مدونات مختارة
الأكثر شهرة
حاكم ملأ الأرض بالعدل | محمد إلياس السكندري
هذا المقال من مجلة نفحات المدينة: 20
إن في ذكر الصالحين وتصفح سيرهم العطرة ما يبعث في النفوس سكينةً وأملاً، ويشحذ الهمم للاقتداء والتأسي، فـهُم النجوم التي يُهتدى بها في ظلمات الدروب، والمثل العليا التي تجسدت فيها أخلاق الإسلام وقيمه السامية. وقد قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى: وعليكم بملاحظة سير السلف، ومطالعة تصانيفهم وأخبارهم، فالاستكثار من مطالعة كتبهم رؤية لهم:
فاتني أن أرى الديار بطرفي ... فلعلي أرى الديار بسمعي (صيد الخاطر: 1/454)
وهو معنى أكده الإمام محمد بن يونس رحمه الله تعالى: ما رأيت للقلب أنفع من ذكر الصالحين. (صفة الصفوة: 1/18).
ومن بين أولئك الأعلام الذين أضاؤوا تاريخ أمتنا، يسطع اسم أمير المؤمنين، الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى ورضي عنه، كشمس أشرقت بنور العدل والزهد والورع، فجددت للأمة عهد الخلفاء الراشدين المهديين.
وسيرته ليست مجرد حكاية تُروى، بل هي مدرسة متكاملة في الحكم والتقوى، ومنارة تضيء لكل من أراد الجمع بين صلاح الدنيا وفلاح الآخرة، وكما قال الشاعر:
فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم إن التشبه بالكرام فلاحُ
ففي رحاب سيرته نجد تطبيقًا حيًّا لقوله تعالى:
إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ [النحل: 90]
حيث ملأ الأرض عدلاً بعد أن عانت من الجور، ورد المظالم إلى أهلها، وأطفأ نار الفتن بحكمته، فعمّ الأمان بين القاصي والداني، وسعد في ظلال خلافته الإنسان والحيوان على حد سواء.
مولده ونشأته:
وُلد سيدنا عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى سنة 63 للهجرة، في السنة نفسها التي انتقلت فيها إلى الرفيق الأعلى السيدة أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها. (سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز الخليفة الزاهد لابن الجوزي: 9 بتصرف)
وقد شاء الله أن يجتمع في نسبه شرفان عظيمان؛ شرف الخلافة الأموية من جهة أبيه، وشرف الخلافة الراشدة من جهة أمه.
فهو عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن العاص، وأمه أم عاصم ليلى بنت عاصم بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم.
كان عبد العزيز بن مروان –والد عمر– من الصالحين الذين حرصوا على أن يختاروا لذريتهم بيتًا مباركًا؛ فلما أراد الزواج قال لقيّمه: "اجمع لي أربعمائة دينار من طيب مالي، فإني أريد أن أتزوج إلى أهل بيت لهم صلاح"، فتزوج من أم عاصم، فكانت أمًّا مباركة، أنجبت للأمة إمامًا من أعظم أئمتها.
وقد عُرفت أم عاصم بالصلاح والعبادة، فربّت ولدها على الخوف من الله، وغرست في قلبه الزهد في الدنيا، حتى أكرمها الله تعالى بولادة الإمام العادل الذي عُدَّ خامس الخلفاء الراشدين، فقد قال الإمام سفيان الثوري رحمه الله تعالى: "الخلفاء خمسة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعمر بن عبد العزيز رحمهم الله تعالى". (تاريخ دمشق لابن عساكر: 45/191)
وكانت أم عاصم بحقٍّ مربّية عظيمة، غرَست في ابنها حب الآخرة منذ نعومة أظفاره، فقد روي: أن عمر بن عبد العزيز بكى وهو غلام صغير، وكان يومئذ قد جمع القرآن، فأرسلت إليه أمه تسأله: "ما يبكيك يا بني؟" فقال: "ذكرت الموت"، فما كان منها إلا أن بكت معه خشية ورقّة وكأنها تبشره منذ صغره بأن حياته ستكون لله وفي سبيله. (سير أعلام النبلاء: 5/116 بتصرف)
حكاية جميلة في أصله ونسبه:
ومن أبدع ما يُروى في كتب التاريخ عن أصل نسب عمر بن عبد العزيز، تلك القصة المؤثرة التي تبيّن لنا كيف اجتمع في شخصيته نور الورع مع شرف النسب.
فقد ورد أن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يعسّ المدينة ليلةً من الليالي يتفقد أحوال الناس، حتى أعياه التعب فاستند إلى جدارٍ في جوف الليل، وإذا به يسمع حوارًا بين امرأة وابنتها داخل البيت، قالت الأم لابنتها: "يا بُنيّة قومي إلى ذلك اللبن فامذقيه بالماء"، أي اخلطيه بالماء لتكثر كميته. فردّت عليها البنت الصالحة قائلة: "يا أماه، أوَما علمتِ ما كان من عزْمة أمير المؤمنين اليوم؟" قالت الأم: "وما كان من عزمته يا بُنيّة؟"
قالت: "لقد أمر مناديه فنادى: ألا يُشاب اللبن بالماء". فقالت الأم: "يا بُنيّة قومي إلى اللبن فامذقيه بالماء، فإنك بموضع لا يراك عمر ولا منادي عمر".
وهنا تجلت خشية الله في قلب تلك الفتاة المؤمنة فقالت: "يا أماه، ما كنت لأطيعه في الملأ وأعصيه في الخلاء".
وكان عمر يسمع كل ذلك، فدمعت عيناه وقال: "يا أسلم، علِّم هذا الباب واعرف الموضع"، فلما أصبح الصباح دعا ابنه عاصمًا، وكان شابًّا بغير زوجة، فقصّ عليه الخبر وقال: "يا بُني، هل لك في زوجة من بيتٍ عُرف بالورع والخوف من الله؟". فوافق عاصم، فخطبها له أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وزوّجه إياها.
ومن هذا الزواج المبارك وُلدت لهم بنت، التي كانت والدة الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز. (تاريخ دمشق: 70/253، بتصرف)
وهكذا، خرج الإمام الزاهد من نسل بيتٍ عُرف بالطاعة والورع، ليكون ثمرة صالحة لشجرة طيبة جذورها ممتدة في الإيمان.
تولية الخلافة:
وقد رُوي في كتب التاريخ أن البشرى بولاية عمر بن عبد العزيز للخلافة جاءت منذ زمن بعيد، إذ بُشِّر بذلك على لسان الخضر عليه السلام : فعن رياح بن عبيدة قال رأيت رجلا يماشي عمر بن عبد العزيز معتمدا على يده فقلت في نفسي إن هذا الرجل جاف، فلما صلى قلت يا أبا حفص من الرجل الذي كان معك معتمدا على يدك آنفا قال وقد رأيته يا رياح؟ قلت نعم، قال إني لأراك رجلا صالحاً، ذلك أخي الخضر بشّرني أني سأَلِي وأعدل. (أخبار أبي حفص عمر بن عبد العزيز رحمه الله وسيرته للآجري: 1/52)
فلما توفي الخليفة سليمان بن عبد الملك، وُضع عبء الخلافة على كتفي عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى فما كان منه إلا أن استشعر عِظَم المسؤولية، وأدرك أن الأمر أمانة لا تشريفًا، فجمع خيار العلماء والزهاد ليستشيرهم. فدعا سالم بن عبد الله بن عمر، ومحمد بن كعب القرظي، ورجاء بن حيوة، وقال لهم: إني قد ابتُليت بهذا الأمر، فأشيروا عليّ. (تهذيب الكمال: 23/295)
وفي رواية أخرى، أنه أرسل إلى محمد بن كعب القرظي وقال له: "صف لي العدل" فأجابه القرظي بكلمات خالدة: "سألتَ عن أمر حسن، كن لصغير المسلمين أبًا، ولكبيرهم ابنًا، وللمقلّ منهم أخًا، وعاقب الناس بقدر ذنوبهم على قدر أجسامهم، ولا تضربنّ لغضبك سوطًا واحدًا فتتعدى، فتكون عند الله من العادين". (أخبار أبي حفص عمر بن عبد العزيز رحمه الله وسيرته للآجري: 1/65، بتصرف)
وكان عمر بن عبد العزيز يحمل في قلبه نفسًا تواقة، لا ترضى بالدنيا ولا تقف عند حدودها، فقد قال :إن لي نفسًا تواقة، لم تُعطَ من الدنيا شيئًا إلا تاقت إلى ما هو أفضل منه، فلما نلتُ ما نلتُ من الدنيا، تاقت نفسي إلى الآخرة. (حلية الأولياء: 5/331)
وهكذا دخل الخلافة بروح زاهدة، ونفس خاشعة، ترى في المنصب تكليفًا لا تشريفًا، ومسؤولية لا متعة.
تواضعه وسلوكه عقب استخلافه:
لما فرغ عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه من دفن الخليفة سليمان بن عبد الملك، وخرج من القبر، سمع للأرض هَدّةً ورَجّة. فسأل من حوله: "ما هذه؟" فقيل له: "هذه مراكب الخلافة يا أمير المؤمنين، قد قُرّبت إليك لتركبها". فهز رأسه وقال في زهدٍ وورع: "ما لي ولها؟ نحّوها عني، وقربوا إليّ بغلتي". فقُدّمت إليه بغلته فركبها، فكان أول موقف يُعلن فيه عن زهده في زخارف الملك.
وما لبث أن جاءه صاحب الشرطة يسير بين يديه بالحربة، كعادة خلفاء بني أمية، فأمره أن يبتعد قائلًا: "تنحَّ عني، ما لي ولك؟ إنما أنا رجل من المسلمين". وسار متواضعًا بين الناس حتى دخل المسجد، فصعد المنبر، واجتمع الناس إليه، فقال كلماته التي خلدها التاريخ :يا أيها الناس! إني قد ابتُليت بهذا الأمر من غير رأيٍ كان مني فيه، ولا طلبة له، ولا مشورة من المسلمين، وإني قد خلعت ما في أعناقكم من بيعتي، فاختاروا لأنفسكم.
لكن الناس ما إن سمعوا قوله حتى علت أصواتهم بصيحة واحدة: "اخترناك يا أمير المؤمنين، ورضينا بك، فلْيكن أمرنا على يدك باليُمن والبركة". وهكذا بايعته الأمة عن رضا ومحبة، لا عن رهبة ولا إكراه. (أخبار أبي حفص عمر بن عبد العزيز رحمه الله وسيرته للآجري: 1/55-56، بتصرف)
عدله بين الناس
لقد تميّز عهد عمر بن عبد العزيز بعدله الباهر الذي أحيا به سنن الخلفاء الراشدين، وأطفأ به نار المظالم التي أثقل بها بنو أمية كواهل الناس، فما أن تولى الخلافة حتى بادر إلى تصحيح ما وقع من مظالم سابقيه، وعزل الولاة الظالمين، وأعاد الأموال المنهوبة إلى أهلها، وجعل نصب عينيه العمل بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ.
وكان يرى أن العدل لا يتحقق إلا باختيار الرجال الصالحين، فانتقى ولاته بعناية، ووسع عليهم في أرزاقهم ليكفّهم عن الطمع والفساد، وأغلق على نفسه أبواب الرشوة والهدايا.
ومن أروع ما يُروى في عدله ما وقع يوم تولى الخلافة، إذ دخل قصر الحكم بعد خطبته، فأمر بخلع الستور المزركشة التي كانت تزين مجالس الخلفاء، وبحمل الفرش الفاخرة التي كانوا يجلسون عليها، ثم أمر ببيعها وإيداع ثمنها في بيت مال المسلمين، ثم أراد أن ينام ليستريح، فدخل عليه ابنه عبد الملك وقال: يا أمير المؤمنين! ماذا تريد أن تصنع؟
فقال: "أي بني! أريد أن أستريح قليلاً"، فقال له عبد الملك: "أتستريح قبل أن ترد المظالم إلى أهلها؟".
فقال: "أي بني! لقد سهرت الليلة في أمر عمك سليمان، فإذا صليت الظهر رددت المظالم".
فأجابه ابنه بحزم: "يا أمير المؤمنين! ومن يضمن أن تعيش إلى الظهر؟". فبكى عمر رضي الله عنه، وقال لابنه: "ادنُ مني"، فلما دنا التزمه، وقبّل بين عينيه، وقال: "الحمد لله الذي أخرج من صلبي من يعينني على ديني"، فخرج ولم يقل وأمر مناديه أن ينادي ألا من كانت له مظلمة فليرفعها. (صفة الصفوة: 1/ 366)
وفي رواية أنه لما ولي عمر بن عبد العزيز بدأ بلحمته وأهل بيته فأخذ ما بأيديهم وسمى أموالهم مظالم (تاريخ دمشق لابن عساكر: 45/180)
وكان عدله بركةً على العباد والبلاد، حتى قيل إن الرعاة في الجبال كانوا يتحدثون عنه، فقيل لهم: "وما علمكم بعدله؟" قالوا: "إذا قام خليفة صالح، كفّت الذئاب والأسود عن شائنا". (سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز الخليفة الزاهد لابن الجوزي: 87، بتصرف)
وبلغ من أثر عدله أن الخوارج – الذين اعتادوا الخروج على الخلفاء – اجتمعوا وقالوا: "ما ينبغي لنا أن نقاتل هذا الرجل وقد رد المظالم إلى أهلها". وهكذا، عمّ الأمن والسكينة في أرجاء الدولة، ولم يُعرف في عصره جائع ولا مظلوم. (سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز الخليفة الزاهد لابن الجوزي: 67، بتصرف)
آخر أمره ووفاته:
لم يَطُل بعمر بن عبد العزيز الأجل بعد أن تقلد الخلافة، لكنه ملأ سنوات حكمه القصيرة عدلاً ورحمة وزهدًا قلَّ أن يجتمع مثلها في حاكم، فلما جاءت ساعته، واشتدت به العِلّة، دخل عليه مسلمة بن عبد الملك وقال له: يا أمير المؤمنين! إنك قد أفقرت أفواه ولدك من هذا المال، وتركتهم عالة لا شيء لهم، فلو أوصيت بهم إليّ وإلى نظرائي من أهل بيتك.
فأمر عمر أن يُسند حتى جلس وقال: "أما قولك إنني أفقرت أفواه ولدي من هذا المال، فوالله ما منعتهم حقًّا هو لهم، ولا أعطيتهم شيئًا ليس لهم، وأما قولك لو أوصيت بهم، فإن وليي فيهم الله الذي نزّل الكتاب، وهو يتولّى الصالحين، بنيّ أحد الرجلين: إما رجل يتقي الله، فسيجعل الله له مخرجًا، وإما رجل مقيم على معاصي الله، فما كنت لأقوّيه على معاصي الله".
ثم بعث إلى بنيه – وكانوا بضع عشرة نفسًا – فلما نظر إليهم دمعت عيناه وقال: قال: بنفسي الفتية الذين تركتهم عيْلة لا شيء لهم، بلى بحمد الله قد تركتهم بخير، أي بَنِيَّ: إنكم لن تلقوا أحدا من العرب ولا من المعاهدين إلا كان لكم عليهم حقا، أي بنيَّ: إن أمامكم ميل بين أمرين، بين أن تستغنوا ويدخل أبوكم النار، وأن تفتقروا ويدخل أبوكم الجنة، فكان أن تفتقروا ويدخل أبوكم الجنة أحب إليه من أن تستغنوا ويدخل النار، قوموا عصمكم الله. (حلية الأولياء: 5/333، بتصرف)
وهكذا ودّع عمر الدنيا زاهدًا فيها، موقنًا أن ما عند الله خير وأبقى، وتوفي رضي الله عنه لعشر ليال بقين من رجب سنة إحدى ومائة، وهو ابن تسع وثلاثين سنة وأشهر، وكانت خلافته سنتين وخمسة أشهر، خرج منها كما دخلها: قلبٌ مُعلّق بالآخرة، ونفسٌ تواقة إلى لقاء الله.
فجزاه الله عن الأمة خير الجزاء، وجعل مثواه مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.

تعليقات