الغيرة المعتدلة صيانة للحُرمَات


نشرت: يوم السبت،29-يونيو-2019


مقدمة:

تعريف الغيرة: هي جزء من طبيعة الإنسان وجبلته، وهي خلق عظيم، وطبع كريم، وهي تتأثر بحسب البيئة والمجتمع، وتختلف شدة وقوة ما بين المجتمعات البسيطة القروية والبدوية، والمجتمعات المعقدة والكبيرة كالمدن، وبين المجتمعات المحافظة والملتزمة وكذلك المجتمعات التي يكثر فيها اختلاط الرجال والنساء.. وبين المجتمعات المتعلمة والمجتمعات الجاهلة.

الغيرة في الثقافة العربية:

العرب هم أكثر الأمم غيرةً، وليس أحدٌ أغْير منهم، وكان العربي يعتبر المرأة ذروة شرفه، وأغلى قيَمِه، فاستمات في الدفاع عنها (زوجةً وأماً، وابنةً وأختاً..) خشية أن يدنس شرفه، أو يمس عرضه..

ومن الغيرة تولَّد علم النسب، فحفظت العرب أنسابها، عبر القرون وما ضيعت شيئاً منها، والذي يعتبر من المقاصد العظمى للإسلام، ومن الكليات الكبرى للدين، (حفظ النسل) كما قرره علماء الفقه والأصول.

ومن الغيرة نشأ وأدُ البنات، فمن شدة غيرة العرب على نسائهم وخشيتهم من أن يخْدشْنَ بسوء، كان يَدفنُ الآباء بناتهم في التراب، فما أعظمه من فعلٍ، وما أكبره من جرمٍ، فأي قلبٍ يقدر على تقبّله، وأيّ عقلٍ يقدر على تخيّله، وهذا يظهر ما معنى الغيرة عند العرب، وما شأنها فيهم.

الغيرة في الإسلام:

والإسلام جاء ليُعْلي القيم، وليتمّم الأخلاق، كما قال رسول الله ﷺ:

(إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق) (السنن الكبرى للبيهقي: ٢٠٧٨٢)

فيقر ما صح، ويقوّم ما اعوج، ويتمم ما نقُص، فأثنى الإسلام على الغيرة وحمِدها، فالغيرة سببٌ في الحفاظ على الأسرة، وعلى المجتمع، فيغار الرجل على زوجه من مخالطة الأجانب، ويغار على محارمه من أن تظهر عورتهن، وفي الحديث الصحيح قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«ما أحدٌ أغيَر من الله أن يرى عبدَه أو أمَتَه تزني». (صحيح البخاري: ٥٢٢١)

من أجل ذلك حرم الزنا.

قال سعد بن عبادة رضي الله عنه: لَوْ رَأَيْتُ رَجُلًا مَعَ امْرَأَتِي لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ غَيْرَ مُصْفَحٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ ﷺ:

«أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ، وَاللَّهِ لَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي، وَمِنْ أَجْلِ غَيْرَةِ اللَّهِ حَرَّمَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَلاَ أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ العُذْرُ مِنَ اللَّهِ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ المُبَشِّرِينَ وَالمُنْذِرِينَ، وَلاَ أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ المِدْحَةُ مِنَ اللَّهِ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَعَدَ اللَّهُ الجَنَّةَ». (صحيح البخاري: ٧٤١٦)

ونقّى الإسلام الغيرة وشذبها، وأزال ما عليها من أخطاء وشطط، فحرم وأد البنات، قال تعالى:

(وَإِذَا ٱلۡمَوۡءُۥدَةُ سُئِلَتۡ بِأَيِّ ذَنۢبٖ قُتِلَتۡ) (التكوير: ٨ - ٩)

ولعظم الغيرة عند العرب كان ﷺ يربط محارم الله بالغيرة التي بين صدور الرجال، أو بمعنى آخر كان يُعلي من الغيرة، ويوسع دائرتها ويقوّمها على الصراط المستقيم، فالغيرة مفهوم كلي يشتمل على الدين ومنضبطاً به، فيغار المسلم على دينه كله، والذي منه غيرته على نساءه، يغار على (أمر الله) ولا يضيعه ولا يتهاون فيه، فالتهاون فيه كتهاون الرجل في عرضه، ويغار على (نهي الله) فلا يقترب منه، فالاقتراب منه كاقتراب نساءه على الفواحش، عَنْ أبي هريْرَة رضي الله عنه، عن النبيِّ ﷺ قَالَ:

«إِنَّ اللَّهَ يَغَارُ، وَغَيْرَةُ اللَّهِ أَنْ يَأْتِيَ المُؤْمِنُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ».(صحيح البخاري: ٥٢٢٣)

فإذا كانت غيرة الرجل أن يفتك بمن اعتدى على عرضه، وأن يدفن فلذة كبده، فكيف بغيرة الله تعالى وهو أعظم وأجل، وهو ذو القوة والجبروت، والبطش الشديد؟!!

فالحذر الحذر يا عباد الله!

الغيرة في مجتمعاتنا:

قيل: كل أمة وُضعت الغيرة في رجالها، وضعت الصيانة في نسائها، فإذا ما نظرت في مجتمعاتنا اليوم، ورأيت السفور وكشف العورات، والانفلات الأخلاقي، علمت أن الغيرة قد خفت جذوتها، وأن طباع الناس قد فسدت، وما عادت تلك الحمية في الرجال، ولا عاد الرجال رجالاً، وهذه والله طامة كبرى، ومصيبة تضرب المجتمع في أساسه، فعلينا أن نعمل على غرس الدين في قلوب الناس، وتعظيم فضل الفرائض الشرعية والإتيان بها، وتعظيم قبح المحرمات والاقتراب منها، وتعظيم الأخلاق الكريمة، والصفات النبيلة، من خلال منهج تربوي كامل، يثمر جيلاً يتصف بالعزة والكرامة، ويتخلق بالإباء والشجاعة، يتغنى بالقرآن، ويتحلى بالسنن، يحيا كما يحب الله تعالى ورسوله الكريم صلى الله تعالى عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فتلكم الغيرة فتلكم الغيرة!

تعليقات



رمز الحماية