نبذة عن حياة أستاذ المدرّسين | أبو سفيان محمد راشد المدني


نشرت: يوم الإثنين،29-يونيو-2026

نبذة عن حياة أستاذ المدرّسين

هذا المقال من مجلة نفحات المدينة: 21

يُعدّ الشيخ من العلماء الربّانيين الذين جمعوا بين صفاء العقيدة، وعمق العلم، وحُسن العمل، فأثمرت حياتُهم علمًا نافعًا وتربيةً صادقةً وأثرًا باقِيًا في قلوب التلاميذ ومحافل العلم، وكان أستاذ العلماء، وإمام المدرِّسين في عهده.

وكان رحمه الله تعالى متضلِّعًا في العلوم العقلية والنقلية معًا، غير أنّه اشتهر شهرةً تامّةً في تدريس المعقولات، حتى عُدَّ من أئمّة هذا الفنّ في عصره، وتخرّج على يديه آلافُ العلماء، وانتشر أثره في البلاد تعليمًا وإرشادًا، إنه الشيخ العلامة عطا محمد الجِشْتِي البَنْدْيالْوِيُّ رحمه الله تعالى، وهنا أسجل بعض معالم سيرته، وأكشف جزءاً عن شخصيته العلمية والروحية، وتوثيق جهوده في التعليم والإصلاح.

اسمه ونسبه:

عطاء محمد بن غلام محمد رحمهم الله تعالى، ومن سمات نسبه أن نسبه يعود إلى سيدنا علي كرم الله وجهه، كما كتب في "ذكر عطاء في سيرة أستاذ العلماء".

مولده ونشأته:

وُلِد الشيخ رحمه الله في مضافات خوشاب التابعة لبنجاب باكستان، ونشأ في بيئةٍ دينيّةٍ أحاطته بروح العلم والتقوى منذ نعومة أظفاره، وتميّزت بالتمسّك بالدين، وحُبِّ العلم، واحترام العلماء، نشأ منذ صغره على الأخلاق الحميدة، وتعلّق قلبه بالقرآن الكريم، فحفظه في سنّ مبكرة، وبدأ يتلقّى مبادئ العربية والفارسية على أيدي شيوخ منطقته، وقد كانت نشأته في تلك البيئة الصافية ذات أثرٍ بالغ في تكوين شخصيته الزاهدة، وحبّه الصادق للعلم.

مرحلةُ تعلُّمه:

لم يكتفِ الشيخ بما حصّله في بلدته، بل شدّ الرحال إلى مراكز العلم، متنقّلًا بين الشيوخ والمدارس، ملازمًا مجالس الدرس، مواظبًا على القراءة والمذاكرة، صابرًا على مشقّة الطلب، فدرس علوم الشريعة على منهجٍ متين: من التفسير وعلوم القرآن، والحديث روايةً ودرايةً، والفقه وأصوله، والعقيدة، واللغة العربية وآدابها، وكان شديد العناية بالتثبّت في العقل، وتحرّي الدقّة في الفهم.

وكذا فضيلة الشيخ قد حمل همَّ الترحال باحثًا عن جهابذة العلماء ليتلقّى العلم عنهم، فقرأ جميع الكتب الدراسيّة وفق المنهج المعروف في شبه القارّة بـ الدرس النظامي على جمعٍ من الأعلام في مختلف أنحاء باكستان، ودرس العلوم النقليّة والفنون العقليّة لعشرة أعوام حتى أحاط منها بعلمٍ وافر، وقدِر على فهم غوامضها.

أساتذته وشيوخه:

أمّا شيوخه الذين تلقّى عنهم، فكانوا جبالَ المعارف وروضاتِ التقوى، وخيرةَ علماء عصرهم، وحملةَ لواء العلم في زمنهم، وهم بالترتيب الزمني:

  • الشيخ إلهي بَخْشْ (معناه: عطاء الله) (ت 1349هـ / 1931م) 
  • فقيه العصر الشيخ يَارْ محمدْ الجِشْتِي البَنْدْيالْوِيُّ (ت 1363هـ / 1947م)
  • العلّامة غلام محمود الجشتي الكَوْلَرَوِي البِبْلانْوِي (ت 1364هـ / 1948م) 
  • العلّامة مهر محمد بن عبد الله الجشتي الكَوْلَرَوِي (ت 1374هـ / 1954م) 
  • العلّامة محبّ النبي بن العلّامة أحمد الدين الجشتي الكَوْلَرَوِي (ت 1396هـ / 1976م) رحمهم الله تعالى.

ملامح شخصيّته العلميّة:

يبرز في سيرة الشيخ اتّزانٌ علميٌّ يجمع بين النصّ والفهم، وبين الأثر والنظر، دون إفراطٍ ولا تفريط كان يقدّم الدليل، ويُحسن عرضه، ويُربّي تلامذته على احترام الخلاف المعتبر، وعلى طلب الحقّ بالبيّنة والإنصاف، واتّسم أسلوبه بالوضوح، وترتيب الأفكار، وربط المسائل بأصولها، مع عنايةٍ خاصة بتقويم السلوك وترسيخ المقاصد الشرعية في النفوس.

سَمْتُه الروحي وخلقه:

كان الشيخ مثالًا في الزهد، والتواضع، وحسن المعاشرة، لا يرى لنفسه فضلًا، ولا يتقدّم على العلماء، ويُجلّ الصالحين، ويخدم طلابه بخلق الأبوة. واتّسمت حياته بالبساطة، والبعد عن مظاهر التكلّف، كما عُرِف بالمواظبة على الذكر والعبادة، وكان يرى أن صلاح العالم في إخلاصه، وأن بركة العلم في العمل به.

منهجُه في التعليم والتعلم:

انبرى الشيخ للعلم، وصرف همَّه كلَّه إلى العلم تدريسًا وتعلُّمًا، وآثر ذلك على الخطابة والوعظ وكثرة التأليف، وكان يرى أنّ طريقة العلماء الحقّة هي الطريقة الجامعة بين العلم والتزكية، وبين إنارة العقل وإشراق القلب؛ فلا علم بلا عمل، ولا تربية بلا تحقيق.

وضع الأستاذُ الكبيرُ رحمه الله للمعلّمين أسلوبًا مؤثِّرًا في التدريس يستنيرون به، بوصفه وسيلةً نافعةً وفعّالةً في تقريب المعاني إلى أذهان الطلبة، ولا سيّما عند دراسة كتب المعقولات المعقَّدة، كي يسدّ ثغرات الفهم التي تعوق التلاميذ عن التقدُّم، وقد كان هذا المنهج قائمًا على خطواتٍ دقيقةٍ ومتدرّجة:

قراءةُ الطالب للنصّ وتصحيح الأخطاء اللغوية والنحوية. بيانُ مقاصد المصنِّف وربطها بالدرس السابق. تقديمُ المقدمات الضرورية من القواعد والمعلومات. الشرحُ التحليليّ للنصّ كلمةً كلمة. مناقشةُ الاعتراضات الموجَّهة إلى المصنِّف. تحليلُ لغة العبارة وتحديد مراجع الضمائر والألفاظ الغريبة. الربطُ الوثيق بالنصّ جملةً جملةً.

وقد نهج على هذا الأسلوب كثيرٌ من الأساتذة من بعده، لما فيه من الدقّة المنهجيّة، وعمق الفهم، وسلامة التطبيق، ولا سيّما في علوم المعقولات.

عنايتُه بالحديث والفقه:

أولى الشيخ علوم الحديث عنايةً خاصّة، فكان يربّي طلابه على تعظيم السنة، وفهم علل الروايات، والجمع بين الرواية والدراية كما كان فقيهًا متضلِّعًا، يوازن بين النصوص، ويُحسن التخريج على القواعد، ويتحرّى مقاصد الشريعة في الفتوى، بعيدًا عن التشدّد المذموم أو التساهل الْمُخلّ.

تلاميذُه:

تخرّج على يديه جمعٌ غفير يتعذّر إحصاؤهم جميعًا، ربّاهم على التواضع والانكسار، ودلّهم على محبّة الله تعالى وتعظيم سيّدنا الحبيب ﷺ، وزيّنهم بأخلاق السلف الصالحين وهيبة العلماء العاملين، ولم يكن يسدّ باب دروسه في وجه طالب، موافقًا كان أو مخالفًا، بل ينصحه بعلمٍ ورفقٍ ولين.

ومن أبرز تلاميذه:

  • العلّامة غلام محمد بن غلام حيدر التونسوي البنديالوي النقشبندي، 
  • والعلّامة غلام رسول بن محمد منير الجشتي السعيدي شارح صحيحين، 
  • ومحمد بن محمد رحيم الجشتي الجترالي، 
  • وعبد الحكيم شرف القادري الرضوي الباكستاني، 
  • والمفتي عبد القيوم الهزاروي رحمه الله تعالى، 
  • والعلّامة الجليل سيّدي محمد أشرف السيالوي، 
  • والعلّامة الفقيه المفتي فضل سبحان القادري، 
  • والعلّامة المعمّر عبد الحق بن فقيه العصر يار محمد البنديالوي، 
  • والشيخ كُلْ محمد العتيقي، 
  • والشيخ غلام محمد النقشبندي الشرقبوري، 
  • والشيخ محمد محبّ الله النوري، 
  • والشيخ محمد يعقوب الهزاروي، 
  • والشيخ علي محمد أو علي أحمد السَنْدَيْلْوِي، 
  • والشيخ جانْ محمدْ من الكراتشي أم باكبتن، وغيرهم كثير، رحم الله من توفّي منهم، وبارك في أعمار من لا يزال حيًّا منهم.

مؤلَّفاتُه وآثارُه العلميّة:

مع شدّة انهماكه في التعليم، لم يخلُ تراثه من تصانيف ورسائل ومقالات علميّة نفيسة، دالّة على سعة علمه، وقوّة تحقيقه، وغزارة حفظه، في العقيدة والفقه والسياسة الشرعيّة والعلوم العربيّة، مقالاته المدونة في خمس مجلدات المسمى بـ"مقالات بنديالوي"، ومن أشهر مؤلَّفاته:

تحقيق قضيّة رؤية الهلال في الشريعة رسالة في عقيدة أهل السُّنّة والجماعة الديمقراطيّة البرلمانيّة الغربيّة في ضوء الشريعة الإسلاميّة الإمامة الكبرى وشرائطها الصرف العَطائي الدرس النظامي: ضرورته وأهميّته تحقيق وقت الإفطار نظام العدالة والفقه الحنفي مكانة شهادة المرأة لنفاذ الحدود الشرعيّة، وغيرها.

وتتميّز هذه المؤلَّفات والمقالات بالتحقيق والتأصيل، ووضوح العبارة وحسن الترتيب. (أكثر أسماء هذه الكتب معرّبة).

طريقته:

نال شرفَ السلوك في الطريق على يدِ سلطانِ العارفين، العلامة والصوفي بِيْرْ مِهْرْ علي شَاهْ رحمه الله تعالى، في كَوْلْهَرَا شريف.

بير مهر علي شاه رحمه الله تعالى (14 أبريل 1859 - مايو 1937)، زاهد وعالم وباحث وشاعر وصوفي من البنجاب باكستان، ينتمي إلى الطريقة الجشتية، وهو معروف بأنه عالم حنفي.

وفاتُه رحمه الله:

كلّ من وُلِد في هذه الدنيا لا بدّ له يومًا أن يرحل عنها… وقد قيل: "موتُ العالِمِ موتُ العالَم". توفي رحمه الله تعالى يوم الأحد 4 ذي القعدة 1419هـ الموافق 21 فبراير 1999م، الساعة التاسعة صباحًا، وانتقل إلى جوار ربِّه بعد حياةٍ عامرةٍ بالعلم والتعليم والخدمة، ودُفن في موضع ولادته في مضافات خوشاب في البنجاب بباكستان.

كتب مصنفة الترجمة العطرة له باللغة الأردية والعربية:

  • شمس العطاء (العربية) 
  • ذكر عطاء في سيرة أستاذ العلماء (الأردية) 
  • قرة عيون الأقيال في تذكرة فضلاء البنديال (الأردية)
  • تعارف علماء أهل السنة (الأردية)

ختامًا!

تعتبر سيرة هذا العلّامة نموذجًا للعالِم المربّي الذي عاش للعلم، فجمع بين التحقيق والتزكية، وبين إنارة العقول وبناء القلوب، وقد خلّف تراثًا علميًّا وتربويًّا يبقى شاهدًا على صدق مسيرته، ودليلًا على أنّ نهضة الأمّة إنما تقوم على أكتاف علماء ربّانيين يجعلون التدريس رسالة، والتأليف أمانة، وخدمة الدين مقصدًا.

تعليقات



رمز الحماية