شمولية الرحمة المحمدية لجميع الأنبياء عليهم السلام | الشيخ المفتي قاسم العطاري حفظه الله


نشرت: يوم الإثنين،07-سبتمبر-2026

 شمولية الرحمة المحمدية لجميع الأنبياء عليهم السلام

هذا المقال من مجلة نفحات المدينة: 23

قال الله سبحانه وتعالى:

وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ [الأنبياء :107]

التفسير:

إنَّ سيّدنا محمدًا المصطفى ﷺ، رحمةٌ لجميعِ الأنبياء والمرسلين والملائكة ، كما أنَّه رحمةٌ للجنِّ والإنس، وللمؤمن والكافر، بل ولسائر الحيوانات والنباتات، فكلُّ ما يندرج تحت لفظ "العالمين" فإنَّه ﷺ رحمةٌ له.

وقد قال الشيخ أحمد رضا خان رحمه الله تعالى: العالَم هو ما سوى الله تعالى، فيدخل فيه الأنبياءُ والملائكةُ، فلا محالة أنّ رسول الله كان رحمة لهم ونعمة ربانية، وهم جميعًا مُستفيضون من أنوارِ فيضِه ﷺ، وقد صرّح الأولياء الكاملون والعلماء العاملون بالدين؛ أنَّ كلَّ نعمةٍ ظفر بها أحد من الخلائق فيما مضى أو ينالها في الحاضر، أو سيفوز بها في المستقبل، منذُ الأزل إلى الأبد، في الأرض والسماء، وفي الأولى والآخرة، وفي الدين والدنيا، وفي الروح والجسم، سواء كانت صغيرة أو كبيرة، قليلةً أو كثيرة، فإنّما قُسمت وتُقسَم وستقسم من الحضرة النبوية المباركة، فما انقسم خير قط إلا من بابه. (الفتاوى الرضوية، رسالة تجلّي اليقين، 30/141)

وقد دلّت الآية المباركة المذكورة على أفضليَّة النبيِّ الكريم ﷺ على سائر المخلوقات بأسرها، وقد قال الفخر الرازي r: أجمعت الأمة على أنّ سيدنا محمدا ﷺ أفضل من الكلّ لأنه لما كان رحمة لكل العالمين لزم أن يكون أفضل من كل العالمين. (التفسير الكبير، 2/521، مختصرا)

سيد الأنبياء ﷺ رحمةٌ لهم وبركةٌ

إنّ سيدنا محمدا المصطفى ﷺ هو بركة ورحمة ووسيلة مقرّبة إلى الله لجميع الأنبياء عليهم السلام إذ أخذ الله عليهم الميثاق أن يؤمنوا به وينصروه، كما في قوله تعالى:

وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ لَمَآ ءَاتَيۡتُكُم مِّن كِتَٰبٖ وَحِكۡمَةٖ ثُمَّ جَآءَكُمۡ رَسُولٞ مُّصَدِّقٞ لِّمَا مَعَكُمۡ لَتُؤۡمِنُنَّ بِهِۦ وَلَتَنصُرُنَّهُۥۚ قَالَ ءَأَقۡرَرۡتُمۡ وَأَخَذۡتُمۡ عَلَىٰ ذَٰلِكُمۡ إِصۡرِيۖ قَالُوٓاْ أَقۡرَرۡنَاۚ قَالَ فَٱشۡهَدُواْ وَأَنَا۠ مَعَكُم مِّنَ ٱلشَّٰهِدِينَ ٨١ فَمَن تَوَلَّىٰ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ [آل عمران: 81-82]

فكان إيمان الأنبياء به ونصرتُهم له رحمةً عظيمة لهم، وسببا جليلا للقرب من الله ورضوانه.

وقد صحّ عن علي وابن عباس رضي الله عنهم: ما بعث الله نبيًّا من الأنبياء إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به، ولينصرنه، وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته. (جامع البيان للإيجي، 1/268، دار الكتب العلمية بيروت)

ويؤيد ذلك قولُ النبي ﷺ: لَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ، مَا حَلَّ لَهُ إِلَّا أَنْ يَتَّبِعَنِي. (مسند أحمد، 22/468، (14631) مختصرا، مؤسسة الرسالة)

وذكر الحافظ ابن كثير رحمه الله: الرسول محمد خاتم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه، دائما إلى يوم الدين، هو الإمام الأعظم الذي لو وجد في أي عصر وجد؛ لكان هو الواجب طاعته، المقدم على الأنبياء كلهم؛ ولهذا كان إمامهم ليلة الإسراء لما اجتمعوا ببيت المقدس، وكذلك هو الشفيع في المحشر في إتيان الرب جل جلاله لفصل القضاء بين عباده، وهو المقام المحمود الذي لا يليق إلا له، والذي يحيد عنه أولو العزم من الأنبياء والمرسلين، حتى تنتهي النوبة إليه، فيكون هو المخصوص به صلوات الله وسلامه عليه. (تفسير القرآن العظيم لابن كثير، 2/59)

النبيُّ ﷺ وسيلةُ الأنبياءِ إلى الله تعالى

إنّ سيدنا محمدا المصطفى ﷺ هو وسيلة القرب إلى الله تعالى للأنبياء والملائكة، كما في قوله تعالى:

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ يَبۡتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلۡوَسِيلَةَ أَيُّهُمۡ أَقۡرَبُ [الإسراء: 57]

وإنّ أقرب الخلق إلى الله تعالى هو من يتوسل به الأنبياء والملائكة، ولا شك قطعا أنّ سيدنا محمد ﷺ هو أقربهم إلى رب العالمين؛ فهو إذن الوسيلة العظمى للجميع، وأيّ رحمة أعظم من أن يكون ﷺ لهم وسيلة إلى القرب من رب العالمين؟!

علما أنَّ الظهورَ الكامل لكونه ﷺ وسيلة لجميع الأنبياء وسائرِ الخلائق سوف يظهر يومَ القيامة لجميع الخلائق، حين يَفزعُ الخلقُ إلى الأنبياءِ ، فيعتذرون، ويُحيلُ بعضُهم على بعض، حتى ينتهيَ الأمرُ إلى سيِّد الكائنات سيدنا محمد المصطفى ﷺ، كما ورد في الحديث الشريف: إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ مَاجَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ، فَيَأْتُونَ آدَمَ، فَيَقُولُونَ: اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِإِبْرَاهِيمَ فَإِنَّهُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ، فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ، فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُوسَى فَإِنَّهُ كَلِيمُ اللَّهِ، فَيَأْتُونَ مُوسَى فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِعِيسَى فَإِنَّهُ رُوحُ اللَّهِ، وَكَلِمَتُهُ، فَيَأْتُونَ عِيسَى، فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَيَأْتُونِي، فَأَقُولُ: أَنَا لَهَا، فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي، فَيُؤْذَنُ لِي. (صحيح البخاري، كتاب التوحيد، باب كلام الرب عزوجل يوم القيامة...إلخ 4/576-577، (7510)، مختصرا)

شهادته ﷺ للأنبياء يوم القيامة

إذا حضر الأنبياء بين يدي الله تعالى يوم القيامة وسألهم الله عن بلاغ الرسالة وأداء الأمانة، فإن التصديق لدعواهم في تبليغ الحق لن يكتمل أخيرا إلا بشهادة سيدنا محمد المصطفى ﷺ، كما صح في الخبر الذي رواه الإمام البخاري في صحيحه: يُدْعَى نُوحٌ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: هَلْ بَلَّغْتَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيُقَالُ لِأُمَّتِهِ: هَلْ بَلَّغَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: مَا أَتَانَا مِنْ نَذِيرٍ، فَيَقُولُ: مَنْ يَشْهَدُ لَكَ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ، فَتَشْهَدُونَ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ:

وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة: 143]

فَذَلِكَ قَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ:

وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة: 143]

شواهد جزئيةٌ على رحمته ﷺ للأنبياء

علاوة على ما تقدّم من دلائل كلية تثبت أنّ نبي الرحمة ﷺ رحمة لجميع الأنبياء؛ فإنّ هناك شواهد جزئية كثيرة، منها:

قبول توبة آدم عليه السلام بتوسّله بمحمدٍ ﷺ.

في الحديث الشريف: لَمَّا أَذْنَبَ آدَمُ الَّذِي أَذْنَبَهُ، رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى الْعَرْشِ، فَقَالَ: أَسْأَلُكَ بِحَقِّ مُحَمَّدٍ إِلَّا غَفَرْتَ لِي. (المعجم الأوسط، من اسمه محمد، 5/36، (6502) مختصرا)

جريانُ سفينة نوح عليه السلام باسمه ﷺ.

نقل الزرقاني : إنّ سفينة نوح جرت به(أي باسمه ﷺ) (شرح الزرقاني على المواهب، 4/238، دار الكتب العلمية)

سلامةُ إبراهيم عليه السلام من النار بنوره ﷺ

نقل شارحُ البخاري الإمام القسطلاني رحمه الله تعالى هذين البيتين لابن جابر: به قد أجاب الله آدم إذ دعا ... ونجّى في بطن السفينة نوح وما ضرت النار الخليل لنوره ... ومن أجله نال الفداء ذبيح

الخاتمة والدعاء:

نسأل الله تعالى أنْ يجعلَ لنا نصيبًا وافرًا من الرحمة الكاملة ومن نبيِّ الرَّحمة ﷺ، وأن يوفِّقَنا للعمل بتعاليمه الشريفة، والسير على هديه القويم، آمين بجاه خاتم النبيين ﷺ.

تعليقات



رمز الحماية