مدونات مختارة
الأكثر شهرة
سلطان العاشقين ومحراب السالكين | محمد إلياس سكندري
هذا المقال من مجلة نفحات المدينة: 19
إن لهذه الأمة سلفًا كرامًا، هم أبرّ الناس قلوبًا، وأصفاهم لله إيمانًا، وأقلهم تكلفًا، قد طهرت نفوسهم من كدر الدنيا، وتعلقت أرواحهم بربهم، فساروا في الأرض نجومًا تهدي، ومنارات تضيء الطريق للسائرين.
وسيرة كل واحد منهم عبرة لكل ذي لب، لا تنقضي فصولها، ولا تفتر أنفاسها، تنطق بالحكمة، وتهدي سبل الرشاد، واقتفاء آثارهم هداية ونور وعرفان، والانحراف عن طريقهم غواية وضلال وخسران.
ووقفتنا اليوم مع أحد أولئك العظماء، وعلم من المحبين الأعلام، وعاشق من خيرة الرجال، وشاعر ليس كغيره، نفذت أشعاره وكلماته إلى القلوب المحبة، وصعدت مع الأرواح في معارج العشق الإلهي... إنه المحب العاشق عمر بن الفارض رحمه الله تعالى، وسنبدأ معكم في رحلة روحية يمتزج فيها جمال الشعر ورقة العبارة، ونفس العبادة وصدق الحال.
من هو ابن الفارض؟
هو الشاعر الذي ما سلك درب التصوف تقليدًا، ولا دخله رياء، بل خاض بحره، وذاق لذته، وتقلب في أحواله، فنبضت أبياته بالحكمة، واشتعلت مشاعر العارفين عند سماعها، كلماته تغزِل من الشوق لغة، ومن المحبة طريقا يسير بالقارئ نحو سدة القرب حتى يصبح كل بيت من شعره ذكرا، وكل قافية دعوة، وكل قصيدة محرابا للتفكر والتجلي، إنه… "سلطان العاشقين" عمر بن الفارض رحمه الله تعالى.
مولده ونشأته
هو الشيخ الجليل، والعارف الكامل، أبو حفص عمر بن أبي الحسن علي بن المرشد، ويكنى أيضًا: أبا القاسم، وقد غلب عليه في كتب التراث لقب "ابن الفارض"، وذلك لأن والده كان يتولّى تقدير الفروض الشرعية في قضايا المواريث، فاشتهر بلقب "الفارض"، وانتقل ذلك إلى ابنه، حتى طمس اللقب "اسمًا"، وعلت الإشارة على العبارة. (الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية: 2/211، بتصرف)
ولد ابن الفارض رحمه الله في دار القاهرة، في الرابع من ذي القعدة، سنة 576 هـ، وتوفي في الثاني من جمادى الأولى، سنة 632 هـ.
فكان حياته كشمس أشرقت وأفلت في سماء القاهرة، وتركت في القلوب نورًا لا يخبو، وإن كان مسقط رأسه في مصر، فإن أصله يمتد إلى مدينة حماة الشامية، فهو حموي الجذور، مصري المولد والمثوى (وفيات الأعيان: 3/454-455، بتصرف)
وفي بعض الروايات أن نسبه يرتبط بـ"قبيلة بني سعد"، قبيلة حليمة السعدية مرضعة سيدنا رسول الله ﷺ، وفي ذلك شرف الحسب، وجلال النسب (شذرات الذهب: 7/263، بتصرف)
نشأ في كنف والده، وتربّى على القرآن والعفة والورع، وتعلّم الكتاب والسنة ومبادئ الدين منذ نعومة أظفاره، في بيئة نقية علمية، يفوح فيها عطر الروحانية والصلاح.
في سنّ شبابه تحول إلى الحكم الأيوبي السُّنِّي، فأثر ذلك في توجّهاته، وزاده تعلقًا بالعلم والسنة، فأقبل على طلب العلم الشرعي، ودرس الحديث النبوي، وسلك مذهب الإمام الشافعي رحمه الله، وتلقّى عن العلماء الأجلاء، كـ"ابن عساكر، وغيره" وحدّث عنه الحافظ المنذري رحمهم الله تعالى. (سير أعلام النبلاء: 16/265، بتصرف)
جمال ظاهره ورقّة باطنه
على الرغم من زهده وتجرّده، فقد كان رحمه الله آيةً في الجمال والرقة واللطف، جميل الوجه، بهي الهيئة، يجتمع في ملامحه وقار العباد، وسكينة الأولياء، ووداد المحبين فأحبه الناس لدماثة أخلاقه، ورقة طباعه، وجمال حديثه.
وكان يؤثر الهدوء والتواضع، ويلبس من الوقار أروع ثيابه، ويتوشح بثوب الأدب والكرم وحسن العشرة، فكان مجلسه مجلس أنس وقرب، ومحضن قلوب وأرواح، ينشر فيه نفحات الذكر، ويضيء به طرق السالكين كما وصفه الشيخ عبد الرّؤوف المناوي رحمه الله تعالى: كان جميلا، نبيلا، حسن الهيئة والملبس، حسن الصحبة والعشرة، رقيق الطبع، عذب المنهل والمنبع، فصيح العبارة، دقيق الإشارة، سلس القيادة، بديع الإصدار والإيراد، سخيًّا، جَوَادًا.(الكواكب الدرية: 2/212، بتصرف)
إذا كان الجمال الظاهر سمته، فإن الجمال الباطن كان أبهى وأسمى، فقلبه مليئ بالمحبة، وصدره مشرق بالسكينة، ونفسه معلقة بلذة الذكر والمناجاة.
لماذا لقب بـ "سلطان العاشقين"؟
تبوّأ ابن الفارض مكانة سامية في الشعر الصوفي، حتى لقب بـ"سلطان العاشقين"؛ كما قال عنه الشيخ عبد الرّؤوف المناوي رحمه الله تعالى: الملقب بـ"سلطان المحبين والعشاق"، المنعوت بين أهل الخلاف والوفاق، بأنه سيد شعراء عصره على الإطلاق. (الكواكب الدرية: 2/211)
انجذابه إلى التصوف وسلوكه طريق العارفين
ومع تفتح روحه في رياض العلم والنور، وترقي فكره في مدارج الفهم والإيمان، انجذب قلبه الطاهر إلى طريق الزهاد والعارفين، فانقطع إلى الله بكليته، متجردًا من زخرف الدنيا ومتاعها، متوجهًا بروحه وجوارحه إلى منازل المراقبة والتصفية والتربية. (شذرات الذهب: 7/262 بتصرف)
وقد لازم في بدايات سلوكه الشيخ أبا الحسن عليًا البقال رحمه الله، فنهل من مجالسه أنفاس السالكين، وتربّى على أيديهم في مدارج الإخلاص وحقائق المراقبة حتى أصبح له في كل قدم مقام، وفي كل نفس ذكر وحضور.
وقد تفاعلت هذه الروح الصافية مع بيئة كانت تزخر برجال العلم والتصوف، إذ عاش في زمن صلاح الدين الأيوبي وخلفائه، أولئك الذين أقاموا صرح السنة، ومحَوْ آثار البدعة، وبثوا في الأرض روح الإخلاص والهدى، وكان لهذا السياق التاريخي، وهذه المواجيد الروحية، أثر عميق في تشكيل شخصيته الصوفية، وصياغة ملامح شعره الروحي الفريد، ذلك الشعر الذي تفوح منه أرواح المحبين، وترتقي مع كلماته نفوس العارفين.
رحلته إلى مكة المكرمة ومقام الخلوة الروحية
ثم كانت رحلته إلى مكة المكرمة علامة فارقة في مسيرته الروحية، ومنعطفًا نورانيًا ساقه إلى عالم الأنس والتجلي، فلم تكن رحلة حاج فقط، ولا مسير طائع إلى مشاعر الحرم، بل كانت حجًّا بالقلب قبل الجسد، وسفرًا إلى أعماق الذات، ورحلة إلى مقام الأنس والخلوة.
فقد أخبره شيخه أبو الحسن علي البقال رحمه الله أنه لا يفتح عليه إلا في مكة، فانطلق فورًا إلى تلك الرحاب المقدسة، يحدوه الشوق، ويسوقه اليقين، وقد روت كتب السير أنه كان يذهب من ذلك الوادي، ويصاحبه أسد عظيم إلى مكة، فكان الأسد يكلمه ويرجوه أن يركب عليه، فيأبى ابن الفارض ذلك تواضعًا وتجردًا، فظل السبع يصحبه في طريقه، كخادم ودود لعاشق منصرف عن كل شيء سوى ربه، في كرامة تنبئ عن مقام رفيع، وقلب صادق. (شذرات الذهب: 7/262، بتصرف)
ما كانت زيارته لبيت الله الحرام مجرد أداء لفريضة عظيمة، بل كانت خلوة نفيسة في أحد أودية مكة النائية، بعيدًا عن ضجيج الناس وزخارف الدنيا، حيث اختار العزلة في سكينة الصحراء، وجلال الحرم، ليغمس قلبه في بحر الذكر، ويرتقي في مقام المناجاة والتأمل، وفي ذلك الصفاء النادر تشكلت أنوار المعاني في وجدانه، وتفجرت من روحه أرقى قصائد العشق الإلهي، وأبهى أناشيد الأنس برب العرش العلي (الكواكب الدرية: 2/212 بتصرف)
شعره ومكانته في الأدب الصوفي
لم يكن ابن الفارض شاعرًا يطرب الآذان فقط، بل كان شاعر الروح، ومنشد القلب، ومترجم أحوال العارفين. أطلق عليه النقاد والعرفاء لقب "سلطان العاشقين"، وذلك لما تفجر في شعره من معاني الوجد والمحبة الإلهية، وما انساب في قوافيه من أنفاس الشراح والسالكين.
نظم شعرًا تجلت فيه مقامات التصوف، من توبة وزهد ومراقبة، إلى مقامات المحبة والفناء والبقاء، فصارت أبياته مرايا تجلّي للعاشقين أسرار الطريق، وتفتح لأهل الإنابة أبواب التجلي والقرب.
دواوينه
من أشهر دواوينه" تائيته الكبرى"، والتي تعد واحدة من أطول القصائد الصوفية وأعذبها، وقد ناهزت ست مئة بيت، فساح فيها في عالم العشق الإلهي، ووصف أحوال المحبين، وبث أشواقه بـ"لغة سامية"، تخترق الحجب، وتستدرج الأرواح إلى مقام القرب.
وكذلك ديوانه المعروف بـ"ديوان ابن الفارض"، الذي ضم ما تفرق من أشعاره، وجعل النقاد والشراح يتنافسون في تفسيرها واستكناه رموزها، كما قال أبو الفلاح الحنبلي في الشذرات: ناهيك بديوانه الذي اعترف به الموافق والمخالف، والمعادي والمحالف سيما "القصيدة التائية" وقد اعتنى بشرحها جمع من الأعيان، كالسّراج الهندي الحنفي، والشمس البسطامي المالكي، والجلال القزويني الشّافعي، غير متعاقبين ولا مبالين بقول المنكرين الحسّاد، وكذا شرحها الفرغاني، والقاشاني، والقيصري، وغيرهم (شذرات الذهب: 7/263-264، بتصرف)
ولذلك، فقد بقي شعر ابن الفارض نبراسًا لكل طالب روح، وزادًا لكل عاشق، ومرجعًا لكل متذوق لجمال الحق.
عودته إلى مصر ووفاته
ثم عاد رحمه الله إلى مصر، يحمل في روحه نفحات الحرم، وفي قلبه أنوار العروج الروحي، وفي لسانه أصداء المعاني التي نسجها في خلوة المحبة والسجود، واستمر في حياته بعد ذلك شاعرًا عارفًا، وواصلاً سالكًا، تفيض أبياته صفاء، وتتلألأ معانيه وجدًا ونورًا، فصار مقصد الأرواح التائهة، ومرجع القلوب الظامئة حتى كان ختام حياته في بلاد مولده، ففاضت روحه في قدس جبل المقطم، حيث تنزه في آخر أيامه عن الضجيج، وآثر أنس الخلوة والصمت، فتوفاه الله سبحانه وتعالى في ذلك المقام الطاهر.
فدفن رحمه الله بجوار جبل المقطم في مسجده المعروف، وذلك سنة 632 ه الموافقة لسنة (1235 م) (شذرات الذهب: 7/262-263، بتصرف)
وهكذا بقيَ ابن الفارض رحمه الله أحد أولئك الذين سطروا طريق الوصول إلى الله بأبيات ما كانت مجرد حروف تتلى، بل قلوب تشتعل شوقًا، وأرواح تترقى في معارج العرفان.
جمع بين رقة الشاعر، وذوق العارف، وتجربة السالك، فكان صوتًا للمحبين، ومحرابًا للأرواح، وقدوة لكل من سار في دروب الذكر والمناجاة.

تعليقات