سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه سيرة عظيمة ومكانة رفيعة | محمد إلياس السكندري


نشرت: يوم الجمعة،29-مارس-2024

سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه سيرة عظيمة ومكانة رفيعة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين أما بعد:

يقول الإمام سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى: كَانَ يُقَالُ عِنْدَ ذِكْرِ الصَّالِحِينَ تَنْزِلُ الرَّحْمَةُ (الزهد للإمام أحمد بن حنبل: 1/264).

وقال الشاعر:

فَاتَنِي أَنْ أَرَى الدِّيَارَ بِطَرفِي*****فَلَعَلّي أَرَى الدِّيارَ بِسَمْعِي
(صيد الخاطر: 454)

وانطلاقًا من هنا، وفي ظلال رحمة الله، ونور هدي نبيه ﷺ، ننشد في رحلة عبر الزمن، ونغوص في سيرة أحد أئمة الهدى، رابع الخلفاء الراشدين، الذي نهل علمه من ينبوع الإسلام الصافي، ومن معين النبوة العطرة ارتوى إيمانه، فكان صحابيًا جليلًا، وبطلاً مغوارًا، وزوجًا مخلصًا، وأبًا حنونًا.

وقد عاش رضوان الله عليه، حياةً حافلةً بالجهاد والتضحية، فكان من السابقين إلى الإسلام، ومن المرابطين في سبيل الله، ومن المجاهدين في سبيل إعلاء كلمة الحق.

لم يمنعه قربُه من رسول الله ﷺ الوقوفَ في وجه الظلم، بل كان رمزًا للعدل والإنصاف، ونموذجًا للزهد والورع.

ففي سيرته العطرة، دروس وعبرٌ، ومواعظ وحكم، نستقي منها ينابيع الهداية، ونُنير بها دروب حياتنا.

هيا بنا نغوص في بحار هذه السيرة، ونستلهم من نورها، ونقتدي بخطواتها، لنرتقي بأنفسنا، ونبني مجتمعًا فاضلاً، يُنير دروب الإنسانية جميعها:

نسبه:

فهو عليّ بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم، ابن عمّ رسول اللهﷺ ويلتقي مع المصطفى ﷺ في جده الأول ووالدُه أبو طالب شقيق والد النبيﷺ.

أيها الأحبة الكرام! لقد اختلفت الروايات في سنة ولادته ولكن قال الإمام ابن حجر رحمه الله تعالى: أنه ولد قبل البعثة بعشر سنين على الراجح (فتح الباري لابن حجر: 7/71).

وكان قد ربّاه النبي ﷺ من صغره فلازمه من صغره فلم يفارقه إلى أن مات وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم وكانت ابنة عمة أبيه وهي أول هاشمية ولدت لهاشمي، وقد أسلمت وصحبت وماتت في حياة النبي ﷺ (أيضًا).

لما ولدت فاطمة بنت أسد رضي الله عنها ولدها سمته بأسد على اسم أبيها أسد بن هاشم، كما يشهد على ذلك ارتجازه يوم خيبر:

أنا الذي سمتني أمي حيدره*****كليث غابات كريه المنظره
(شرح السيوطي على مسلم: 4/427)

نشأته وتربيته:

من رحاب النبوة، نبتت شتلةٌ مباركةٌ تُدعى عليًّا رضي الله عنه، فكان من أعظم نعم الله سبحانه وتعالى عليه أن حظي بتربيةٍ إلهيةٍ مباشرة من خاتم الأنبياء ﷺ.

كان القرآن الكريم بمثابة مربٍّ له، فنشأ سيدنا عليٌّ رضي الله عنه على مبادئه السامية، وانعكس ذلك على سلوكه وأخلاقه، وكفى بتربية النبي ﷺ شرفًا، فقد تفتّحت عينا عليّ رضي الله عنه على الإسلام في ريعان شبابه، قبل أن تخرج الدعوة من محيط البيت النبويّ لتبحث عن أنصارٍ يدعمون مسيرتها.

فنشأ سيدنا عليٌّ رضي الله عنه زهرةً نضرةً في حديقة الإسلام، يزخر علمه، وتُزهر صفاته، ويزهو بأخلاقه، فكان خير مثالٍ لِمَن تربّى على القرآن، ونهل من ينابيع النبوة.

إسلامه:

جاء علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى النبي ﷺ بعد إسلام أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها، فوجدهما يصلّيان، فقال علي: ما هذا يا محمد؟

فقال النبي ﷺ: دين الله الذي اصطفاه لنفسه، وبعث به رُسُلَه، فأدعوك إلى الله وحده وإلى عبادته.

فقال له علي رضي الله تعالى عنه: هذا أمر لم أسمع به من قبل اليوم، فلستُ بقاض أمرًا حتى أحدث أبا طالب.

فقال له: يا علي! إذا لم تسلم فاكتم، فمكث عليّ رضي الله عنه تلك الليلة، ثم إن الله أوقع في قلبه الإسلام، فأصبح غاديًا إلى رسول الله ﷺ حتى جاءه فقال: ما عرضتَ عليَّ يا محمد؟

فقال له رسول الله ﷺ: تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وتكفر باللات والعزى، وتبرأ من الأنداد، ففعل عليّ وأسلم (دلائل النبوة للبيهقي: 2/161 بتصرف).

وهكذا كان سيدنا عليّ بن أبي طالب أول من أسلم من الفتيان، وأحد العشرة المبشّرين بالجنة.

ولقد اختلف في أول من أسلم:

فقيل: أبوبكر الصديق وقيل: علي بن أبي طالب وقيل: خديجة بنت خُوَيْلِد زوجة النبي ﷺ

وقيل: زيد بن حارثة. رضوان الله عليهم.

وجزى الله تعالى الإمام أبا حنيفة رضي الله عنه حيث جمع بين هذه الأقوال حيث قال:

إن أول من أسلم من الرجال الأحرار "أبو بكر"، ومن النساء "خديجة"، ومن الموالي "زيد بن حارثة"، ومن الغلمان "علي بن أبي طالب" رضي الله عنهم (السيرة النبوية لابن كثير: 1/437 بتصرف).

زواجه وأولاده:

في السنة الثانية من هجرة رسول الله ﷺ تزوّج سيدنا عليّ من السيدة فاطمة رضي الله عنهما بعد غزوة بدر بقليل، حاملاً معه مشاعر الحبّ والإيمان، ومُتحلّيًا بالقيم النبيلة التي تربّى عليها في كنف رسول الله ﷺ وكان زواجهما رمزاً للبساطة والتيسير، بعيداً عن المظاهر البراقة والترف الزائد، وعاش الزوجان حياة كريمة مليئة بالحبّ والاحترام، فكان عليٌّ رضي الله عنه نعم الزوج والسند، وفاطمة رضي الله عنها نعم الزوجة والعون.

ذكر الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى تحت ذِكْر زَوْجَاتِهِ وَبَنِيهِ وبناته: أول زوجة تزوجّها سيدنا عليّ رضي الله عنه سيدتنا فاطمة بنت رسول الله ﷺ.

ولم يتزوج عليّ على فاطمة رضي الله عنهما حتى توفّيت بعد رسول الله ﷺ بستة أشهر، فلما ماتتْ تزوّج بعدها بزوجات كثيرات، منهن من توفّيت في حياته ومنهن من طلّقها، وتوفّي عن أربع:

فمن زوجاته: أم البنين بنت حرام، وليلى بنت مسعود من بني تميم، وأسماء بنت عميس الخثعمية، و أم حبيبة بنت زمعة، و أم سعيد بنت عروة الثقفية، أمامة بنت أبي العاص وأمها زينب بنت رسول الله ﷺ، ومنهن ابنة امرئ القيس الكلبية.

وأما أولاده فهي:

من الذكور الحسن والحسين والمحسن والعباس وجعفر وعبدالله وعثمان وعبيد الله وأبا بكر ويحيى ومحمد الأصغر وعون وعمر وقد عمر خمسا وثلاثين سنة، محمد الأوسط ومحمد الأكبر رضي الله عنهم.

ومن الإناث: زينب الكبرى، و أم كلثوم، -وهذه تزوج بها عمر بن الخطاب رضي الله عنه- ورقية وأم الحسن ورملة الكبرى وأمُّ هَانِئٍ وَمَيْمُونَةُ وزينب الصغرى ورملة الكبرى وَأُمُّ كُلْثُومٍ الصُّغْرَى وَفَاطِمَةُ وَأُمَامَةُ وَخَدِيجَةُ وَأُمُّ الكرام وأم جعفر وأم سلمة وجمانة رضي الله عنهن

قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: فَجَمِيعُ وَلَدِ عَلِيٍّ أَرْبَعَةَ عَشَرَ ذَكَرًا وَسَبْعَ عَشْرَةَ أُنْثَى

قال الواقدي: وإنما كان النسل من خمسة وهم الحسن والحسين ومحمد ابن الحنفية والعباس بن الكلابية وعمر بن التغلبية رضي الله عنهم أجمعين (البداية والنهاية: 7/ 366-368 بتصرف)

وقد كان رضي الله عنه نموذجًا فريدًا للزوج المثالي، حيث اتّصف بصفاتٍ جليلةٍ جعلت من حياته الزوجية رحلةً سعيدةً مليئةً بالحبّ والاحترام.

كان رضي الله عنه وفيًا بعهوده لزوجاته، مُخلصًا لهنّ، مُحافظًا على حقوقهنّ، ولم يكن رضي الله عنه مُهملًا لشؤون زوجاته، بل كان يُوليهنّ اهتمامًا كبيرًا، ويُشاركهنّ في تربية الأبناء، ويُساعدهنّ في أعمال المنزل. فكان رضي الله عنه يُقدّر مشاعرهنّ ويحترم آرائهنّ.

لقد كان رضي الله عنه قدوةً للرجال في كيفية معاملة زوجاتهم، فكان يُعامل زوجاته باللطف والرحمة، ويُسامحهنّ على أخطائهنّ، ويُشجّعهنّ على التطوّر والارتقاء.

فضائله:

ولقد اجتمع لعلي رضي الله عنه من الفضائل الجمة مالم يجتمع لغيره، كما روي عنه رضي الله عنه قال:

مُحَمَّدٌ النَّبِيُّ أَخِي وَصِهْرِي ***** وَحَمْزَةُ سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ عَمِّي

وَجَعْفَرٌ الَّذِي يُمْسِي وَيُضْحِي ***** يَطِيرُ مَعَ الْمَلَائِكَةِ ابْنُ أُمِّي

وَبِنْتُ مُحَمَّدٍ سَكَنِي وَعِرْسِي *****مَسُوطٌ لَحْمُهَا بِدَمِي وَلَحْمِي

وَسِبْطَا أَحْمَدَ وَلَدَايَ مِنْهَا*****فَأَيُّكُمُ لَهُ سَهْمٌ كَسَهْمِي

سَبَقْتُكُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ طُرًّا ***** صَغِيرًا مَا بَلَغْتُ أَوَانَ حُلْمِي
(تاريخ دمشق لابن عساكر: 23/54)

وفي رواية عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال:

سمعت عليًّا ينشد ورسول الله ﷺ يسمع:

أَنا أَخو المُصطفى لا شَكَّ في نَسَبي *****مَعهُ رَبيتُ وَسِبطاهُ هُما وَلَدي

جَدّي وَجَدُّ رَسولُ اللَهِ مُتَّحِدٌ *****وَفاطِمُ زَوجَتي لا قَولَ ذي فَنَدِ

صَدَّقتُهُ وَجَميعُ الناسُ في ظُلَمٍ ***** مِنَ الضَلالَةِ وَالإِشراكِ وَالنَكَدِ

الحَمدُ لِلّهِ فَرداً لا شَريكَ لَهُ ***** البَرُّ بِالعَبدِ وَالباقي بِلا أَمَدِ

قال: فتبسم رسول الله ﷺ وقال:

صدقت يا عليّ! (البداية والنهاية: 8/10).

وباختصار فقد حاز سيدنا عليّ رضي الله عنه من الفضائل والمناقب حظًّا وافرًا.

شجاعته:

إذا تكلّمنا عن شجاعته رضي الله عنه، فقد كان رضي الله عنه شجاعًا عظيمًا وفارسًا قويًّا وبطلاً جليلاً وقد ضرب رضي الله عنه أروع الأمثلة في الشجاعة واشتهر بها ولم يتخلّف عن مشهد شهده رسول الله ﷺ منذ قدِم المدينة إلا تبوك، وذلك بأمر رسول الله ﷺ.

وقاتل رضي الله عنه في جميعها بفروسية وشجاعة وإقدام، حتى أعطاه النبي ﷺ اللواء أكثر من مرة وقد روي عن سيدنا ابن عباس رضي الله عنهما:

أن راية المهاجرين كانت مع عليّ في المواقف كلها، يوم بدر ويوم أحد ويوم خيبر ويوم الأحزاب ويوم فتح مكة ولم يزل معه في المواقف كلها (تاريخ دمشق: 42/72).

مبايعته لسيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنهما:

لقد وردت الأخبار كثيرة عن تأخّر سيدنا عليّ رضي الله عنه عن بيعة أول الخلفاء الراشدين لسيدنا أمير المؤمنين أبي بكر الصديق رضي الله عنه.

فاعلموا أن جل هذه الأخبار ضعيفة أو غير صحيحة وقد وردت الأخبار الصحيحة بأنه بايع سيدنا أبا بكر الصديق رضي الله عنهما في أول الأمر كما روي عن حبيب بن أبي ثابت رضي الله عنه، قال: كان سيدنا عليّ رضي الله عنه في بيته إذ أُتي فقيل له: قد جلس أبو بكر رضي الله عنه للبيعة، فخرج في قميص ما عليه إزار ولا رداء، عجلا، كراهية أن يبطئ عنها، حتى بايعه ثم جلس إليه وبعث إلى ثوبه فأتاه فتجلله، ولزم مجلسه (تاريخ الطبري: 3/207).

يقول الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى:

فيه فائدة جليلة وهي مبايعة عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه إما في أول يوم أو في اليوم الثاني من الوفاة.

وهذا حق فإن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه لم يفارق الصديق رضي الله عنه في وقت من الأوقات، ولم ينقطع في صلاة من الصلوات خلفه (البداية والنهاية: 5/270).

خلافته:

بعد أن استشهد ثالث الخلفاء الراشدين أمير المؤمنين سيدنا ذو النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه وقع الاختيار على سيدنا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه ليكون رابع الخلفاء الراشدين المهدين كما روي عن محمد ابن الحنفية رحمه الله تعالى، قال:

كنت مع سيدنا عليّ حين قتل سيدنا عثمان رضي الله عنهما، فقام فدخل منزله، فأتاه أصحاب رسول الله ﷺ فقالوا:

إن هذا الرجل قد قتل ولا بد للناس من إمام، ولا نجد أحدًا أحقّ بهذا الأمر منك، أقدم مشاهدًا ولا أقرب من رسول الله ﷺ.

فقال سيدنا عليّ رضي الله تعالى عنه: لا تفعلوا، فإني وزير خير مني أن أكون أميرًا.

فقالوا: لا والله ما نحن بفاعلين حتى نبايعك.

قال: ففي المسجد؛ فإنه لا ينبغي بيعتي أن تكون خفيةً، ولا تكون إلا لمن رضي من المسلمين، قال: فقام سالم بن أبي الجعد رحمه الله تعالى: فقال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: فلقد كرهت أن يأتي المسجد كراهية أن يشغب عليه، وأبى هو إلا المسجد، فلما دخل جاء المهاجرون والأنصار فبايعوا وبايع الناس (السنة لأبي بكر بن خلال: 623 بتصرف).

استشهاده:

لقد عاش سيدنا عليّ رضي الله عنه أحلك الأوقات، وواجه الفتن، واضطرابَ جيشه، وخيانة أهل العراق، وازدادت وطأة الأحداث مع استفحال أمر أهل الشام، الذين سيطروا على البلاد مدعين إمارة سيدنا معاوية رضي الله عنه.

ومن المعلوم أن سيدنا عليّ رضي الله عنه كان خير أهل الأرض، أعبدهم وأزهدهم، وأعلمهم وأخشاهم لله في ذلك الوقت لكن قد خذله أهل العراق، وكان يردّد: "ما ينتظر هذا الأشقى؟ لماذا لا يقتل؟" مشيرًا إلى لحيته ورأسه.

وفي رواية أخرى، قال رضي الله عنه:

"والله لتخضبن هذه من هذه" (مشيرًا إلى لحيته ورأسه)، "فما ينتظر هذا الأشقى؟"

أجابه عبد الله بن سبع: "يا أمير المؤمنين! لو فعل أحد ذلك لأبدنا عترته".

فقال سيدنا عليّ رضي الله تعالى عنه: "أنشدكم بالله أن يقتل بي غير قاتلي"، فسألوه: "ألا تستخلف؟" فقال: "لا"، أترككم كما ترككم رسول الله ﷺ.

فسألوه: "ماذا تقول لربك إذا لقيته وقد تركتنا هملا؟" فقال: أقول:

"اللهم استخلفتني فيهم ما بدا لك ثم قبضتني وتركتك فيهم، فإن شئت أصلحتهم وإن شئت أفسدتهم" (البداية والنهاية: 7/357-358 بتصرف).


#مركز_الدعوة_الاسلامية
#مركز_الدعوة_الإسلامية
#الدعوة_الإسلامية
#مجلة_نفحات_المدينة
#نفحات_المدينة
#مجلة_فصلية

تعليقات



رمز الحماية