التاجر الناجح والمجاهد الباذل | محمد إلياس السكندري


نشرت: يوم الإثنين،19-مايو-2025

التاجر الناجح والمجاهد الباذل

يقول الله عز وجل:

وَكُلّٗا نَّقُصُّ عَلَيۡكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِۦ فُؤَادَكَ [هود: 120]..

تلك القصص التي ساقها الله لنا في كتابه الكريم، من أنباء الرسل والأنبياء عليهم السلام وكذلك قصص الصالحين رحمة الله عليهم التي بين الله تعالى لنا في شتى الأماكن ليست مجرد سردٍ تاريخي، بل هي نورٌ يتسلل إلى القلوب، يعزِّز فيها الإيمان، ويمنحها الصبر واليقين في مواجهة التحديات، كما سئل الإمام الجنيد رحمه الله: مَا للمريدين فِي مجاراة الحكايات؟ فَقَالَ: الحكايات جند من جنود الله تَعَالَى، يقوّى بِهَا قلوب المريدين، فقيل لَهُ: فهل لَك فِي ذَلِكَ شاهد؟ فَقَالَ: نعم وتلا الآية السابقة (الرسالة القشيرية: 2/ 354).

قصصهم تُلهِمنا التأسِّي بهم، تُظهر لنا أبهى صور الإنسانية حين تتصل بالله، وتُشعل فينا الإرادة لنكون أفضل عند الله وعند رسول الله ﷺ، واثقين أن الله معنا، ففي هذا المقال، نسلِّط الضوء على طرفٍ من سيرة أحد عظماء الإسلام، رجلٍ جمع بين الغنى والشكر، وبين القوة والزهد، وبين المهارة في التجارة والكرم في الإنفاق، إنه سيدنا عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، أحد العشرة المبشّرين بالجنة، ومن السابقين الأولين إلى الإسلام، وركيزة من ركائز الدعوة المحمدية.

سيدنا عبد الرحمن بن عوف، الغنيُّ الشاكر، الذي وهبه الله مهارةً تجارية فريدة جعلته رمزًا للنجاح والثروة، لكنه لم يُسَخِّر تلك النعم إلا في طاعة الله وخدمة دينه.

كان كريمًا، متواضعًا، زاهدًا في الدنيا رغم ما ملك، رجلٌ عُرف بشجاعته وعفّته، واتّساع علمه، وورعه الذي جعله يستغني عن الناس تمامًا، ويُغني غيره بسخائه، ومِنْ أَفْضَلِ أَعْمَالِه رضي الله عنه: عَزْلُهُ نَفْسَهُ مِنَ الأَمْرِ وَقْتَ الشُّورَى وَاخْتِيَارُهُ لِلأُمَّةِ مَنْ أَشَارَ بِهِ أَهْلُ الحِلِّ وَالعَقْدِ (سير أعلام النبلاء: 3/62).

ومن أعظم مناقبه أن النبي ﷺ صلّى خلفه في سفر، وتوفّى ﷺ وهو عنه راض (أسد الغابة: 3/ 475).

اسمه ونسبه وسبب إسلامه:

هو عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة، وهو يلتقي مع النبي ﷺ في جده السادس "كلاب" وكذلك يلتقي مع النبي من قِبَل أمّه أيضًا.

وقد أسلم سيدنا عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قديمًا، حيث يُعدّ أحد الثمانية الذين سبقوا في الإسلام، وأَحد الخمسة الذين أَسلموا على يد أَبي بكر رضي الله عنهم.

كان اسمه في الجاهلية "عبد عمرو"، وقيل عبد الكعبة، فسماه النبي ﷺ "عبد الرحمن" (سير أعلام النبلاء: 3/ 49-50 بتصرف).

سبب إسلامه

ومما يُروى في سبب إسلامه هو لقاءه بالشاعر الحكيم "عسكلان بن عواكن"، الذي كان يبشر ببعثة النبي ﷺ، يقول عبد الرحمن: سافرت إلى اليمن قبل البعثة بعام، فنزلت على "عسكلان" وكان شيخًا طاعنًا في السن، ضعيف البصر والسمع، وكان كلما زرتُه يسألني عن مكة وأحوالها، وعن ظهور من يخالف دينهم.

وفي إحدى زياراتي له، شد عصابة على عينيه وقال لي: "يا أخا قريش! انتسب" فعرّفت بنفسي، فقال: "أبشّرك بخير من التجارة، فقد بعث الله في قومك نبيًا من بني هاشم، يدعو إلى الحق ويأمر بالمعروف، ويحارب الباطل. احمله مني هذه الأبيات:

أشهد بالله ذي المعالي وفالق اللّيل والصّباح

إنّك في السّرّ من قريش وابن المفدّى من الذّباح

أرسلت تدعو الى يقين ترشد للحق والفلاح

ثم عدت إلى مكة فأخبرت أبا بكر، فقال لي: "هذا محمد بن عبد الله ﷺ قد بعثه الله رسولًا، فأتِه، فأتيته في بيت خديجة وأخبرته بالخبر، فقال: "أما إن أخا حمير من خواص المؤمنين، رب مؤمن بي ولم يرني ومصدق بي وما شهدني اولئك إخواني حقًا (تاريخ دمشق لابن عساكر: 35/251- 252 بتصرف).

هجرة عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه:

عندما اشتد أذى قريش على المسلمين، وصارت تقف سدًا منيعًا أمام انطلاق الدعوة، تسد الطريق بكل ما أوتيت من قوة، أدرك الرسول ﷺ أن الرسالة لا يمكن أن تبقى محصورة في مكة، وتنتظرها أمم مظلومة وشعوب مستضعفة تمتد من فارس إلى الروم وأقطار الأرض ففكّر النبي ﷺ الحكيم في ضرورة الهجرة إلى بلد آخر فكانت هجرة الحبشة جزءًا من هذا المسعى، وبرز فيها عبد الرحمن بن عوف كواحد من وجوه المهاجرين، وقد كانوا خمسة عشر فردًا -أَحَدَ عَشَرَ رَجُلًا وَأَرْبَعُ نِسْوَةٍ- فهاجروا إلى أرض الحبشة جميعًا (البداية والنهاية لابن كثير: 3/84 بتصرف).

ثم هاجر رضي الله عنه إلى المدينة المنورة تاركًا وراءه دياره ووطنه، يخلع ذكريات الطفولة وصور الماضي، مع إخوانه المسلمين المهاجرين؛ لأنهم تعلموا من رسول الله ﷺ أن وطن المسلم ليس مجرد مكان الميلاد، بل هو الأرض التي يستطيع فيها أن يرفع لواء الحق، وينشر فيها كلمة ربه.

فاستقبلهم أهل المدينة بأروع صور الأخوة والإنسانية، لم ينظروا إليهم كغرباء ولا وصفوهم بـ"لاجئين"، بل فتحوا لهم أبواب بيوتهم واحتضنوهم بقلوب ملؤها الحب والإيثار، كانوا عونًا لهم، حتى أصبحت المدينة نموذجًا فريدًا لوحدة القلوب وتمازج الأرواح، وهناك صنع الإسلام أول مجتمع متماسك مبني على الإيمان والمودة.

المؤاخاة بين المسلمين:

في مشهد خالد يخلد روح الإسلام، يجسد الموقف بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع عظمة الأخلاق والإيثار وذلك بعد ما آخى النبي ﷺ بينهما فعرض سعد على أخيه المهاجر عبد الرحمن نصف ماله وإحدى زوجتيه، لكن عبد الرحمن، بكرامته وعزيمته، رفض قائلاً: "بارك الله لك في مالك وأهلك، دلني على السوق".

ذهب إلى السوق، وهو لا يملك إلا عزيمته وخبرته، فاشترى أقطًا وسمنًا، فجعل يبيع ويشتري حتى أغناه الله واجتمعت له ثروة، وصار تاجرًا ناجحًا (أخرجه الإمام البخاري في صحيحه: 2048).

وهذا الموقف يكشف لنا عن مدى حرص الصحابي على العمل وألا يكون عالة على غيره، رغم كونه في أمس الحاجة للدعم المالي؛ ولذلك بارك الله له في ماله، حتى تحدّث عن نفسه مرة مخبرًا بفضل الله عليه:

فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي وَلَوْ رَفَعْتُ حَجَرًا لَرَجَوْتُ أَنْ أُصِيبَ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً ( مسند الإمام أحمد: 13863).

لم يمضِ وقت طويل حتى عاد إلى رسول الله ﷺ وعليه أثر الزعفران، فسأله النبي ﷺ: "مهيم؟" فقال: "تزوجت امرأة".

قال: "فما أصدقتها؟" أجاب: "وزن نواة من ذهب"، فقال النبي ﷺ: "أولــِــم ولو بشاة" (أخرجه الإمام البخاري في صحيحه: 2048).

آية في الجود والكرم: كان سيدنا عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه نموذجًا فريدًا في السخاء والكرم، وآيةً مضيئة في البذل والعطاء، فقد سجلت صفحات التاريخ مواقفه المشهودة التي جسدت أسمى معاني الإيثار، فلقد تصدق في زمن النبي ﷺ بنصف ماله والبالغ أربعة آلاف، ثم تصدق بأربعين ألفًا، وحمل على خمسمائة فرس وخمسمائة راحلة في سبيل الله (سير أعلام النبلاء: 1/81).

ولم يكتفِ بذلك، بل باع أرضًا له من عثمان بأربعين ألف دينار وفرّقها جميعًا على أهله من بني زهرة، وعلى أمهات المؤمنين، وعلى فقراء المسلمين (سير أعلام النبلاء: 1/85-86).

وفي موقف يتجلّى فيه نبل النفس وعلو الهمة حين أوصى بخمسين ألف دينار في سبيل الله، فكان الرجل يُعطى منها ألف دينار وأوصى للبدريين، فوجدوا مائة، فأعطى كل واحد منهم أربعمائة دينار، فكان منهم عثمان، فأخذه، كما أوصى بألف فرس للمُجاهدين (تاريخ الإسلام للذهبي: 3/ 229 بتصرف).

وكُل ذلك لِـــما أعطاه الله -تعالى- من الغِنى والمال، فقد كان من أغنياء الصحابة الكِرام.

إنفاق عبد الرحمن بن عوف 700 راحلة:

في يوم هادئ، وبينما المدينة ساكنة، ظهر غبار كثيف يقترب شيئًا فشيئًا، ظنه الناس عاصفة رملية، لكنْ سرعان ما انكشفت وراءه قافلة عظيمة تضم سبعمائة راحلة محمّلة بالأحمال، دخلت المدينة فأحدثت حركة وفرحًا عارمًا.

ولما بلغ الخبر أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، سألت مستغربة: "قافلة تحدث كل هذا الزخم؟" فقيل لها: "إنها لعبد الرحمن بن عوف"، فتذكرت قول النبي ﷺ :"رأيت عبد الرحمن بن عوف يدخل الجنة حبوًا.

فأُخبر عبد الرحمن بذلك، فأسرع إلى سيدتنا عائشة رضي الله عنها وقال: "أشهدِك أن هذه القافلة بكل ما فيها في سبيل الله"، ثم وزّعت أحمال القافلة على أهل المدينة وما حولها في مشهد مهيب من البرّ والعطاء، يجسد حياة عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه (أخرجه الإمام أحمد في مسنده: 24842).

ولم تكن تلك نهاية عطاءاته، فقد أعتق ثلاثين ألف بيت (تاريخ الإسلام للإمام الذهبي: 3/ 230)،

فكان بذلك الملاذ والمعين لأهل المدينة المنورة، حتى إن طلحة بن عبد الله رضي الله عنه قال عنه: "كان أهل المدينة عيالًا على عبد الرحمن بن عوف؛ ثلث يقرضهم ماله، وثلث يقضي ديونهم، وثلث يصِلهم (سير أعلام النبلاء: 1/88).

خوفه من الله تعالى:

ورغم ما أنفقه هذا الصحابي الجليل في سبيل الله، كان دائم الخوف من أثر ثرائه، فقد جيء له يومًا بطعام الإفطار وهو صائم، فلما رآه بكى وقال: استشهد مصعب بن عمير وهو خير مني، كُفِّن في بردة إن غطت رأسه بدت رجلاه، وإن غطت رجلاه بدا رأسه، واستشهد حمزة وهو خير مني، ولم يُوجد له ما يُدفن فيه إلا بردة، ثم بُسطت لنا الدنيا، وأخشى أن تكون قد عُجلت لنا حسناتنا ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام (أخرجه الإمام البخاري في صحيحه: 1275).

وفي يوم آخر، اجتمع مع أصحابه على طعام، فلما وضع الطعام بكى، وقال: مات رسول الله ﷺ وما شبع هو وأهل بيته من خبز الشعير (الطبقات الكبرى لابن سعد: 1/ 309 بتصرف).

هكذا، ورغم ثرائه، لم ينسَ هذا الصحابي حقوق الفقراء، ولا حال النبي ﷺ وصحابته الكرام، فلم تشغله الدنيا عن الآخرة رضي الله عنه.

وفاته رضي الله عنه:

تُوفي عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه في المدينة المنورة سنة إحدى وثلاثين للهجرة، عن عمر يناهز خمسة وسبعين عامًا (أسد الغابة: 3/ 475).

قال الواقدي رحمه الله تعالى: ولد عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه بعد الفيل بعشر سنين، ومات سنة اثنتين وثلاثين، وهو يومئذ ابن خمس وسبعين سنة (المعارف للدينوري: 1/236).

وترك ثروة عظيمة: ألف بعير، وثلاثة آلاف شاة، ومئة فرس، وذهباً قُطع بالفؤوس حتى ملأت أيدي الرجال، أما نساؤه الأربع، فقد كان لكل واحدة منهن نصيب يقدّر بثمانين ألفًا (أسد الغابة: 3/475 بتصرف).

ومهما تحدّثنا عن شخصية هذا الصحابي العظيم سيدنا عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، فلن نستطيع الإحاطة بكرمه وسعة عطائه وخدمته للمسلمين، أو بفيض أثره في تاريخ الإسلام: لقد كان نموذجًا للتوازن بين الدنيا والآخرة، بين النجاح العملي والتقوى القلبية، ففي حياته، درسٌ خالدٌ بأن المال وسيلةٌ لا غاية، وأن القوة في العبادة والورع أعظم من كل ملكٍ أو جاه.

نسأل الله أن يجعلنا ممن يسير مع هذا النموذج الفذ، لنستقي من زهدِه وتواضعه، ومن تجارته ومن جوده وكرمه، ما يعيننا على مواجهة الحياة.

تعليقات



رمز الحماية