جزاء التيسير على المعسر | أبو رجب محمد آصف المدني العطاري


نشرت: يوم الإثنين،02-فبراير-2026

جزاء التيسير على المعسر

هذا المقال من مجلة نفحات المدينة: 20

قال رسول الله ﷺ: مَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ (صحيح مسلم: 6853: ملتقطا)

شرح الحديث:

يبيّن هذا الحديث الشريف أمرين أساسيَّين:

(1) الحثّ على التيسير على المعسر

(2) الأجر لمن يسهّل عليه ونحن نفصّل الكلام في بيان كل واحد منهما على الانفراد فيما يلي:

تعريف المعسر:

المعسر: هو الفقير الذي يجد عسرًا في تحصيل رزقه، أو هو المَدِين الذي لا يقدر على أداء دينه ويجد عسرًا في ذلك، وهو يشمل المؤمن والكافر كما جاء في شروح الحديث مثل مرقاة المفاتيح وفيض القدير. (فيض القدير:6/316) (مرقاة المفاتيح :1/454)

وجوه التسهيل على المحتاجين:

يمكن أن يكون التسهيل على ثلاثة أوجه:

أوّلا: التسهيل على المَدِين المعسر، وهو على نوعين:

  1. مَن كان عليه دَين لك، ويكون التسهيل عليه بإمهاله إلى ميسرة أو بتقسيط الدَّين بحسب قدرته إذا كان المبلغ كبيرًا أو بإبرائه من بعض الدَين أو كلّه (مرقاة المفاتيح: 1/454: ملخصا)
  2. ومَن كان عليه دَينٌ لغيرك، ويكون التسهيل عليه إمّا بقضاء دينه كلّه أو بعضه، -كما لو أنه يتحقق من حسابه لدى محل البقالة أو متجر الألبان في الحي ويقوم بتسديده عنه- أو بالتكفّل بأقساطه بعد الاتفاق مع دائنه، فإن عجزتَ عن ذلك فلك أن تعينه بالشفاعة الحسنة عند دائنه ليتخفف عنه (فيض القدير 6/316 : ملتقطا)

فتأمل – أيها القارئ الكريم – كيف أن التيسير يُضفي على حياته سهولة وراحة، ويحرره من دوامة القلق والتوتر. وإن أردت أن تدرك هذا المعنى إدراكًا عميقًا، فحاول أن تضع نفسك في موضعه، وستشعر بنفس ما يشعر به.

فضل إنظار المعسر في القرآن والسنة:

قال الله تعالى في القرآن الكريم بشأن إنظار المعسر:

وَإِن كَانَ ذُو عُسۡرَةٖ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيۡسَرَةٖۚ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ [البقرة: 280]

قال المفتي محمّد نعيم الدين المراد آبادي تحت هذه الآية: إذا كان المدين معسرًا أو فقيرًا، فإن إنظاره إلى وقت الميسرة، أو إسقاط بعض الدين أو جميعه عنه، سببٌ في أجرٍ عظيم. (خزائن العرفان، صـ 98، تعريبًا عن الأردية)

ومن ثمرات هذا العمل ـ فضلًا عمّا فيه من الفضائل الأخرى ـ أن صاحبه سينال الراحة يوم القيامة عند شدة حر الشمس، كما جاء في الحديث الشريف: مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا، أَوْ وَضَعَ لَهُ، أَظَلَّهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ تَحْتَ ظِلِّ عَرْشِهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ (سنن الترمذي:1310)

وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ أنه قال: إِنَّ رَجُلًا لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ، فكَانَ يُدَايِنُ النَّاسَ، فَيَقُولُ لِرَسُولِهِ: خُذْ مَا تَيَسَّرَ، وَاتْرُكْ مَا عَسُرَ، وَتَجَاوَزْ لَعَلَّ اللهَ يَتَجَاوَزُ عَنَّا، فَلَمَّا هَلَكَ، قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ: هَلْ عَمِلْتَ خَيْرًا قَطُّ؟ قَالَ: لَا، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ لِي غُلَامٌ، وَكُنْتُ أُدَايِنُ النَّاسَ، فَإِذَا بَعَثْتُهُ يَتَقَاضَى، قُلْتُ لَهُ: خُذْ مَا تَيَسَّرَ، وَاتْرُكْ مَا عَسُرَ، وَتَجَاوَزْ، لَعَلَّ اللهَ يَتَجَاوَزُ عَنَّا، قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: قَدْ تَجَاوَزْتُ عَنْكَ. (المسند للإمام أحمد: 8738)

كرم الإمام أبي حنيفة مع غريمه:

يقول شقيق البلخي كنت مع أبي حنيفة في طريق يعود مريضًا، فرآه رجل من بعيد فاختبأ منه، وأخذ في طريق آخر،

فصاح به أبو حنيفة : أي فلان! عليك بالطريق الذي أنت فيه، لا تأخذ في طريق آخر فلما علم الرجل أن أبا حنيفة بَصُر به وعلم به خجل ووقف،

فقال له أبو حنيفة : لِمَ عدلت عن طريقك الذي كنت عليه؟

قال: لك عليّ عشرة آلاف درهم، وقد طال الوقت وامتد، ولم أقدر أن أؤدي، فلمار أيتك استحيت منك،

فقال له أبو حنيفة : سبحان الله! بلغ بك الأمر كل هذا، حتى إذا رأيتني تواريت عني، قد وهبته منك كله وأشهدت بعيني عليه، فلا تتوار منّي بعد هذا واجعلني في حلٍّ مما دخل في قلبك منّي حيث لقيتني. (مناقب الإمام الأعظم للموفق: 1/260)

ثانيا: التسهيل على الفقير وذلك يكون بدفع أسباب فقره؛ كإعانته في الحصول على وظيفة، أو مساعدته على البدء بمشروع تجاري بسيط وفق قدراته إن كان عاطلا عن العمل، مثل عَرَبَة فواكه أو خضار أو كِشْك لبيع البرجر أو البطاطا المقلية، ليجد بذلك راحة عاجلة، فربما كان شيء من عنايتك به سببًا في غناه.

ثالثا: التسهيل على المنكوبين عند وقوع الكوارث كالزلازل أو السيول أو الحرائق، فإنهم يكونون في تلك اللحظات في أمس الحاجة إلى مَن يمدّ لهم يد العون للخلاص من محنتهم ومعانتهم، فإذا بادرتَ إلى مساعدتهم بما تستطيعه، فيكون لك أجر عظيم وخير في الدنيا والآخرة بإذن الله تعالى.

ذِراع مركز الدعوة الإسلامية في الإغاثة والخدمات الخيرية: FGRF

بحمد الله تعالى، لقد أنشأ مركز الدعوة الإسلامية قسمًا خاصًا لأعمال الإغاثة والخدمات الخيرية ويُعرف بـ مؤسسة فيضان العالمية للإغاثة الإنسانية (FGRF)، يتولّى من خلال فريقه المتخصّص التخفيف من معاناة المحتاجين، وإنقاذهم من المرض، والفقر، والبطالة، والكوارث الطبيعية والأزمات، وتمتدّ شبكة مؤسسة فيضان العالمية (FGRF) الواسعة إلى أكثر من خمسٍ وستين دولة حول العالم، ويستطيع كل محبّ للخير أن يحظى بالأجر العظيم من خلال المساهمة في دعم أنشطة مؤسسة فيضان العالمية (FGRF)ماديًا ومعنويًا، تسهيلًا وتيسيرًا على المنكوبين.

ولمزيد من المعلومات عن خدمات مؤسسة فيضان العالمية (FGRF)، يمكنكم زيارة الموقع الرسمي لمركز الدعوة الإسلامية

https://www.arabicdawateislami.net/

جزاء التيسير على المعسر في الدنيا والآخرة:

الحديث المذكور في بداية المقال يبيّن جزاءَ مَن يُيسّر على المعسر وهو تيسير الله عليه في الدنيا والآخرة، وقد فسّر الإمام المناوي هذا التيسير بأنه يكون في الدنيا بتوسيع رزقه وحفظه من الشدائد ومعاونته على فعل الخيرات، وفي الآخرة بتسهيل الحساب والعفو عن العقاب ونحو ذلك من وجوه الكرامة والزلفى. (فيض القدير:6/316)

وفي الختام أقول: فإنّ العمل بهذا الحديث الشريف لا يكلّفنا مشقةً كبيرة، مع أنّ الأجر المترتب عليه عظيم، لذا يجدر بنا أن نبدأ تطبيق ذلك من اليوم ومن هذه اللحظة، فلننظر مَن حولنا مِن الناس ونبحث عن محتاج ينتظر التيسير، لتكون لنا معونته سببًا في تحصيل هذا الفضل، ونسأل الله تعالى أن يوفّقنا للعمل بتعاليم الإسلام، آمين بجاه خاتم النبيين ﷺ.

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين

تعليقات



رمز الحماية