مدونات مختارة مميزة
المدونات الأكثر قراءة
الوعي الديني ومسؤوليتنا (الجزء الثاني والأخير) | المفتي محمد قاسم العطّاري
هذا المقال من مجلة نفحات المدينة: 23
إجابات حول محبة المؤمنين لذوي الأرحام من غير المسلمين
لماذا أبيح نكاح الكتابيّة رغم حرمة صداقة ومحبة الكفار؟
الاعتراض:
من المعلوم أنّ القرآنَ المجيدَ قد نصَّ على جوازِ النكاح من نساءِ أهل الكتاب بشروطٍ معلومةٍ، و بغض النظر عن أمر الزوجة؛ فإن الإنسان إنما يختار الزوجة برغبته وإرادته، ولكن إذا نظرنا إلى الأقارب وذوي الأرحام من الأم، والأب، والإخوة والأخوات وغيرهم؛ نجد أن العلاقة بهم غير اختيارية؛ فالإنسان لا يقدر أن يتخذ بنفسه من شاء أبا له أو أما له، أو إخوة له، بل هذه القرابة تأتي بتقدير الله تعالى، ولا خيار فيها للإنسان.
بعد هذه المقدمة سنعود إلى الإشكال، وهو: أنه إذا أباح الإسلام زواج المسلم من المرأة الكتابية، فالحب الدائر بين الزوجين أمر فطري، وكذلك بقاء المودة من أقارب النسب غير اختيارية.
وفي الوقت نفسه، نحرم صداقۃ وموالاة غير المسلمين جميعا، فكيف يُفسر الجمع بين هذين الحكمين؟
الجواب:
هذا صحيح أن الإسلام قد أباح زواج المسلم من المرأة الكتابية، وحب الإنسان للوالدين وغيرهم من الأقارب أيضا أمر طبيعي حتى ولو كانوا من الكفار، رغم ذلك قد حرم الإسلام موالاة الكفّارِ ومودّتهم، ولِفهم هذا الحكم الشرعي، يرجى التأمل في بعض الآيات الكريمة ومدلولاتها، قال سبحانه وتعالى:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ [المائدة: 57]
فمن يجعل الدين لعبا واستهزاء حرّمت صداقتهم وموالاتهم في هذه الآية.
وإليكم الآن الآية الثانية التي تمنع اتخاذ بعض الأقارب وذوي القربى أولياء مصرحة بذكرهم، حيث يقول الله تعالى:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [التوبة: 23]
وها هي الآية الثالثة في هذا الباب، والتي تنص على أنه ليس من شأن المؤمن الحقيقي أن يواد أعداء الله ورسوله، كما ذكرت في سورة المجادلة:
لَا تَجِدُ قَوْمًا یُّؤْمِنُوْنَ بِاللّٰهِ وَ الْیَوْمِ الْاٰخِرِ یُوَآدُّوْنَ مَنْ حَآدَّ اللّٰهَ وَ رَسُوْلَه وَ لَوْ كَانُوْا اٰبَآءَهُمْ اَوْ اَبْنَآءَهُمْ اَوْ اِخْوَانَهُمْ اَوْ عَشِیْرَتَهُمْ [المجادلة: 22]
فاتضح لنا من خلال هذه الآيات أن الإسلام قد نهى نهيا قاطعا عن صداقةِ الكافرين ومودتهم. وأمَّا إذا تزوج مسلمٌ بغير مسلمة من أهل الكتاب، فمن الطبيعي أن تنشأ بينهما المودة والحب، وكذلك من تشرف بالإسلام من عائلةٍ غيرِ مسلمةٍ مع بقاء والديه أو إخوته على الكفر، فلن يزول من قلبه حبه لهم، وسيظل كما كان؛ فإن هذا الحب مبدؤه هو النسب والرحم.
هناك من يلتبس عليهم الأمر بأنه كيف يمكن الجمع بينهما؟ (فعاطفية غير اختيارية في ناحية، وأمر قطعي من الله تعالى في ناحية أخرى).
يُجابُ عليه أن حب المرء تجاه والديه، أو الأولاد والزوجة حب تلقائي غير اختياري، أي: لا دخل فيه للإنسان، فهذا النوع من الحب غير منهي عنه في الإسلام؛ فإن الله تعالى لا يكلف العباد ما لا يطيقون، كما قال تعالى في كتابه العزيز:
لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة: 286]
وهاهنا أمران: أولهما: أن هذا الجواز لا يفضي إلى جواز صداقة ومحبة جميع غير المسلمين. فهذه الرخصة تنحصر في الحب الغير الاختياري فقط، ولا تشمل الحب الاختياري، وصداقة جميع غیر المسلمین.
وثانيهما:
على الرغم من وجود العاطفة الطبيعية تجاه الزوجة غير المسلمة والوالدين غیر المسلمین، لا ينبغي التغاضي عن هذا الأمر بأنهم معرضون عن الإسلام، ويكذبون الله ورسوله ﷺ، ويكفرون بهما، ويعادونهما، ويعصونهما، ومن ثم فإن الله تعالى ورسوله ﷺ وملائكته أعداء لهؤلاء الكفار. فأولا: لا تغمضوا عيونكم عن هذه الحقائق. وثانيا: اعتبروا أن صداقة هؤلاء الأقارب أيضا محرمة. وأما المودة الفطرية تجاههم، فبقدر وسعكم حاولوا كتمانها قدر المستطاع، بل اسعوا إلى إطفاء تلك المحبة الطبيعية تماما؛ فإن المحبة الطبيعية تأتي من غير إرادة، لكن إزالتها أمر مقدور عليها، ومن أبقى في قلبه مثل هذه المحبّة الفطريّة عن قصدٍ فقد اختار الموالاة، وهي محرمة قطعا. (الفتاوى الرضوية، 14/465، ملخصًا)
حكم مشاركة الكفار في أعيادهم
السؤال:
هل تُشكِّل مشاركةُ المسلمين في الأعيادِ القوميّة والدينيّة لغيرِ المسلمين تهديدا على الإسلام؟
الإجابة:
الإسلام دين الحق الخالص، والكفر باطل محض، فإذا اختلط الحق بالباطل كيف لا يتضرر؟
وإذا كانت المؤسساتُ التعليميةُ في الدول الإسلامية تحتفل بالأعياد الوطنية والدينية لغير المسلمين احتفالًا واسعًا، ويشاركُ الطلابُ والطالباتُ المسلمون فيها بجرأةٍ واندفاع، فإن هذا يتعارض مع التوجيهاتِ الإسلاميةِ الأساسيةِ في كيفيةِ التعاملِ مع غيرِ المسلمين، وحينئذٍ لن يبقى في قلوب المسلمين ما ينبغي أن يكون فيها من كراهيةِ الكفرِ والنفورِ من أهله كما أمر به الإسلام. وهذا مما يعرض إيمان المسلم للخطر، ومن الأدلة الظاهرة على تحقق هذا الخطر أن الذين يشاركون غير المسلمين في مثل هذه المناسبات تضعف في قلوبهم تعظيم شعائر الإسلام تدريجيا، وتقل مكانة الأحكام الشرعية، وتزول كراهية الكفر وآثاره من نفوسهم، كما يظهر في المشاهدة. فيجب على كل مسلم أن يتبع الإسلام اتباعا كاملا، وليس من شأن المسلم أن يحدد الإسلام على نطق الشهادتين أو أداء بعض الأعمال الدينية فحسب، وهو يعيش حالة زول كراهية الكفر والشرك من قلبه، وأمر الله تعالى بيّن فيه، قال تعالى:
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱدۡخُلُواْ فِي ٱلسِّلۡمِ كَآفَّةٗ وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٞ [البقرة: 208]
ومن هنا يتبيّن أن محبة الإسلام، وكراهية الكفر كراهية شديدة من أهم أصول الدين، بل هو الفاصل بين الإيمان والكفر، ولذلك لا ينبغي التساهل والإهمال في هذا الباب، بل إن حديث النبي ﷺ زجر بليغ لمن يشارك غير المسلمين في أعيادهم: مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ. (أبو داوود، 4/62 (4031))
وأما فيما يتعلق باتخاذ الشعائر أو بالاحتفال بالأعياد الدينية لأي قوم من الكفار، فقد قال عنه أحمد بن محمد الحموي: اتفق مشايخنا أن من رأى أمر الكفار حسنا فقد كفر. (غمز عيون البصائر في شرح الأشباه والنظائر،2/88 )
يقول البعض:
إن الإسلام هو دين الله تعالى، وقد تكفل بحفظه، فلماذا نخاف عليه؟
الإجابة:
إن الإسلام هو دين الله تعالى، ولكن هل يعني ذلك أن تتخلى الأمة الإسلامية عن مسؤوليتها؟
وتترك الدعوة إلى الإسلام، والنهي عن الكفر والشرك، والأمر بالمعروف؟ وإذا كان الله قد تكفل بحفظ دينه فلماذا بعث هذا العدد الكبير من الأنبياء عليهم السلام؟ ولماذا أرسل سيدنا موسى عليه السلام إلى فرعون، ولماذا أمر سيدنا محمد المصطفى ﷺ بقتال الكفار؟ ولِمَ تَحَمَّل الصحابة رضي الله عنهم والأولياء مفارقة الأهل والوطن، وسافروا في سبيل نشر الدين وحفظه؟ ثم لنسأل المعترض: أليس الرزق كذلك على الله تعالى؟ كما قال تعالى في كتابه العزيز:
وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا [هود: 6]
وبعد قراءة هذه الآية هل يقول المعترض أنه سينتظر رزقه في بيته، أم هو يسعى في طلبه؟ فإن يخرج من بيته سعيا لطلب الرزق، فأسأله: أليس الله هو الرزاق وقد ضمن لنا الرزق، كما أخبرنا في القرآن، فلماذا هذه المشقة كلها في السعي؟
لكننا في الواقع نرى أن الناس قد جعلوا الدين أمرًا هينًا، واعتنوا في شؤون حياتهم اعتناء كبيرا، فإذا كان الأمر يتعلق بحفظ الدين يقولون: إن الدين لله، وهو من يتولى بحفظه.
والحقّ أنّ التمسك بالدين وخدمته من توفيق الله تعالى، وسعادة المرء بهذا الالتزام، والله يوفق من يشاء لخدمة دينه.

تعليقات