مدونات مختارة
الأكثر شهرة
وهم التفوق | الشيخ أيمن ياسر بكار
على الرغم مما كرّم الله تعالى به الإنسان من بِنْيَة قويمة، وصفات كريمة، وتشريفاتٍ عظيمة، (كالعقل، والاختيار، ونفخ الروح) إلا أنه يبقى ضعيفاً، هلوعاً، واقعاً في الخطأ، كما بيّن ذلك رب العزة والجلال في محكم تنزيله، حيث قال:
﴿وَخُلِقَ ٱلۡإِنسَٰنُ ضَعِيفٗا ٢٨﴾
﴿إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ خُلِقَ هَلُوعًا ١٩﴾
وقوله ﷺ:
(كلّ ابن آدم خطّاء، وخير الخطّائين التوّابون)
ومن الأخطاء التي يقع فيها كثيرٌ من الناس، وتقلُّ المعلومات عنها، ما يعرف في زماننا بـ"وهم التفوق"، فما هو وهم التفوق، وما أنواعه وأمثلته، وكيفية الاحتياط منه؟
هذا ما سنتحدّث لكم عنه في هذه المقالة:
بدأت القصة في عام 1995 م عندما ألقت الشرطة القبض على لِصّ سرق بنكاً في النهار، وعلى مرأى من الناس، دون أي تنكر أو تغطية للوجه، فحققت الشرطة معه مستغربة هذه الجرأة، فقال بكل ثقة: إنه كان متخفياً ولم يره أحد، فأخرجوا له الصور من كاميرات المراقبة، فاستغرب وقال بثقة: كيف هذا لقد كنت متخفياً؟، فسألوه: كيف تخفّيت؟ فقال: دهنت وجهي بعصير الليمون، وقد علمت أنه يستخدم في الحبر السري، هذه الحادثة استوقفت العالمين ديفيد دانينغ وجوستين كروجر، فعكفا على البحث والدراسة لتنتهي تلك الرحلة العلمية في عام 1999 م مصدرة ما توصلت إليه من نتائج ، ثم صار يعرف اليوم بـــ(وهم التفوق أو تأثير دانينغ - كروجر).
وهم التفوق:
"هو انحيازٌ للنفس في تقدير الذات، وميل الأشخاص غير المؤهلين للمبالغة في تقدير مهاراتهم، وتضخيم إيجابياتهم، وتصغير وتقليل سلبياتهم"، وقد ورد مثل هذا في شريعتنا وهو ما يسمّى بـ"المتشبّع بما لم يُعْطَ" كما في الحديث قال سيدنا النبي ﷺ:
المتشبّعُ بما لم يُعْطََ كلابس ثوبَيْ زُوْرٍ
وفي حديث آخر:
ومن تحلّى بما لم يُعْطََ فكأنّما لبس ثوبَيْ زور
أي: المتكثّر بما ليس عنده بأن يظهر أن عنده ما ليس عنده، يتكثر بذلك عند الناس ويتزين بالباطل
كلابس ثوب زور وباطل وكذب، ومثله أيضا ما يعرف بـــ"الجهل المركب": هو الشخص الذي لا يعلم ولا يعلم أنه لا يعلم، أو هو الشخص الذي يعلم الأمور على خلاف حقيقتها ويلاحظ هذا الوهم في مجال المعرفة والمهارات، ومجال الدين والأخلاق.
وقد أظهرت الدراسات أنه كلما كان الشخص أقل كفاءة، زادت ثقته في أنه مُؤهِّل بالفعل، وكلما زاد جهل الشخص زادت ثقته بقدراته، ولتوضيح الأمر أكثر لاحظ كيف تكون نظرة الأب لابنه؟ يراه أفضل الأولاد، وأقواهم، وأذكاهم، وأنه مختلف عن الآخرين ومتميز عنهم، يراه هكذا ولو لم يكن في الواقع كذلك؛ لأنه كما يقال في المثل الشعبي اللطيف: (القرد في عين أمّه غزال)، فنظرته وتقيِيمه لابنه عاطفي، وليس منطقياً واقعياً؛ لأنه يوجد انحياز نفسي من الأب تجاه ولده، فيضخم له إيجابياته وقدراته، ويصغّر له سلبياته فإذا كانت نظرة الإنسان لابنه هكذا، فكيف بنظرة الإنسان إلى نفسه؟، وما مدى انحيازه لتزكيتها، لن يعطي لنفسه عشرة من عشرة، وإنما مائة من عشرة، سيرى لنفسه إيجابيات كثيرة، وقدرات عظيمة، ولا يرى أيّ سلبية أو جهل أو عيب فيه.
أضف إلى ذلك: أنّ الأمور التي يتجرأ عليها من علم أو مهارة يجهلها مما يؤدي إلى استسهالها، بإزاء ما تضخم وانتفخ لديه من نفس وقدرات، فيتكلم بكل ثقة ويصرّ عليه، فأصبح الناس كلهم أطباء وعلماء وشيوخ وأهل إفتاء إذن لا يدرك غير المؤهل كم هو غير مؤهل، ولا يشعر بأيّ ضيق أو انزعاج من الثناء على نفسه وأفعاله، ومن المبادرة إلى كل أمر يعرض أمامه، ويعتقد أن كل شيء من حقّه، فهو مزيج من (الجهل والجرأة).
وهذه الحالة تمنع غير المؤهل من رؤية وفهم صفات الأشخاص المؤهلين حقًّا، ومن الصعب جدًّا أن يعرف غير المؤهل أنه لا يعرف شيئاً، مثلاً يتكلم في حكم شرعي وقد خالف في كلامه قواعد أصول الفقه، فكيف له أن يعرف خطأه ومخالفته وهو لا يعرف شيئاً عن أصول الفقه، فلا يمكن له معرفة ذلك إلا إذا بدأ في تحصيل العلم.
ويقع الإنسان في الوهم في مجال الدين والأخلاق حيث يعتقد أنه أكثر صلاحاً وقرباً من الله تعالى من الآخرين، وأنه أكثر صدقاً وعدلاً وأمانةً من الآخرين، يضخم إيجابياته ولا يرى سلبياته، ويضخم سلبيات الآخرين ولا يرى إيجابياتهم "إلا بمقدار ما ينتفع منهم"، فيزكي نفسه ويعتقد فيها الصلاح، يعتقد أنه أكثر أخلاقية وطيبة وطهارة من الآخرين، ويسيء الظن بالآخرين ويزدريهم وينتقصهم.
للآسف !! هذا واقعنا، وهذه حال كثيرٍ منا،
﴿وَمَآ أُبَرِّئُ نَفۡسِيٓۚ﴾
وإذا بقينا على هذه الحالة من التعنّت وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعلى الدنيا السلام، فإننا مقبلون على أيام طَوَامٍ كما قال سيدنا النبي ﷺ:
إذا رأيتَ شُحّا مُطاعا، وهوًى متّبعًا، ودنيَا مُؤْثَرَة، وإعجابَ كل ذي رأي برأيه، فعليك بخاصة نفسك ودعَِ العوامَّ، فإن من ورائكم أيّاماً الصبرُ فيهن مثلُ القبضِ على الجمرِ، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عملكم
فما الحلّ وما العلاج لهذه المشكلة؟
خطوات العلاج:
* لا تتكلم في غير تخصّصك، ولا تتكلم في أمور لم تتعلّمها أو لم تتدرّب عليها.
* احترم أهل الاختصاص وقدرهم أيًّا كان الاختصاص ما دام نافعًا للناس ومشروعًا.
* ارجع لأهل الاختصاص: الموضوع الذي يعرض عليك لا تتسرع وتتكلم فيه، فالأمور العلمية يرجع فيها إلى أهل العلم:
﴿فَسۡـَٔلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلذِّكۡرِ إِن كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ٤٣﴾
والأمور العملية والتي تحتاج إلى خبرة يرجع فيها إلى أهل الاختصاص:
﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثۡلُ خَبِيرٖ ١٤﴾
* أحسن الظن بالآخرين: تغافل عن أخطائهم، وغضّ زلاّتهم، واحفظ فضلهم وإيجابياتهم وأفعالهم الحسنة.
* اتهم نفسك دائماً وأبداً: ولا تقبل منها تزكيةً لك، وانْسَ ما تفعله من خير، وتذكر دائماً أخطاءك وعيوبك.
* العلاج الوحيد والدواء الأهمّ: مصاحبة شيخٍ صالحٍ من أهل التربية، فهذه الحل الذي قد يكون هو الوحيد، فهو مؤهلٌ ومؤذونٌ في تربية النفوس وتهذيبها وتزكيتها، بحيث يخلصها من الصفات الذميمة، ويحليها بالصفات الحميدة، ويجعلك تتحقق بالنقاط التي ذكرت آنفاً، حتى إنّ أهل العلم والاختصاص يقعون في "وهم التفوق"، وهو مشاهد وهم كذلك بحاجة لصحبة شيخ تربية وتوجيه، ليتمّ لهم تمام التربية والنفسية الحسنة، وكمال الصفات الأخلاقية.
وفي الختام:
أدعو القارئ العزيز لأن يستحضر نفسه، ونظرته إليها، وتصوّره عن علمه وتديّنه وأخلاقه وصلاحه ومكانته، ويستحضر اطمئنانه بدخول الجنة.
أدعوك عزيزي القارئ! إلى استحضار كل ذلك، ثم قراءة ما سأسرده لك من أقوال وأحوال السلف الصالح، حتى يتضح حجم وعمق المشكلة التي نعاني منها:
1) يقول سيدنا سحنون بن سعيد رحمه الله تعالى:
أجرأ للناس على الفُتْيا، أقلّهم علماً. يكون عند الرجل باب واحد من العلم، فيظن أن الحق كله فيه
2) يقول سيدنا عبد الرحمن بن أبي ليلى رحمه الله تعالى:
أدركتُ عشرين ومائة من أصحاب النبي ﷺ، فما كان منهم مُحدِثٌ إلا ودّ أنَّ أخاه كفاه الحديث، ولا مفتٍ إلا ودّ أنّ أخاه كفاه الفُتْيا
3) وسئل سيدنا مالك رضي الله تعالى عنه عن مسألة فقال:
(لا أدري)، فقيل: هي مسألة خفيفة سهلة، فغضب وقال: مسألة خفيفة سهلة؟! "ليس في العلم شيء خفيف"
4) قال سيدنا شعيب بن حرب رحمه الله تعالى:
بينا أنا أطوف بالبيت إذا رجلٌ يمدُّ ثوبي من خلفي فألتفتُ فإذا بفضيل بن عياض، فقال: لو شفع فيّ وفيك أهل السماء كنا أهلاً أن لا يشفع فينا
5) وقال العلامة الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى: من أراد أن ينظر إلى مراءٍ فلينظر إليّ
ورحم الله الشافعي رحمه الله تعالى حيث أنشد يقول:
أحــــــــبّ الصالــــحين ولستُ منهم *** لعليّ أن أنال بهم شفاعة
وأكره من تجـــــارته المعاصي *** وإن كنّا سواء في البضــــاعة
6) وقال سيدنا محمد بن واسع رضي الله تعالى عنه: لو كان يوجد للذنوب ريح، ما قدرتم أن تدنوا مني من نتن ريحي
7) وكان سيدنا أبو مسلم الخولاني رضي الله تعالى عنه يعلّق سوطا في مسجده ويقول: أنا أولى بالسوط من الدوابّ
8) وقال سيدنا أبو يزيد البسطامي رحمه الله تعالى: ما دام العبد يظن أن في الخلق من هو شر منه فهو متكبّر
وإليك هذه المقولة التي تمثل صاعقة على رؤوسنا، وتكشف لنا حقيقة وهمنا وكبرنا وغرورنا:
سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، أمير المؤمنين ثاني الخلفاء الراشدين، الفاروق، من أعزّ الإسلام، ووافقه القرآن، عندما أخبر سيدنا النبي ﷺ بأسماء المنافقين لحذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه ، جاء إليه عمر رضي الله تعالى عنه يسأله: هل أنا منهم؟ يعني من المنافقين، أو سمّاني لك رسول الله
أصلح الله تعالى أحوالنا وأحوال المسلمين، آمين .. آمين بجاه سيدنا النبي الأمين ﷺ.
#مركز_الدعوة_الاسلامية
#مركز_الدعوة_الإسلامية
#الدعوة_الإسلامية
#مركز_فيضان_المدينة
#مؤسسة_مركز_الدعوة_الإسلامية

تعليقات