مدونات مختارة مميزة
المدونات الأكثر قراءة
عناية الإسلام بحماية النفس الإنسانية | محمد إلياس السكندري
هذا المقال من مجلة نفحات المدينة: 22
حظيتِ النفسُ الإنسانيةُ في الإسلام بعنايةٍ عظيمة؛ إذ جاءت الشريعةُ بحفظها وصيانتها، وجعلت ذلك من أعظم مقاصدها الكلية. وقد دلَّ على هذه المنزلة قولُ الله تعالى:
وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِيٓ ءَادَمَ [الإسراء: 70]
فكان هذا التكريمُ الإلهي أساسًا لما تقرَّر للإنسان من حقوقٍ مصونة، وفي مقدمتها حقُّ الحياة.
ولم يقتصر الأمر على بيان الكرامة، بل شدَّد القرآن الكريم على حرمة الاعتداء على النفس، فقال سبحانه:
مَن قَتَلَ نَفۡسَۢا بِغَيۡرِ نَفۡسٍ أَوۡ فَسَادٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعٗا [المائدة: 32]
كما نهى عن إزهاق الأرواح بغير حق بقوله:
وَلَا تَقۡتُلُواْ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۚ [الأنعام: 151]
وجاءت السنة النبوية مؤكِّدةً هذا المعنى؛ فقال النبي ﷺ:
لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ (سنن الترمذي: 1395)
وقال أيضاً ﷺ في خطبة الوداع:
إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا» فأعادها مرارًا (صحيح البخاري: 1652)
ومن هنا كان حفظُ النفس إحدى الضرورات الخمس التي اتفقت الشرائع على رعايتها، وقد بيَّن الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي رحمه الله تعالى هذا المعنى بقوله:
فَقَدَ اتَّفَقَتِ الْأُمَّةُ -بَلْ سَائِرُ الْمِلَلِ- عَلَى أَنَّ الشَّرِيعَةَ وُضِعَتْ لِلْمُحَافَظَةِ عَلَى الضَّرُورِيَّاتِ الْخَمْسِ -وَهِيَ: الدِّينُ، وَالنَّفْسُ، وَالنَّسْلُ، وَالْمَالُ، وَالْعَقْلُ- وَعِلْمُهَا عِنْدَ الْأُمَّةِ كَالضَّرُورِيِّ (الموافقات للشاطبي: 1/31)
وانطلاقًا من هذا الأصل العظيم شرع الإسلام من الأحكام والتدابير ما يكفل حماية الإنسان من كل ما يهدد حياته؛ فجمع في ذلك بين التحريم الرادع لكل اعتداء، والوقاية المانعة من أسبابه، ليبقى الإنسان مصونَ الدم، محفوظَ الكرامة.
وتتأكد الحاجة إلى إبراز هذه العناية في زمنٍ تتكاثر فيه صور العنف، وتضعف فيه هيبةُ النفس البشرية؛ الأمر الذي يستدعي بيان المنهج الإسلامي في صيانة الحياة، وإظهار ما يتميَّز به من شمولٍ وتوازنٍ دقيق، يجمع بين حفظ الفرد وترسيخ استقرار المجتمع.
مكانة النفس الإنسانية في الإسلام
انطلاقا من التكريم الإلهي للإنسان، وما تقرر في الشريعة من حرمة دمه وصيانة حياته، احتلت النفس الإنسانية منزلة رفيعة في التصور الإسلامي، إذ لم ينظر إليها بوصفها مجرد وجود مادي، بل باعتبارها مخلوقا مكرما جعله الله محل الاستخلاف في الأرض.
وقد أكد القرآن الكريم هذه المكانة بقوله تعالى:
وَلَا تَقۡتُلُواْ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ [الأنعام: 151]
فجاء التعبير بـ التي حرم الله دالا على أن الأصل في الدماء العصمة والمنع، فلا يستباح منها شيء إلا بمسوغ شرعي معتبر، كما قال سبحانه:
مِنۡ أَجۡلِ ذَٰلِكَ كَتَبۡنَا عَلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ أَنَّهُۥ مَن قَتَلَ نَفۡسَۢا بِغَيۡرِ نَفۡسٍ أَوۡ فَسَادٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعٗا وَمَنۡ أَحۡيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَحۡيَا ٱلنَّاسَ جَمِيعٗاۚ [المائدة: 32]
وهذا توضيح صريح لشدة الجريمة وخطرها على استقرار المجتمع وجاءت السنة النبوية مبينة خطورة الاعتداء على النفس؛ فقال النبي ﷺ: " أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ يوم القيامة، في الدماء " (صحيح مسلم: 1678)
وفي ذلك إشارة إلى عِظم هذا الحق وتقدمه على غيره. كما قرر ﷺ مبدأ شمول الحرمة في قوله: " كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ " (صحيح مسلم: 2564)
ثم أرسى قاعدة المساواة الإنسانية التي تغلق أبواب التمييز المؤدي إلى الظلم والاعتداء، فقال ﷺ:" يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا أَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى (مسند الإمام أحمد: 23489)
وتكشف هذه النصوص مجتمعة أن حفظ النفس ليس حكما جزئيا، بل أصل كلي قامت عليه تشريعات متعددة، مما مهد لظهور منظومة متكاملة من الأحكام التي تهدف إلى حماية الحياة الإنسانية وترسيخ الأمن؛ في المجتمع الإسلامي.
مظاهر عناية الإسلام بحماية النفس الإنسانية
إذا كانت النصوص الشرعية قد قررت المنزلة العظيمة للنفس الإنسانية، فإن التشريع الإسلامي لم يقف عند حد التأصيل النظري، بل تجلت هذه العناية في جملة من الأحكام العملية التي تهدف إلى صيانة الحياة ومنع الاعتداء عليها.
ومن أبرز هذه المظاهر تحريم القتل بجميع صوره، والتشديد في الوعيد عليه؛ قال تعالى:
وَمَن يَقۡتُلۡ مُؤۡمِنٗا مُّتَعَمِّدٗا فَجَزَآؤُهُۥ جَهَنَّمُ خَٰلِدٗا فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ وَلَعَنَهُۥ وَأَعَدَّ لَهُۥ عَذَابًا عَظِيمٗا [النساء:93]
وهو وعيد يبرز تأثير هذا الفعل السلبي على حياة الفرد وأمن المجتمع واستقراره كما شرع الإسلام القصاص حماية للأنفس وردعا للمعتدين، قال سبحانه:
وَلَكُمۡ فِي ٱلۡقِصَاصِ حَيَوٰةٞ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ [البقرة:179]
إذ يسهم تطبيقه في الحد من الجريمة، وبث الطمأنينة، وصيانة أمن المجتمع. ولم تقتصر الحماية على منع اعتداء الآخرين، بل شملت حماية الإنسان من نفسه؛ فحرم الإسلام الانتحار، قال تعالى:
وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمۡ رَحِيمٗا [النساء:29]
وقال النبي ﷺ: وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ فِي الدُّنْيَا عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (صحيح البخاري: 5700)
وفي صحيح مسلم: مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ شَرِبَ سَمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا (صحيح مسلم: 109)
وفي ذلك تأكيد أن حياة الإنسان ليست ملكًا مطلقًا له، بل هي أمانة يجب حفظها ورعايتها، إذ يُحاسب على كل ما يضر بها أو يهدرها.
ومن مظاهر هذه العناية كذلك اعتماد مبدأ الوقاية قبل وقوع الخطر؛ فحرم الإسلام كل ما يضر بالعقل والبدن، كالمسكرات والمخدرات، قال تعالى:
وَلَا تُلۡقُواْ بِأَيۡدِيكُمۡ إِلَى ٱلتَّهۡلُكَةِ [البقرة: 195]
وفي المقابل، أباح المحظورات عند الضرورة حفظًا للحياة، قال سبحانه:
فَمَنِ ٱضۡطُرَّ غَيۡرَ بَاغٖ وَلَا عَادٖ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِۚ [البقرة: 173]
وهذا يوضح أن الإسلام لا يضع القوانين على نحو جامد، بل يوازن بين التحريم والحاجة، ويحرص على بقاء الإنسان على قيد الحياة حتى في الظروف الاستثنائية
وتبرز من خلال هذه الأحكام شمولية المنهج الإسلامي في حماية النفس؛ إذ جمع بين الردع والتشريع الوقائي، تمهيدا لبناء مجتمع تسوده الطمأنينة، ولعل هذا يقود إلى بيان الوسائل التي اعتمدها الإسلام لترسيخ هذه الحماية على مستوى الواقع.
وسائل الإسلام في صيانة النفس الإنسانية
لم تقتصر عناية الإسلام على حماية النفس بسن العقوبات أو تقرير المحرمات، بل أقام منظومة متكاملة من الوسائل التي تضمن حفظ الحياة وترسخ مقومات الأمن والاستقرار في المجتمع.
ومن أهم هذه الوسائل إقامة العدل ومنع الظلم؛ إذ بالعدل تصان الحقوق وتُحقن الدماء، قال تعالى:
إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ [النحل: 90]
فالظلم من أعظم أسباب الفوضى وإزهاق الأرواح، بينما يحقق العدل الطمأنينة ويمنع دوافع العدوان.
كما شرع الإسلام مبدأ التكافل الاجتماعي؛ حماية للإنسان من الهلاك بسبب الفقر أو الحاجة، فجعل الزكاة حقا معلوما، وحث على الصدقات والإحسان، قال سبحانه:
وَمَنۡ أَحۡيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَحۡيَا ٱلنَّاسَ جَمِيعٗا [المائدة: 32]
وهو يشمل كل سعي في إنقاذ النفس وحفظها، ماديا كان أو معنويا.
ومن الوسائل كذلك العناية بصحة الإنسان؛ فقد أرشدت الشريعة إلى ما يحفظ البدن، ونهت عن كل ما يوقعه في الضرر، وأرست قاعدة جامعة في قول النبي ﷺ: لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ (سنن أبي داود: 2341)
فحماية النفس لا تتحقق بعد وقوع الخطر فحسب، بل تقوم على منعه ابتداء.
كذلك عمل الإسلام على تنظيم العلاقات الإنسانية، ونبذ أسباب النزاع والعنف، والدعوة إلى الإصلاح عند وقوع الخصومات؛ قال تعالى:
وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱقۡتَتَلُواْ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَهُمَاۖ [الحجرات: 9]
لما في الصلح من حقن للدماء وإغلاق لباب الفتن.
وتدل هذه الوسائل مجتمعة على أن حفظ النفس في الإسلام مسؤولية مشتركة، تتكامل فيها التشريعات مع القيم الأخلاقية؛ بما يهيئ مجتمعا آمنا تصان فيه الحياة، وبعد بيان هذه الأسس، يبرز جانب آخر من عناية الإسلام، يتمثل في حماية النفس حتى في أوقات الصراع.
حماية النفس الإنسانية في أوقات الحرب
تتجلى عظمة التشريع الإسلامي في عنايته بحماية النفس حتى في أشد الظروف، وهي أوقات الحروب؛ إذ لم يبح القتال إلا لدفع العدوان، مع الالتزام بجملة من الضوابط الأخلاقية التي تحد من إزهاق الأرواح. قال تعالى:
وَقَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ وَلَا تَعۡتَدُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِينَ [البقرة:90]
وقد نهى النبي ﷺ عن قتل غير المقاتلين؛ فعن كعب بن مالك رضي الله عنه قَالَ: «عَهِدَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ لَا نَقْتُلَ صَبِيًّا وَلَا امْرَأَةً (المعجم الكبير للطبراني: 197)
كما نهى عن الغدر والتمثيل، وأمر بالإحسان حتى في ميدان القتال ففي رواية: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ، أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللهِ، وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا، ثُمَّ قَالَ: اغْزُوا بِاسْمِ اللهِ، فِي سَبِيلِ اللهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللهِ، اغْزُوا وَلَا تَغُلُّوا، وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تَمْثُلُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا... إلخ (صحيح مسلم: 1731)
وهذا يدل على أن الأصل هو صيانة الحياة، وأن القتال ضرورة تقدر بقدرها، لا وسيلة للفوضى وسفك الدماء.
آثار حفظ النفس على الفرد والمجتمع
إن الالتزام بحماية النفس يثمر مجتمعا يسوده الأمن والاطمئنان، ويشعر أفراده بقيمة حياتهم وكرامتهم، مما يعزز روح التراحم والتعاون بينهم، كما أن صيانة الأرواح تمكن الإنسان من أداء رسالته في عمارة الأرض وتحقيق مقاصد الاستخلاف.
ومن ثم، فإن حفظ النفس ليس مصلحة فردية فحسب، بل هو ركيزة لاستقرار المجتمعات وتقدمها، ودليل على سمو التشريع الإسلامي وشموله.
ختامًا!
يتبين لنا مما سبق أن عناية الإسلام بحماية النفس الإنسانية عناية شاملة، قامت على تكريم الإنسان، وتأكيد حرمة دمه، وسن التشريعات التي تمنع الاعتداء عليه، مع إرساء وسائل عملية تحفظ حياته في السلم والحرب.
وبذلك قرر الإسلام مبدأ صيانة الحياة البشرية قبل أن تعرفه كثير من الأنظمة المعاصرة، مقدما نموذجا متوازنا يجمع بين العدل والرحمة.
وإن استحضار هذه المبادئ، والعمل بها، كفيل بإشاعة الأمن، وترسيخ الاستقرار، وبناء مجتمع تُحترم فيه كرامة الإنسان وتصان نفسه، وهو ما يؤكد صلاحية هذا المنهج لكل زمان ومكان.

تعليقات