الليلة المباركة (ليلة النصف من شعبان)


نشرت: يوم الخميس،11-مايو-2017


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين،أما بعد:

فأعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم

لا شك فيه أن ليلة النصف من شعبان ليلة مباركة، فقد ورد في فضلها أحاديث كثيرة، رواها ما لا يقل عن ثلاثة عشر صحابياً، نعم فيها: ما هو صحيح، وما هو حسن، وما هو ضعيف، وما هو موضوع... لكن مجموع الروايات تثبت قطعاً فضل هذه الليلة المباركة.

ومن الأحاديث التي وردت في فضلها ما أخرجه الطبراني، وابن حبان وصححه، عن سيدنا معاذ بن جبل رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

((يطّلع الله إلى جميع خلقه ليلة النصف من شعبان، فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن)).

والمشاحن: منافق شرير يبعث الشقاق، ويوقد نار العداوة بين المتحابين.

ليلة الإجابة:

إن من أسماء ليلة النصف من شعبان التي سماها بها العلماء: ((ليلة الإجابة)) وذلك لما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال:

"خمس ليال لا تُرد فيهن الدعوة: أول ليلة من رجب،

وليلة النصف من شعبان، وليلة الجمعة، وليلة الفطر، وليلة النحر"

أخرجه عبد الرزاق في مصنفه عن ابن عمر موقوفاً.

وقال الإمام الشافعي رضي الله عنه:

"بلغنا أنه كان يقال: إن الدعاء يُستجاب في خمس ليال: في ليلة الجمعة، وليلة الأضحى، وليلة الفطر،

وأول ليلة من رجب، وليلة النصف من شعبان...

وأنا أستحب كل ما حكيت في هذه الليالي من غير أن يكون فرضاً" "الأم" (1/ 264). والله أعلم.

إن على المسلم: أن يلتجأ إلى الله سبحانه تعالى في جميع الأوقات والأحوال، بالعبادات والنوافل والطاعات، فكيف به إذا ما عرف أزماناً يستجاب فيها الدعاء..؟؟ حريٌ به أن يسارع إلى اغتنام هذه المواسم الطيبة...

صفة إحيائها:

اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في صفة إحياء ليلة النصف من شعبان، وذلك على قولين:

أحدهما: أنه يستحب إحياؤها جماعةً في المساجد.

كان خالد بن معدان، ولقمان بن عامر وغيرهما، يلبسون فيها أحسن ثيابهم ويتبخرون ويكتحلون، ويقومون في المسجد ليلتهم تلك،

ووافقهم إسحاق بن راهويه على ذلك، وقال في قيامها في المساجد جماعة: ((ليس ذلك ببدعة))، نقله حرب الكرماني في (مسائله).

وجاء في كتاب البحر الرائق شرح كنز الدقائق قال: (ومن المندوبات إحياء ... ليلة النصف من شعبان، كما وردت به الأحاديث وذكرها في الترغيب والترهيب مفصلة، والمراد بإحياء الليل قيامه وظاهره الاستيعاب ويجوز أن يراد غالبه...).

والقول الثاني:

أنه يكره الاجتماع فيها في المساجد للصلاة والقصص والدعاء،

ولا يكره أن يصلي الرجل فيها لخاصة نفسه، وهذا قول الإمام الأوزاعي رحمه الله تعالى.

ليلة مع الحبيب:

روى ابن الجوزي في كتابه التبصرة عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ((كانت ليلة النصف من شعبان ليلتي فبات رسول الله صلى الله عليه وسلم عندي فلما كان في جوف الليل فقدته، فأخذني ما يأخذ النساء من الغيرة فتلفعت بمرطى، أما والله ما كان مرطي خزاً، ولا قزاً، ولا حريراً، ولا ديباجاً، ولا قطناً، ولا كتاناً...

قيل: فمم كان؟ قالت: كان سداه شعراً، ولحمته من أوبار الإبل.

قالت: فطلبته في حجر نسائه فلم أجده، فانصرفت إلى حجرتي، فإذا به كالثوبِ الساقط على وجه الأرض ساجداً وهو يقول في سجوده:

"سجد لك سوادي وخيالي، وآمن بك فؤادي، هذه يداي وما جنيت بهما على نفسي، يا عظيماً يرتجى لكل عظيم، اغفر الذنب العظيم، أقول كما قال داود عليه السلام: أعفر وجهي بالتراب لسيدي، وحق له أن يسجد وجهي للذي خلقه وشق سمعه وبصره" ثم رفع رأسه صلى الله عليه وسلم فقال:

"اللهم ارزقني قلبا نقيا من الشرك لا كافرا ولا شقيا"

ثم سجد وقال:

أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بعفوك من معاقبتك،

لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك.

قالت: ثم انصرف، ودخل معي في الخميلة، ولي نفس عال، فقال: ما هذا النفس يا حميراء؟ قالت: فأخبرته... فطفق يمسح بيده على ركبتي، ويقول:

ويح هاتين الركبتين ماذا لقيتا في هذه الليلة ليلة النصف من شعبان،

إن الله تعالى ينزل إلى سماء الدنيا فيغفر لعباده إلا لمشرك أو مشاحن)).

ونحمد الله تعالى أننا في مركز الدعوة الإسلامية نولي هذه الليلة اهتماماً بالغاً، ندعو الناس إلى الاقبال على الطاعات، وفعل الخيرات، والاكثار من الدعاء والالتجاء إلى الله تعالى، حتى يكون لنا نصيب من نفحات هذه الليلة المباركة، ونكتب عند الله تعالى من المقبولين، إن شاء الله عز وجل.

نسأل الله تعالى أن يبارك لنا في هذه الليلة، وفيما بقي من شهر شعبان،

ويبلغنا رمضان، ويعتق رقابنا من النيران، إنه سميع قريب، مجيب دعوة الحيران،

وصلى الله تعالى على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم،

والحمد لله رب العالمين...

تعليقات



رمز الحماية