فلسفة الفشل من الهزيمة إلى بداية نجاح | فهد محمد العطاري


نشرت: يوم الثلاثاء،10-فبراير-2026

فلسفة الفشل من الهزيمة إلى بداية نجاح

هذا المقال من مجلة نفحات المدينة: 20

كم صادفتُ من إنسان رأيته يختبئ من الفشل كأنه قدر محتوم أو داء عضال لا شفاء منه؟ لكن هل تعلم من هو الفاشل حقًّا؟

أولا: الفشل ليس معناه "السقوط" بل هو جزء من رحلة الحياة، واختبار لنا لإظهار معدَننا.

فالفاشل ليس من يتعثر أو يواجه المصاعب، بل من يستسلم لها، أو من يرفض التعلّم، ويستبدل الحلول بالشكوى، ويعرض عن النصائح، ويترك ما أودع الله فيه من مواهب وقدرات بلا استثمار.

في هذا المقال سأبحث معًا في أعماق هذه الكلمة، لأكشف لكم عن أسباب الفشل الشائعة، وكيف يمكن أن يتحول الفشل من عثرة محبِطة إلى سلّم يقودنا نحو النجاح.

الفشل

كلمة الفشل كثيرًا ما تُثير في النفوس رهبة، فهي تحمل في طياتها ثقلاً نفسيًا يجعل الآمال تغور شيئًا فشيئًا، وعند سماعها يتبادر إلى الذهن "الإحباط والانكسار"، وكأنها جدار يسد الطريق، أو قدر محتوم لا مفرّ منه، ولكن هل الفشل فعلاً نهاية مطاف، أم أنه بداية جديدة تُرسم فيها ملامح النجاح؟

لقد أصبح عالمنا اليوم عالم منافسة محتدمة، لا مكان فيه للضعف أو التردّد، ويجد الكثيرون، وخاصة الشباب، أنفسهم في مواجهة صعوبات متكررة قد تُشعرهم بالعجز أو تفقدهم الثقة بأنفسهم، وعلى سبيل المثال نرى بعضهم لا يجتازون الامتحان الدراسي، أو وظيفة فشلوا في الحصول عليها، أو هدفًا لم يتحقق..

هذه المواقف ليست إلا جزءًا طبيعيًا من مسيرة الحياة، بل قد تكون وقودًا يدفع الإنسان إلى المضي قُدمًا إن هو أحسن التعامل معها.

فالفشل في حقيقته ليس سقوطًا نهائيًا، بل محطة توقُّف يراجع فيها المرء ذاته، ويعيد ترتيب أولوياته، ويستخرج منها دروسًا ثمينة تساعده على شق طريقه من جديد بخطى ثابتة وعزيمة قوية ..

إن أدركنا هذه الحقيقة فإننا سنُغيّر نظرتنا إلى الفشل تمامًا، فلا نراه وصمة عار، بل نعتبره تجربة ضرورية مكمّلة لتحقيق النجاح..

فبداية لابدّ أن نعرف ماهي الأسباب التي تجعلنا نفشل؟ وما العوامل التي تعيق تقدمنا؟

فإن الفهم الصحيح لهذه العوامل هو الخطوة الأولى لتحويل الفشل من هزيمة نفسية إلى مدرسة نتعلم فيها كيف نصنع النجاح.

من الأسباب التي يجهلها الكثير وهي كالآتي:

أولاً: اختيار الهدف الخاطئ

قد يكون اختيار هدف لا يتماشى مع اهتماماتك أو قدراتك هو الخطوة الأولى نحو الفشل، فحين يسلك الإنسان طريقًا لا يشبهه، يشعر أنه يجرّ قدميه نحو سراب، فعلى سبيل المثال، قد تكون شغوفًا بعلوم الحاسوب، لكنك تختار دراسة الطب فقط تحت ضغط العائلة أو المجتمع، فتجد نفسك في نهاية المطاف أمام طريق مسدود، الأهداف الحقيقية يجب أن تنبض من الداخل، وأن تكون منسجمة مع اهتماماتك وقدراتك العقلية والعملية.

ثانيًا: نقص التخطيط والإعداد

حتى لو كان الهدف واضحًا في ذهنك، فإن الطريقة التي تختارها لتحقيقه هي التي تحدد مصيرك.

كثيرون يفشلون لا لأن أهدافهم خاطئة، بل لأنهم لم يضعوا خطة واضحة للوصول إليها، فعلى سبيل المثال، إذا أردت أن تصبح ميكانيكياً للسيارات، فإن التعلم على يد خبير في هذا المجال خطوة لا غنى عنها، أما أن تبدأ بتجارب عشوائية دون تدريب كافٍ، فقد يقودك ذلك إلى نتائج عكسية وربما إلى الإحباط المبكر.

ثالثًا: تجاهل نصائح الخبراء

من أكبر الأخطاء أن يظن المرء أنه قادر على خوض الطريق وحده، تجاهل خبرات من سبقوك يجعلك تعيد التجربة من الصفر، وتدور في حلقة مفرغة من الأخطاء التي كان بالإمكان تفاديها بنصيحة صادقة أو توجيه حكيم.

رابعًا: فقدان الثبات والعزيمة

النجاح يتطلب عزيمة قوية ثابتة، فقطرة الماء المتساقطة باستمرار قادرة على إحداث ثقب في الصخر، لذا فالثبات على الهدف يمكن أن يحول المستحيلات إلى إنجازات..

خامسًا: إضاعة الوقت

الوقت هو أثمن ما نملك، فهو المورد الوحيد الذي لا يُعوّض، مثل عقارب الساعة التي لا تعود إلى الوراء كذلك نحن، فعلينا أن نغتنم لحظات العمر بحكمة وخطة معدّة، قبل أن تتسرب من بين أيدينا دون أن نشعر، فالنجاح لا يصنع سوى استثمار الوقت..

قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ. [ سنن الترمذي: 2417]

سادسًا: العمل بناءً على الحالة النفسية

الاعتماد على الحالة النفسية أو المزاجية في العمل على المدى البعيد، يؤدي إلى تشتت الأفكار وفقدان التركيز، فكم من شخص بدأ مشروعًا أو التزم بخطة معينة، ثم ما لبث أن توقف عنها لأن مزاجه قد تقلّب بين لحظة وأخرى، أو لأنه لم يشعر بالحماس الكافي!

النجاح لا يقوم على الرغبات المتقلّبة، بل على الانضباط والالتزام بمبادئ ثابتة، حتى في الأوقات التي نشعر فيها بالفتور أو التعب.

سابعًا: التوقعات غير المنطقية

من أكبر أسباب الفشل أن يضع الإنسان لنفسه توقعات أعلى بكثير من إمكانياته المتاحة، فبدل أن يسير بخطوات ثابتة نحو هدفه، يرفع سقف أحلامه إلى درجة يستحيل معها الوصول، فيصطدم بالواقع سريعًا، ويُصاب بالإحباط وربما يترك الطريق كله، والطموح مطلوب وضروري، لكنه لا يعني أن نقفز عشر درجات دفعة واحدة، بل أن نصعدها درجة بعد أخرى..

ولك أن تتخيّل أخي القارئ: بأن فلانا ما يريد أن يصبح رجل أعمال ناجحًا خلال أشهر قليلة، وهو لا يملك رأس مال ولا خبرة ولا حتى شبكة علاقات..

سرعان ما سيكتشف الهاوية بين توقعاته وواقعه؛ فينهار حماسه، بينما لو بدأ بخطوات صغيرة وكوّن خبرة عملية، ووفّر رأس مال متواضع، لوجد نفسه مع مرور الوقت يقترب من حلمه بثبات ونجاح.

ثامنًا: الخوف من الإخفاق

الفشل جزء طبيعي من مسيرة الحياة، كما أشرنا بدايةً، ولا يكاد يوجد ناجح لم يتذوق مرارة الفشل قبل أن يصل إلى غايته..

والفرق هو أن هؤلاء الناجحون لم يسمحوا للخوف أن يشلّ عزيمتهم، ولم يستسلموا عند أول سقوط، بل جعلوا من كل عثرة دافعًا للاستمرار، ومن كل عقبة حافزًا للثبات، فسعَوْا للمضي قدُمًا حتى بلغوا مرادهم..

وكما علمنا خير معلّم صلى الله عليه وسلم حيث قال:

الْمُؤْمِنُ الْقَوِي خَيْرٌ وَأَحَب إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَكُلٌّ فِيهِ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلَا تَعْجَزْ، فَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَّرَ اللهُ وَمَا شَاءَ فَعَلَ". [ السنن الكبرى،10386 ]

وهناك أسباب أخرى سأذكرها باختصار:

• التفكير دون فعل: الأهداف العظيمة تبقى مجرد أحلام إن لم ترافقها خطوات عملية وجدية نحو التنفيذ.
التراجع عند ظهور نتائج سلبية: النتائج السلبية ليست نهاية، بل فرص للتعلّم، والنجاح يتطلب الثبات والتحليل بدل التراجع السريع.
• رفض النقد البناء: الناجح يتقبّل النقد الواعي ليستفيد منه في تطوير عمله، لأنه وسيلة للتقدّم لا للهدم.

كان النبي ﷺ يقبل النصيحة والمشورة من أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين ففي غزوة بدر الكبرى أشار الحُباب بن المنذر رضي الله عنه على رسول الله ﷺ برأي عسكري حول موقع الجيش، فقال له النبي ﷺ: "لقد أشرت بالرأي" ثم أخذ ﷺ بمشورته وغيّر مكان الجيش. [ كتاب البداية والنهاية بتصرف: 5/81]

• القلق المفرط: التفكير الزائد واستباق النتائج قبل وقوعها قد يعرقل التقدم، بينما النجاح يحتاج هدوءًا وعقلانية في القرارات، وأخيرا عزيزي القارئ المهتم:

اِعلم أن الفشل ليس نهاية، بل بداية جديدة..

الفشل ليس عيباً أو عاراً، بل هو فرصة لكي تتعلم وتنمّي نفسك من جديد، فكل نكسة تحمل في طياتها درساً يصوبك نحو الأفضل، إذا أتقنت فن التعامل مع هذه التحديات بحكمة..

وتذكر يا عزيزي أن النجاح ليس مجرد حظ، بل هو نتيجة تخطيط وعمل، وثقة بالله تعالى..

إبدأ من حيث أنت، استخدم مواهبك، ولا تخف من العثرات..

كن متوكلا على الله سبحانه وتعالى في كل شؤونك الحياتية الظاهرة والباطنة، ولا تجعل اليأس بابا لك.. كن مثل الفهد الذي يخطط وينفذ بسرعة وحسم، وتيقن أن الله عز وجل سيمنحك التوفيق إذا أخلصت النية وعملت بجد..

فلنبدأ اليوم، خطوة بخطوة، نحو النجاح والارتقاء!

تعليقات



رمز الحماية