصير المرء في الالتزام بالشريعة، وتركه الآخرين غارقين في الشر مع قدرته على منعهم، فهذه لا مبالاة سيئة، وترك للمسؤوليّة الدينيّة، وهو فعلٌ مذموم.

ومِن أبرز أسباب هلاك الأمم السابقة التي ذكرها القرآن الكريم أنّهم كانوا لا ينهون الآخرين عن المنكرات، كما قال الله سبحانه وتعالى:

كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [المائدة: 79]

بل إنّ نهيَ الآخرين عن المنكر ليس مجرّد إصلاحٍ للغير، بل هو في جوهره صيانةٌ للنفس وحراسةٌ لها من الزلل؛ فالناهي يرسّخ في قلبه رفض المعصية، فيبقى – في الغالب – أبعدَ عنها وأشدَّ تحفّظًا منها، أمّا مَن آثر الصمت أمام ما ينتشر في المجتمع مِن منكرات، فإنّه يعرّض نفسه شيئًا فشيئًا للألفة معها، وربما لا يأمن نفسه فيقع فيها يومًا ما، وقد كشف النبيّ الكريم صلّى الله عليه وسلّم هذه الحال فقال:

"لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي فنهتهم علماؤهم، فلم ينتهوا فجالسوهم في مجالسهم، وواكلوهم، وشاربوهم، فضرب الله قلوب بعضهم على بعض، ولعنهم:

لُعِنَ الَّذِیْنَ كَفَرُوْا مِنْ بَنِیْ اِسْرَآءِیْلَ عَلٰى لِسَانِ دَاودَ وَ عِیْسَى ابْنِ مَرْیَمَ ذٰلِكَ بِمَا عَصَوْا وَّ كَانُوْا یَعْتَدُوْنَ (سنن الترمذي: 5/35، (3058))


ومع ذلك، فقد يسّر الله تعالى هذا التكليف رحمةً بعباده، فلم يجعل إزالة المنكر مقصورةً على القوّة في كلّ حال، بل رتّبها على مراتب تراعي القدرة والاستطاعة: فمن استطاع تغييره بيده فليفعل، فإن لم يستطع فبلسانه، فإنْ عجز فبقلبه، فينكره ويستشعر قبحه، ويعدّه شرًّا لا يرضاه لنفسه ولا لغيره،

ولا يجوز بحالٍ أن يقع المرء في براثن العلمانية (Secularism)، فيقول: يكفيني إصلاح نفسي، ودعوا الآخرين وشأنهم! فهذه نزعةٌ تعزل الدين عن واقع الحياة، وليستْ مِن الإسلام في شيء، بل هي مسلكٌ مباين لروحه ومقصده، وقد وجَّه النبيّ الأكرم ﷺ توجيهًا صريحًا في هذا الباب، فقال:

"من رأى منكم منكرًا فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" (صحيح مسلم: صـ 49، (49))

فليس من حكم الشرع أن يكتفي المرء بالعمل لنفسه، ثمّ يلوذ بالصمت تجاه ما يقع فيه غيره، أو يجعل الإنكار القلبي غاية ما يُطلب في كلّ حال؛ كلّا، بل إنّ أول مراتب التغيير هي التغيير باليد، أي بالقوة المنظَّمة المنوطة بوليّ الأمر والجهات المختصة، ثم يأتي التغيير باللسان، وهو واجب العلماء ومَن يقوم مقامهم في البيان والنصح والتوجيه، ثمّ أدنى المراتب وهو الإنكار بالقلب، وذلك حال من عجز عن غيره.

غير أنّ المؤسف أنّ بعض مَن يقدّمون التصورات العلمانية على الإسلام يسعون إلى ترسيخ الاكتفاء بأضعف مراتب الإيمان، وإخراج الجهود العملية والبيانية مِن دائرة الحساسية الدينية، حتى باتت الدعوة العملية أو اللسانية إلى مقاومة المنكر في المدارس والجامعات والمؤسسات تُوصَف بـ«التطرف».

وهذا في حقيقته مسعى لإخماد الغيرة الدينية، وتهيئة المجال لمن أراد العبث بقيم الإسلام وأحكامه دون رادع.

الحبّ والصداقة مع غير المسلمين:

إنّ تأييد مشاركة غير المسلمين في أعيادهم الدينية، والقول بأنّ الله تعالى لم ينهَ عن مودّة غير المسلمين مطلقًا، قولٌ باطلٌ وافتراءٌ عظيم على الله سبحانه وتعالى، نعوذ بالله من ذلك.

وهذا خلطٌ بيّن؛ فإنّ نصوص القرآن الكريم جاءت واضحةً في النهي عن موالاة الكافرين على وجهٍ يقتضي النصرة والرضا بدينهم أو تأييد شعائرهم، قال الله تعالى:

تَرَىٰ كَثِيرٗا مِّنۡهُمۡ يَتَوَلَّوۡنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ لَبِئۡسَ مَا قَدَّمَتۡ لَهُمۡ أَنفُسُهُمۡ أَن سَخِطَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ وَفِي ٱلۡعَذَابِ هُمۡ خَٰلِدُونَ ٨٠ وَلَوۡ كَانُواْ يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلنَّبِيِّ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مَا ٱتَّخَذُوهُمۡ أَوۡلِيَآءَ وَلَٰكِنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ [المائدة: 80-81]

بل إنَّه قد حُرِّمَت محبَّةُ الكافرين حتى وإنْ كانوا مِن الأقربين؛ كالأب، أو الابن، أو الأخ، أو أفراد الأسرة، حيث قال الله تعالى:

لَا تَجِدُ قَوۡمٗا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ يُوَآدُّونَ مَنۡ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَوۡ كَانُوٓاْ ءَابَآءَهُمۡ أَوۡ أَبۡنَآءَهُمۡ أَوۡ إِخۡوَٰنَهُمۡ أَوۡ عَشِيرَتَهُمۡۚ  [المجادلة: 22]

رغم وضوح هذه الآيات وصراحتها، أليس إنكارُ أنَّ الإسلام قد نهى عن مودّة غير المسلمين وموالاتهم ضربًا من الجرأة على النصوص؟ أليس في ذلك إعراضٌ بيّن عنها؟ أليس هو أمارة ميلٍ إلى موالاتهم، أو دلالة على نفورٍ من بعض أحكام هذا الدين؟ إنّ التساهل في هذه القضية ليس أمرًا هيّنًا، بل هو مساسٌ بأصلٍ من أصول الولاء والبراء التي قرّرها القرآن الكريم. وهنا سؤال: هل المنع خاصٌّ بالكافرين المحاربين فحسب؟

يزعم كثير من أصحاب التوجّه العلماني أنّ الآيات الناهية عن موالاة الكفّار إنما تتعلّق بالمحاربين وحدهم، غير أنّ التدبّر في نصوص القرآن يدلّ على أنّ العلّة الأساس في النهي عن مودّتهم وموالاتهم هي كفرهم ومخالفتهم لله تعالى ولرسوله صلّى الله عليه وسلّم، وما ينشأ عن ذلك من معاداةٍ لدين الله، قال تعالى:

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُوٓاْ ءَابَآءَكُمۡ وَإِخۡوَٰنَكُمۡ أَوۡلِيَآءَ إِنِ ٱسۡتَحَبُّواْ ٱلۡكُفۡرَ عَلَى ٱلۡإِيمَٰنِۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ  [التوبة: 23]

ما أصرحَ البيان في توضيح سبب تحريم المحبّة والصداقة القلبية مع الكافرين؛ إذ بيَّن أنّ تفضيل الكفر على الإيمان هو العلّة الموجبة للمنع من تلك الموالاة، فهل يسوغ بعد هذا البيان أن يُقال: إنما تُحظر الصداقة مع من كان في حال قتالٍ فحسب، وأنّ غيرهم لا يدخل في النهي؟

أمّا الذين لا يقاتلون المسلمين، فقد أذن الله تعالى في حسن المعاملة الدنيوية معهم فقط، دون المودّة القلبية أو الصداقة التي تقتضي الولاء فهي حرام معهم أيضًا كما قال الله تعالى:

لَا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُقَٰتِلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَلَمۡ يُخۡرِجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ أَن تَبَرُّوهُمۡ وَتُقۡسِطُوٓاْ إِلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ  [الممتحنة: 8]

وهذا الترخيص لا يتضمّن الإذن بمودّة الكافرين، وإنما أُبيح فيه برُّ مَن لم يُحاربوا المسلمين، ممّن بينهم وبين المسلمين عهدُ أمان، أو كانوا مِن أهل الذمّة، وذلك في حدود «البرّ» أي الإحسان إليهم لمصلحةٍ مشروعة، و«الإقساط» أي العدل معهم وعدم ظلمهم.

وهذا المفهوم مستقيم، سواء سُمّيت العلاقةُ معاملةً أو صداقةً ظاهرةً في إطار التعامل الاجتماعي، أمّا المودّة القلبية والصداقة التي تفضي إلى المشاركة في أعيادهم ومناسباتهم الدينية، فليست داخلةً في هذا الإذن، فلم يُنقل أنّ النبيَّ الكريم صلّى الله عليه وسلّم شارك في حياته المكيّة أو المدنيّة في عيدٍ من أعياد الكفّار، ولا عُرف عن الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم أنّهم شاركوا في شيءٍ من ذلك.

تعليقات



رمز الحماية