منهج الإمام الشيخ عبد القادر الجيلاني في التربية والتعليم


نشرت: يوم الأَحد،08-ديسمبر-2019


في مقالات سابقة تحدثنا عن حياة الشيخ عبد القادر الكيلاني (الجيلاني) وعن نسبه وشجرة نسب عبد القادر الجيلاني وسيرته وذكرنا أن سيرة الشيخ عبد القادر الجيلاني سيرة إمام وعارف وقدوة بحقٍ، عُرِفتْ بالإصلاح والتجديد والتصحيح، وعَرَفنا من هو عبد القادر الجيلاني من حيث النسب وأنه ينتسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكرنا أن كرامات الشيخ عبد القادر الجيلاني شهيرة وكثيرة وكان لا يلتفت إليها، وأنه سلطان الاولياء، ومرجعهم، وأن الطريقة القادرية ترجع نسبتها إليه وهكذا..

لكننا في هذا المقال سنذكر لمحة موجزة عن منهج الإمام عبد القادر الجيلاني في التربية والتعليم والتزكية والإصلاح والتجديد، وإذا تابعت معي قراءة المقال ستجد في نهايته أنه يلزم علينا أن نحيي منهج هذه المدرسة في عصرنا ونكررها، ونستقي منها الأفكار ومشاريع الإصلاح العلمي والاجتماعي، لأنه تجربة صالحة ناجحة ظهر أثرها في المجتمعات عبر العصور، وأن مدارس الشيخ عبد القادر الجيلاني الإصلاحية كانت منارات هدى في ميادين متفرقة في الحياة.

كما ذكر الكاتب الدكتور ماجد عرسان الكيلاني رحمه الله تعالى في كتابه "هكذا ظهر جيل صلاح الدين وهكذا عادت القدس " أن هذه المدارس تأسست في بغداد، وتسلمت زمام القيادة لحركة الإصلاح والتجديد وركزت نشاطاتها في عدة ميادين:
الأول: تخريج القيادات اللازمة للعمل الإسلامي، ونشر رسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
الثاني: تنسيق العمل الإسلامي بين مدارسه المتعددة المتفقة معها في المنهج.
الثالث: وضع منهاج العمل التربوي والدعوي ورسم خططه وبرامجه.

عبد القادر الجيلاني والدعوة إلى الإصلاح:

بدأ مجلسه برجلين وثلاثة ثم تزاحم عليه الناس حتى ضاقت بهم المدرسة فصار يحضر مجلسه أكثر من سبعين ألف مستمع، فخرج إلى سور بغداد بجانب رباطه، ومنذ ذلك الوقت (٥٢١ هـ) بدأ أسلوباً جديداً يقوم فيه على أمرين:
• التعليم المنظم والتربية الروحية المنظمة وهو موضوعنا لهذا المقال.
• والوعظ والدعوة بين الجماهير.

أولاً: التعليم والتربية:

أتم بناء مدرسته عام ٥٢٨ هـ / ١١٣٣م وجعلها مركزاً لنشاطات عديدة منها التدريس والإفتاء والوعظ، وإلى جانب المدرسة كان هناك "رباط" يسكن فيه الطلبة الوافدون من خارج بغداد.
وتدلّ الأخبار المتعلقة بالمدرسة على أنها لعبت دوراً رئيسياً في إعداد جيل يدافع عن دينه ووطنه، فتخرّج من مدرسة الإمام الجيلاني رحمه الله تعالى أجيال مؤمنة صالحة ومصلحة مثل جيل صلاح الدين ونور الدين الزنكي، أجيالٌ حمت البلاد من الأخطار.
ولقد قام أسلوب التدريس والتربية على مراعاة استعدادات كل طالب والصبر عليه، وأمضى الشيخ في التدريس ثلاثاً وثلاثين سنة بدأها عام ٥٢٨ هـ/١١٣٣ م حتى وفاته عام ٥٦١ هـ / ١١٦٦ م.
إن التحليل الدقيق للنظام التربوي الذي طبَّقه الشيخ عبد القادر يكشف تأثّره الكبير بالمنهاج الذي اقترحه الإمام الغزالي رحمه الله تعالى، فقد وضع الشيخ منهاجاً متكاملاً يستهدف إعداد الطلبة والمريدين علمياً وروحياً واجتماعياً، ويؤهلهم لحمل رسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

بعض تفاصيل هذا المنهج في المدرسة القادرية (الطريقة القادرية):
١) : الإعداد الروحي

يستهدف تربية إرادة المتعلم أو المريد حتى يصبح صفاء بلا كدر، ويصير مع النبي- صلى الله عليه وسلم- في عقله ومشاعره، ودليله وقدوته، ولكي يصل المتعلم إلى ذلك عليه أن يلتزم السنة في كل شيء، وأن يتّصف بصفات أساسها المجاهدة والتحلي بأعمال أولي العزم، ومن هذه الأعمال:
١. ألا يحلف بالله عز وجل صادقاً أو كاذباً، عامداً أو ساهياً.
٢. أن يفي بوعوده، وأن يعمل على ترك المواعدة أصلاً؛ وذلك أضمن له من الوقوع في الحلف والكذب.
٣. أن يتجنّب لعن شيءٍ خلقه الله، ويبتعد عن إيذاء ذرة فما فوقها.
٤. أن يترك الدعاء على أحد وإن ظلمه، فلا يقطعه بلسانه أو قول أو فعل.
٥. أن يتجنّب النظر إلى المعاصي وأن يكف جوارحه عنها.
٦. أن يتجنّب الاعتماد على الخلق في حاجته صغرت أو كبرت.
٧. أن يقطع طمعه من الآدميين فذاك الغني الخالص والعز الأكبر والتوكل الصحيح.
٨. التواضع وبه تعلو منزلة العابد ويرتقي.
وهناك ممارسات روحية تتعدّى النطاق الفردي إلى ممارسات جماعية يشترك فيه الأتباع بإشراف الشيخ، من ذلك مجالس الذكر والعبادة المشتركة والاعتكاف وغيرها.

ويرافق هذه الممارسات العملية دراسات نظرية حول مقصود المجاهدات والعبادات التي يمارسها المريد في حياته اليومية، وبذلك أقام التزكية الروحية على قاعدة فكرية تستهدف إقناع المريد بما يمارسه. ويوّجه المريدين على الالتزام بأوراد السنة النبوية الصباحية والمسائية التي عُرفت فيما بعد بأوراد الطريقة القادرية ومصدرها السنة الشريفة.

٢): الإعداد الاجتماعي:

يستهدف هذا الإعداد توثيق العلاقات بين الأفراد والجماعات والقضاء على أسباب التفكك الذي ساد المجتمع المعاصر.

وشمل هذا الإعداد؛ تنظيم حياة المريد الخاصة، وعلاقات المريدين بالقيادة المتمثلة بالشيخ، وعلاقة المريدين بعضهم ببعض، وعلاقاتهم بالمجتمع.

وأن توفّق يا ربَّنا من قرأ هذه المقولة لأن يعمل بها وينشرها في حبّ سيدنا محمد صلّى الله عليه وآله وصحبه وسلّم تسليماً كثيراً.

• علاقة المريد والطالب بالشيخ:

١- طاعة الشيخ في الظاهر والباطن فيما تأمر به الشريعة ولا يتجاوز حدودها، وألا ينقطع عن صحبته ومواصلته.
٢- أن يستشيره في جميع شؤونه.

• علاقة الشيخ بالمريد والطالب:

١- المعاملة بالحكمة والشفقة.
٢- أن يؤدّبهم ابتغاء مرضاة الله.
٣- أن يكون لهم ملجأ وسنداً ودرعاً.

• علاقة المريدين ببعض:

١- أن يخدم الفرد منهم الآخرين في جميع حالاتهم ويسعى في قضاء حاجاتهم.
٢- ألا يري لنفسه على أحد حقاً، ولا يطالب أحد بحق.
٣- إظهار الموافقة لهم في جميع ما يقولون أو يفعلون.
٤- أن يتأول مخالفاتهم ويتلمس الأعذار لهم، ولا ينافرهم، ولا يجادلهم، وأن يتعامى عن عيوبهم.
٥- أن يجتنّب فعل ما يكرهون ويحفظ مودتهم.
٦- ألا يحقد على أحد منهم، وإذا خامر قلب واحد منهم كراهة له يتودد لهم حتى يزول ذلك، ويتحاشى إيذاءهم أو غيبتهم.
٧- على الغني منهم أن يؤثر الفقراء على نفسه دون أن يرى له بذلك فضلاً.
٨- ألا يمنع أدواته عن إخوانه، وإن استعار شيئاً رده، وينظر على ما في يده أنه ملك لله.
٩- إذا نزل رباطاً أو مدرسة تأدب مع الشيخ والمريدين ولا يكثر النوافل بين أيديهم ولا يكلمهم بأمور الدنيا، وأن يصاحبهم بآداب الشرع في كل أحواله.

• علاقة الطلبة والمريدين بالمجتمع المحلي:

١- يوالي الأشخاص ويجافيهم حسب طاعتهم لله عز وجل أو معصيتهم له سبحانه.
٢- ألا يخالط المقصرين وينفر من البطالين، ولا يعادي الناس وإنما المقصود موالاة القلب وبغضه.
٣- أن يعامل الناس بالشفقة والرحمة، ويحفظ حرماتهم ويصبر على سوء أخلاقهم، ولا يستغيبهم ولا يتبع عوراتهم.
٤- أن يصلي أربع ركعات يجعل ثوابها لمن خاصمه منهم آملاً أن يكفيه الله أمرهم يوم القيامة.

هكذا كانت مسيرته رحمه الله تعالى في التعليم والتربية وتقوية الروابط الاجتماعية من خلال الالتزام بالدين والقضاء على الجهل، وربط المؤمن بالخالق، وتحسين علاقته مع الخلق.

ثانياً: الوعظ:

بالرغم من اشتغال الشيخ عبد القادر الجيلاني بالتدريس وإعداد المربين، فإنه لم ينقطع عن مجالس الوعظ العامة التي استهدفت إيصال دعوته إلى عامة الناس، فخصّص لذلك ثلاثة أيام في الأسبوع، وكان موضوعاتها تدور حول:
• إصلاح الحكام، فحذر الناس من الانصياع لهم بما يخالف الشريعة، وكانت له مواقف عملية معهم.
• إصلاح الأخلاق الاجتماعية المعاصرة الفاسدة.
وعمل على الدعوة إلى إنصاف الفقراء وجعل الاهتمام بشؤونهم، كما وضّح لعدم التفرقة بين الغني والفقير وأن ذلك من شروط تقدّم المريد في مقامات التزكية.

ثالثاً: إصلاح التصوف

تمثلت جهود الشيخ في هذا الميدان فيما يلي:
تنقية التصوف مما طرأ عليه من انحرافات في الفكر والممارسة، ورده إلى وظيفته الأصلية كمدرسة تربوية هدفها الأساسي غرس معاني التجرد الخالص والزهد الصحيح.

وقد حمل في مواعظه وكتبه على من تلبّسوا بالتصوف أو شوهوا معناه، وأكّد على النهوض لحمل رسالة الإصلاح، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأنه ضرورة أساسية لبقاء المجتمع وسيادة الخير فيه. فإن تُرك تطرق الفساد إليه، وهو واجب على كل مسلم ولكل حسب مستواه ودوره.

وجعل من صفات القائم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

• أن يكون القائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عالماً.
• أن يكون عالماً بالمنكر الذي ينهى عنه على وجه قطعي.
• أن يكون قادراً على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على وجه لا يؤدي إلى فساد عظيم وضرر في نفسه وماله وأهله، وشرط القدرة هذا إنما يتحقق بأمرين:
١) أن يكون الغلبة لأهل الصلاح وعدل السلطان وإعانة الخير.
٢) أن يكون الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر من أهل العزيمة والصبر.

أساليب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

١. أن يستعمل اللين والتودد لا الفظاظة والغلظة.
٢. أن يأمر العاصي وينهاه في خلْوة.
٣. ألا يخوض في مسائل الاختلاف أمام من لا يعتقدونها.

العمل والإخلاص:

بأن يفرد العبد القصد لله وإعزاز الدين دون رياء أو سمعة أو أنانيّة أو حمية للنفس، وأن يعمل بما يأمر وينتهي عما ينهى عنه.

أخي القارئ الحبيب: لم نتعرّض لكامل منهج الشيخ الجيلاني في دعوته وطريقته التي تسمى بالطريقة القادرية التي تفرَّعت وانتشرت ضمن مدراس المسلمين في العالم، ولذلك كان دوره يتّسع لأكثر مما ذكرناه حتى عمّ نشاطه الأرياف والبوادي، وأثّر في جميع شرائح المجتمع، وعمل على إصلاحها ومن هنا يتضح لك سبب من أسباب شهرته وانتشار صيته ومدرسته ومريديه، إنها مدرسة قادرية فريدة، وطريقة على منهاج النبوة في إصلاح الأمة، وقد توسّع الشيخ ماجد عرسان الكيلاني في كتابه "هكذا ظهر جيل صلاح الدين وهكذا عادت القدس" الذي اقتبسنا منه مقالنا واختصرنا مواضيعه من كتابه وقد ذكرها الشيخ التادفي الحنبلي في قلائد الجواهر وصاحب شذرات الذهب وسبط ابن الجوزي وغيرهم بشكل مجمل، كما أن كتب الشيخ عبد القادر الجيلاني تعرضت لذكر بعض هذا المنهج، وأقوال الشيخ عبد القادر الجيلاني تشهدُ بهذا المنهج الفريد، ولذلك فإن سيرة عبد القادر الجيلاني سيرة تستحق التأمل والتحليل لنعيد تجربتها في أمتنا الحاضرة.

نسأل الله أن يعيد هذا المنهج العظيم في أمتنا، وأن يكرمنا بالصلاح والإصلاح مع الإخلاص إنه سميع مجيب والحمد لله رب العالمين.

تعليقات



رمز الحماية