هل يوجد فضائل لشهر رجب


نشرت: يوم الثلاثاء،19-يناير-2021


بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين:

عندما يقترب شهر رجب يفرح الناس كثيرا بهذا الشهر المبارك، لأنه يبشّر باقتراب شهرٍ حبيبٍ على القلوب، ألا وهو شهر رمضان المبارك، الشهر العظيم؛ فلذلك هو شهر مفضل مكرم ومن الأشهر الحُرُم المعظّمة.

ولا بد بداية أن نعرف ما هو معنى كلمة رجب، هذه الكلمة (رجب) من الرُّجوب أي التّعظيم، وقد عظّمه الله سبحانه وتعالى فقال عز من قائل:

إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثۡنَا عَشَرَ شَهۡرٗا فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ يَوۡمَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ مِنۡهَآ أَرۡبَعَةٌ حُرُمٞۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُۚ فَلَا تَظۡلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمۡۚ. (التوبة ٣٦)

وهذا تعظيمٌ عامٌ لجميع الأشهر، ثم تخصيص بالتعظيم للأشهر الحرم الأربعة منها.

وقد ثبت في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال:

السَّنَةُ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلاثٌ مُتَوالِياتٌ: ذُو القَعْدَةِ، وذُو الحِجَّةِ، والمُحَرَّمُ، ورَجَبُ مُضَرَ الذي بيْنَ جُمادى وشَعْبانَ. (أخرجه البخاري (٥٥٥٠ )، ومسلم (١٦٧٩))

وحدّدَ النبيُّ ﷺ رجب بالذات لأنّ رجبَ مضر ، أي كانت قبيلة مضر تعظّم هذا الشهر ثم حدّده بأنّه بين جمادى وشعبان كيْ لا يتلاعب الناس في هذا الشهر فيقدمون ويؤخّرون كما هي عادتهم في الجاهلية، وهذا أيضا يدل على اهمية هذا الشهر المبارك عند رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: فَلَا تَظۡلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمۡۚ: «فِي كُلِّهِنَّ. ثُمَّ خَصَّ مِنْ ذَلِكَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ فَجَعَلَهُنَّ حُرُمًا وَعَظَّمَ حُرُمَاتِهِنَّ وَجَعَلَ الذَّنْبَ فِيهِنَّ أَعْظَمَ وَالْعَمَلَ الصَّالِحَ وَالْأَجْرَ أَعْظَمَ». (تفسير الطبري ص ٤٤٤ ج ١١)

وعَنْ قَتَادَةَ قال: فَإِنَّ الظُّلْمَ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ أَعْظَمُ خَطِيئَةً وَوِزْرًا مِنَ الظُّلْمِ فِيمَا سِوَاهَا، وَإِنْ كَانَ الظُّلْمُ عَلَى كُلِّ حَالٍ عَظِيمًا، وَلَكِنَّ اللَّهَ يُعَظِّمُ مِنْ أَمَرِهِ مَا شَاءَ وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى صَفَايَا مِنْ خَلْقِهِ اصْطَفَى مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ رُسُلًا، وَاصْطَفَى مِنَ الْكَلَامِ ذِكْرَهُ، وَاصْطَفَى مِنَ الْأَرْضِ الْمَسَاجِدَ، وَاصْطَفَى مِنَ الشُّهُورِ رَمَضَانَ وَالْأَشْهُرَ الْحُرُمَ، وَاصْطَفَى مِنَ الْأَيَّامِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَاصْطَفَى مِنَ اللَّيَالِي لَيْلَةَ الْقَدْرِ، فَعَظِّمُوا مَا عَظَّمَ اللَّهُ، فَإِنَّمَا تُعَظَّمُ الْأُمُورُ بِمَا عَظَّمَهَا اللَّهُ عِنْدَ أَهْلِ الْفَهْمِ وَأَهْلِ الْعَقْلِ.(تفسير الطبري ص ٤٤٤ ج ١١)

فإذا كان تعظيمُ الشهرِ الحرامِ أمرًا متوارَثًا لدى أهلِ الجاهليّةِ قبلَ الإسلام؛ يكفُّون فيه عن سفكِ الدَّمِ الحرامِ، وعن الأخذِ بالثّأرِ والانتقامِ؛ أفليس من ينتسبُ إلى الإسلامِ أجدرَ وأحرى بهذا الالتزامِ؟.

كذلك بالمقابل لابد ألا ننسى أن الحسنات تضاعف في شهر رجب، لأنها أشهر فضيلة مكرّمة معظّمة عند الله عز وجل كما سبق في قول ابن عباس رضي الله تعالى عنه: "وَجَعَلَ الذَّنْبَ فِيهِنَّ أَعْظَمَ وَالْعَمَلَ الصَّالِحَ وَالْأَجْرَ أَعْظَمَ" أي الذنب أشدّ جرْماً في الأشهر الحرم.

سؤال وجواب هام عن ظلم النفس في شهر رجب:

لو قَالَ قَائِلٌ: إذا كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْتَ، فَقَدْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُبَاحًا لَنَا ظُلْمُ أَنْفُسِنَا فِي غَيْرِهِنَّ مِنْ سَائِرِ شُهُورِ السَّنَةِ؟ قِيلَ: لَيْسَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، بَلْ ذَلِكَ حَرَامٌ عَلَيْنَا فِي كُلِّ وَقْتٍ وَزَمَانٍ،

وَلَكِنَّ اللَّهَ عَظَّمَ حُرْمَةَ هَؤُلَاءِ الْأَشْهُرِ وَشَرَفَهُنَّ عَلَى سَائِرِ شُهُورِ السَّنَةِ، فَخَصَّ الذَّنْبَ فِيهِنَّ بِالتَّعْظِيمِ كَمَا خَصَّهُنَّ بِالتَّشْرِيفِ، وَذَلِكَ نَظِيرُ قَوْلِهِ:

حَٰفِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَٰتِ وَٱلصَّلَوٰةِ ٱلۡوُسۡطَىٰ.(البقرة: ٢٣٨)

وَلَا شَكَّ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَمَرَنَا بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَاتِ كُلِّهَا بِقَوْلِهِ:

حَٰفِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَٰتِ وَٱلصَّلَوٰةِ ٱلۡوُسۡطَىٰ.(البقرة: ٢٣٨)

وَلَمْ يُبِحْ تَرْكَ الْمُحَافَظَةَ عَلَيْهِنَّ بِأَمْرِهِ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى الصَّلَاةِ الْوُسْطَى، وَلَكِنَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ زَادَهَا تَعْظِيمًا وَعَلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا تَوْكِيدًا وَفِي تَضْيِيعِهَا تَشْدِيدًا، فَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ:

أَرۡبَعَةٌ حُرُمٞۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُۚ فَلَا تَظۡلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمۡۚ.(التوبة ٣٦). (تفسير الطبري ص ٤٤٨ ج ١١)

ماهي أقسام الظلم التي نهى الله عنها :

  1. ظلم يكون بين الإنسان وبين ربه جلّ وعلا، وأعظمه الشرك بالله.
  2. ظلم يكون بينه وبين الناس في المعاملة ونحوه.
  3. ظلم يكون بين العبد وبين نفسه.

مع العلم أن كل هذه الأقسام الثلاثة للظلم هي في الحقيقة ظلم للنفس، بانحرافها عن التوجيه الإلهي الذي ضمِنَ صلاحها وعدالتها.

أسماء تطلق على شهر رجب:

ولشهر رجب أسماءِ كثيرة تدلُّ على شرفِه وأهميته وهي أسماء منذ الجاهليّه ومنها:

  1. رجب: لأنه كان يُرجَّب أي: يُعظَّمُ.
  2. الأصم. لانه كان يتركون القتال فيه فلا يسمع فيه قعقعة سلاح ولا صوت استغاثة.
  3. الأصبّ: لأن كفّار مكة كانت تقول: إن الرحمة تصبُّ فيه صبّاً.
  4. الهَرِم: لأن حرمته قديمة من زمن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.
  5. المقيم: لأن حرمته ثابتة لم تنسخ ولا تؤجّل.
  6. المُعلّى: لأنه رفيع عندهم من بين الشهور، وقد علا بين شهر شعبان وجمادى.
  7. المبرّئ: لأنه كان في الجاهليه من لا يستحل فيه قتال برئ من الظلم والنفاق.
  8. رجب مضر: نسبةً لأنّ قبيلةَ مضر كانت تعظّمه فأُضيفَ إليها، لأنه كانت تزيد في تعظيمِه واحترامِه. وغير ذلك من الأسماء الذي تدلّ على شرف المسمّى. (لطائف المعارف لابن رجب. ١/١٣٧)

الصوم في شهر رجب:

جمهور الفقهاء من المالكية والحنفية والشافعية ذهبوا إلى استحباب صوم الأشهر الحرم.

وصرح المالكية والشافعية بأن أفضل الأشهر الحرم المحرم ثم رجب، ثم باقيها ذو القَعدَة وذو الحجة.(الموسوعة الفقهية - ج ٢٨ ص٩٥) ويكفي لفضيلة صيام شهر رجب أن النبي صلى الله عليه وسلم حين جاءه رجل فقال:

زدني ـــ أي من الصوم ـــــ، فقال صلى الله عليه وسلم "صم من الحُرُم ". (سنن أبي داود ٢٤٢٨)

أما الدعاء في شهر رجب:

فقد ورد عن الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه قال: "بلغنا أنه كان يقال: إن الدعاء يُستجاب في خمس ليال: في ليلة الجمعة، وليلة الأضحى، وليلة الفطر، وأول ليلة من رجب، وليلة النصف من شعبان... وأنا أستحب كل ما حكيت في هذه الليالي من غير أن يكون فرضاً". (الأم ١/ ٢٦٤)

وقيل: إن الدعاء فيه مستجاب على الظلمة والكفرة لهذا كان أهل الجاهلية يؤخرون دعواتهم على من ظلمهم فيدعون في رجب فلا يرد دعائهم.

ويكفي أنه من أيام الله التي قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم:

"إنَّ لِرَبِّكم في أيّامِ دَهْرِكم نَفحاتٍ، ألا فتَعرَّضوا لها." (أخرجه الطبراني ١٩/٢٣٣)

فالعاقل من يتحر الخير ولا يفرط به لأن الله أمر به فقال

وَٱفۡعَلُواْ ٱلۡخَيۡرَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ. (الحج ٧٧)

والواجبَ على المسلمِ: أن يعرفَ قدرَ عمره وأيامه ويغتنم فرصة حياته في هذا الشهرِ الحرامِ ؛وذلك لأنّ معرفتَه وتعظيمَه: كما أخبر الله: "ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُۚ" أي: المستقيم؛ الّذي لا اعوجاجَ فيه، ولا ضلالَ، ولا انحرافَ.

وكان عمل الصالحين يدور على تعظيم ما عظّمه الله، لأنه من تقوى القلوب، والمحروم هو من وقف عند النصوص، ظناً منه أنه حريص على دينه أكثر من غيره فحرم نفسه الخير في هذه الأشهر المباركة، وهو يبحث عن الدليل وما صحته. لأن الله سبحانه لا تضيع عنده الحسنات، ولا يضيع أجر من أحسن عملاً.

فكن أيها الموفق لهذا الشهر معظماً، ولفضله مغتنِماً، وتب فيه إلى ربك، وأقْلع بلا رجعه عن خطأك، وأصلح فيه من شانك ، وليكن لسان حالك كما قيل في نصحك من أحد السلف :

بَيِّضْ صَحيِفَتَكَ السَّوْدَاءَ فِي رَجَبِ***بِصَالِحِ الْعَمَلِ الُمنْجِي مِنَ اللَّهَبِ
شَهْـرٌ حَرَامٌ أَتَى مِنْ أَشْهُرٍ حُرُمِ***إِذَا دَعَا اللهَ دَاعٍ فِيـهِ لَمْ يَـخِبِ
طُـوبَى لِعَبْدٍ زَكَى فِيـهِ لَهُ عَمَلٌ ***فَكَفَّ فِيهِ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالرِّيَـبِ
(لطائف المعارف لابن رجب. ١/١٢١)

اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان ونحن في أمن وأمان وسلامة وإسلام.

والحمد لله رب العالمين.

تعليقات



رمز الحماية