ذكر سيدنا إبراهيم في ضوء القرآن الكريم | الشيخ المفتي محمد قاسم العطاري


نشرت: يوم الخميس،26-مارس-2026

ذكر سيدنا إبراهيم في ضوء القرآن الكريم

هذا المقال من مجلة نفحات المدينة: 21

قال الله سبحانه وتعالى:

وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ إِبۡرَٰهِيمَۚ إِنَّهُۥ كَانَ صِدِّيقٗا نَّبِيًّا  [مريم:41]

التفسير:

أمرَ اللهُ تعالى في هذه الآية بذكر سيّدنا إبراهيم؛ لأنّه نبيٌّ من أنبياء الله ورسولٌ من رسله، وهو من خاصّة عباده المقرَّبين لديه، ومِن أحبِّهم إليه.

وإنّ لذكر المقرّبين عند الله حِكَمًا جليلةً، منها:

  • بيانُ إنعام الله عليهم؛ فإنّ حُسن الذّكر، وطيبَ السُّمعة، والثناءَ الجميل إنّما هو من نعم الله على عبده، إذ يُلقِي محبّتَه في القلوب، ويَجرِي ذكرُه الحسن على الألسن.
  • حثُّ الناس على الاقتداء بسيرتهم، والتحلّي بأخلاقهم، والاهتداء بحُسن أعمالهم؛ لأنّ التأسِّيَ بأهل الكمال هو سبيل لترقّي الإنسان في مراتب الكمال.

ولمَّا كان سيدُنا إبراهيمُ من أكمل عباد الله إيمانًا، فحيَّ هلّا بنا نذكره في ضوء القرآن الكريم، امتثالًا لأمر الله تعالى في قوله: ﴿وَٱذۡكُرۡ﴾.

صفات المؤمن الكامل:

إنَّ للعبد المؤمن الكامل خصالًا عديدة، ممّا لا يخفى على أهل العلم بالقرآن الكريم والسُّنَّة النبويّة، منها: كمال الإيمان، والرسوخ في التوحيد، ومحبّة الله تعالى، وإحقاق الحقّ وإبطال الباطل، والدعوة إلى الله، ومواجهة الابتلاءات، والتضحية بالنفس والمال والأولاد، والاستقامة، والرجوع إلى الله، والصبر، والشكر، والحِلم، والشفقة على الخلق، وغير ذلك من الخصال العظيمة، وقد اجتمعت هذه الصفات كلّها على أكمل وجه في شخصية سيدنا إبراهيم

أوّلًا: كمال الإيمان:

لقد شهد الحقُّ سبحانه وتعالى لسيدنا إبراهيم بكمال الإيمان، حيث قال في محكم تنزيله:

إنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُؤۡمِنِينَ   [الصافات: 111]

ثانيًا: الرسوخ في التوحيد:

كان قومُ سيدنا إبراهيم يعبدون -إلى جانب الأصنام- النجوم والقمر والشمس، فتأمَّلَ n هذه المظاهر الكونيةَ كلَّها تأمُّلًا عميقًا، ونظر فيها نظرَ المتفكِّر المتدبِّر، ثم أعلن لقومه بوضوح توحيدَ الله تعالى وأخبرهم ببراءته من جميع ما يعبدون من دون الله تعالى.

وقد عبَّر القرآنُ الكريمُ عن ذلك على النحو الآتي:

فَلَمَّا جَنَّ عَلَيۡهِ ٱلَّيۡلُ رَءَا كَوۡكَبٗاۖ قَالَ هَٰذَا رَبِّيۖ فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَآ أُحِبُّ ٱلۡأٓفِلِينَ ٧٦ فَلَمَّا رَءَا ٱلۡقَمَرَ بَازِغٗا قَالَ هَٰذَا رَبِّيۖ فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمۡ يَهۡدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلضَّآلِّينَ ٧٧ فَلَمَّا رَءَا ٱلشَّمۡسَ بَازِغَةٗ قَالَ هَٰذَا رَبِّي هَٰذَآ أَكۡبَرُۖ فَلَمَّآ أَفَلَتۡ قَالَ يَٰقَوۡمِ إِنِّي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُشۡرِكُونَ  [الأنعام: 76-78]

ثالثًا: إحقاق الحقّ وإبطال الباطل:

لم يكن قوم سيّدنا إبراهيم يقتصرون على عبادة الأصنام فحسب، بل كانوا يُغالون في تعظيمها إلى حدٍّ يقارب الجنون، ومع ذلك فقد واجههم بكلّ شجاعةٍ وثباتٍ، ومن غير خوف من أيّ ملامة أو التفاتٍ إلى أيّ خطر، مظهرًا توكُّلَه الكامل على الله تعالى، فبيّن لهم أحقية التوحيد وحقيقته وأبطل ألوهيّة الأصنام، ولم يكتفِ بذلك البيان مرّة واحدة بل كرّره مرارًا، قال تعالى:

وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوۡمِهِۦٓ إِنَّنِي بَرَآءٞ مِّمَّا تَعۡبُدُونَ إِلَّا ٱلَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُۥ سَيَهۡدِينِ   [الزخرف:27]

وقال سبحانه:

إِنِّي وَجَّهۡتُ وَجۡهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ حَنِيفٗاۖ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ  [الأنعام: 79]

رابعًا: الدعوة إلى الله:

إنَّ الوظيفة التي تضلّع بها سيِّدنا إبراهيمُ طوالَ حياته، والتي أَولاها أعظمَ اهتمامه، سواءٌ في مواجهته لقومه المشركين أو في توجيهه أهلَ الإيمان من بعدهم، هي الدعوةُ إلى دين الحقّ، فبيَّن للقوم الحقَّ بأساليبَ متعدِّدة، ووعظهم بطرائقَ مختلفة.

قال تعالى حاكيًا عنه :

إِذۡ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوۡمِهِۦ مَا تَعۡبُدُونَ ٧٠ قَالُواْ نَعۡبُدُ أَصۡنَامٗا فَنَظَلُّ لَهَا عَٰكِفِينَ ٧١ قَالَ هَلۡ يَسۡمَعُونَكُمۡ إِذۡ تَدۡعُونَ ٧٢ أَوۡ يَنفَعُونَكُمۡ أَوۡ يَضُرُّونَ    [الشعراء:73-70]

ثم أتبع ذلك ببيان عظمة الله تعالى، فقال:

أَفَرَءَيۡتُم مَّا كُنتُمۡ تَعۡبُدُونَ ٧٥ أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُمُ ٱلۡأَقۡدَمُونَ ٧٦ فَإِنَّهُمۡ عَدُوّٞ لِّيٓ إِلَّا رَبَّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٧٧ ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهۡدِينِ ٧٨ وَٱلَّذِي هُوَ يُطۡعِمُنِي وَيَسۡقِينِ ٧٩ وَإِذَا مَرِضۡتُ فَهُوَ يَشۡفِينِ ٨٠ وَٱلَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحۡيِينِ  [الشعراء: 75-81]

وكذلك قدَّم دعوةَ التوحيد إلى النمرود بأسلوبٍ بليغٍ ومحكم، مُبيِّنًا فيه عظمةَ الله تعالى وألوهيته، فقال عزَّ وجلَّ في محكم تنزيله:

قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأۡتِي بِٱلشَّمۡسِ مِنَ ٱلۡمَشۡرِقِ فَأۡتِ بِهَا مِنَ ٱلۡمَغۡرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِي كَفَرَۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ   [البقرة: 258]

خامسًا: مواجهة الابتلاءات في تبليغ الحقّ:

لما حطّم الأصنام وجعلها قطعًا صغيرة وأراهم عجزها، بدلًا من أنْ يرجعوا إلى الحقّ عزموا على إحراقه بالنار، فثبت ثباتَ المؤمن الواثق، فحفظه الله بلطفه وكرمه، قال سبحانه وتعالى:

قَالُواْ حَرِّقُوهُ وَٱنصُرُوٓاْ ءَالِهَتَكُمۡ إِن كُنتُمۡ فَٰعِلِينَ ٦٨ قُلۡنَا يَٰنَارُ كُونِي بَرۡدٗا وَسَلَٰمًا عَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ  [الأنبياء : 88-89]

ثم هاجر في سبيل الله، تاركًا وطنه وقومه ابتغاء مرضاة الله تعالى، قال سبحانه:

وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهۡدِينِ   [الصافات: 99]

سادسًا: محبّة الله تعالى:

تتجلَّى في سيرة سيّدنا إبراهيم أسمى معاني محبَّة الله بوضوحٍ بالغٍ؛ إذ أنَّ صدقَ المحبّة تُثبتُه التضحية، وقد ضحّى بنفسه في سبيل الله يوم أُلقِيَ في النار، قال تعالى:

قَالُواْ حَرِّقُوهُ وَٱنصُرُوٓاْ ءَالِهَتَكُمۡ إِن كُنتُمۡ فَٰعِلِينَ ٦٨ قُلۡنَا يَٰنَارُ كُونِي بَرۡدٗا وَسَلَٰمًا عَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ    [الانبياء: 69-68]

فما أروعَ تلك التضحية العظيمة التي قدَّمها، فقد سلّم أيضًا ابنَه الوحيد الحبيب قُربانًا في سبيل محبَّة الله، كما ورد في القرآن:

فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعۡيَ قَالَ يَٰبُنَيَّ إِنِّيٓ أَرَىٰ فِي ٱلۡمَنَامِ أَنِّيٓ أَذۡبَحُكَ فَٱنظُرۡ مَاذَا تَرَىٰۚ قَالَ يَٰٓأَبَتِ ٱفۡعَلۡ مَا تُؤۡمَرُۖ سَتَجِدُنِيٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّٰبِرِينَ   [الصافات: 102]

وكذلك ترك ذرّيّته بوادٍ غير ذي زرعٍ امتثالًا لأمر الله ومحبةً له، فقال تعالى:

رَّبَّنَآ إِنِّيٓ أَسۡكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيۡرِ ذِي زَرۡعٍ عِندَ بَيۡتِكَ ٱلۡمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱجۡعَلۡ أَفۡـِٔدَةٗ مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهۡوِيٓ إِلَيۡهِمۡ وَٱرۡزُقۡهُم مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَشۡكُرُونَ   [إبراهيم: 37]

بل أفنى حياته كلّها لِلّه تعالى، حتّى كان كأنّه ترجمانُ هذه الحقيقة:

قُلۡ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحۡيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ   [الأنعام: 162]

وقال كما حكى القرآن الكريم عنه:

وَٱلَّذِيٓ أَطۡمَعُ أَن يَغۡفِرَ لِي خَطِيٓـَٔتِي يَوۡمَ ٱلدِّينِ   [الشعراء: 82]

وفيه إشارةٌ إلى أنّ الرجاء في مغفرة الله والطمع في مرضاته هو أيضًا من دلائل محبّة الله تعالى.

سابعًا: النجاح في الابتلاءات:

لقد خرج سيدنا إبراهيمُ من كلِّ ابتلاءٍ أحسن خروج، حتى شهد له ربُّه بذلك، فقال تعالى:

وَإِذِ ٱبۡتَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ رَبُّهُۥ بِكَلِمَٰتٖ فَأَتَمَّهُنَّۖ   [البقرة: 124]

وقال سبحانه:

وَإِبۡرَٰهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰٓ   [النجم: 37]

وعبّر الله تعالى عن إنجازه التاريخي بقوله:

فَلَمَّآ أَسۡلَمَا وَتَلَّهُۥ لِلۡجَبِينِ ١٠٣ وَنَٰدَيۡنَٰهُ أَن يَٰٓإِبۡرَٰهِيمُ ١٠٤ قَدۡ صَدَّقۡتَ ٱلرُّءۡيَآۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٠٥ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ ٱلۡبَلَٰٓؤُاْ ٱلۡمُبِينُ ١٠٦ وَفَدَيۡنَٰهُ بِذِبۡحٍ عَظِيمٖ ١٠٧ وَتَرَكۡنَا عَلَيۡهِ فِي ٱلۡأٓخِرِينَ ١٠٨ سَلَٰمٌ عَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ ١٠٩ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١١٠ إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُؤۡمِنِينَ [الصافات: 111-103 ]

ثامنًا: الشكر:

كما شهدَ اللهُ تعالى أيضًا لسيّدنا إبراهيم بملازمته الشكر، فقال سبحانه

شَاكِرٗا لِّأَنۡعُمِهِ   [النحل:121]

تاسعًا: الصبر والحِلم والشفقة على الخلق:

يتجلّى صبرُ سيّدنا إبراهيم في كلِّ امتحانٍ ابتُلِيَ به، وقد شهد له القرآن بحِلمه ورقّة قلبه وشفقته على الخلق، فقال تعالى:

إِنَّ إِبۡرَٰهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّٰهٞ مُّنِيبٞ   [هود: 75]

ومن دلائل ذلك حرصُه على دفع العذاب وتأخيره عن قوم لوط، وإشفاقُه عليهم.

عاشرًا: الرجوع إلى الله:

من صفات المقرّبين عند الله: الرجوع إليه تعالى في كلِّ أمر، وكثرة الالتجاء إليه، والتذلُّل بين يديه، والمداومة على دعائه، ولا ريب أنّ ما ورد في القرآن الكريم من أدعيّة كثيرة عن سيِّدنا إبراهيم n لهو دليلٌ واضحٌ على تحقُّق هذه المعاني فيه أتمَّ تحقيق.

قال

وَٱلَّذِيٓ أَطۡمَعُ أَن يَغۡفِرَ لِي خَطِيٓـَٔتِي يَوۡمَ ٱلدِّينِ   [الشعراء : 82]

وقال تعالى حاكيًا عنه تِعدادَ النعم وكمال توجّهه إليه

ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهۡدِينِ ٧٨ وَٱلَّذِي هُوَ يُطۡعِمُنِي وَيَسۡقِينِ ٧٩ وَإِذَا مَرِضۡتُ فَهُوَ يَشۡفِينِ ٨٠ وَٱلَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحۡيِينِ   [الشعراء: 81-78]

كما أعلن انقطاعَه التامّ إلى الله، وإعراضَه عن الدنيا بأسرّها، فقال سبحانه:

إِنِّي وَجَّهۡتُ وَجۡهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ حَنِيفٗاۖ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ   [الأنعام: 79]

وقال كما حكى القرآن الكريم

إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهۡدِينِ    [الصافات: 99]

خاتمة:

لقد استعرضنا جوانب من سيرة خليل الله إبراهيم؛ ذلك النبي الذي تجلَّى في شخصه كمال الإيمان، وعلوّ الهمّة، والصبر، والشكر، والحِلم، والإنابة إلى الله، وإنّنا اليوم أحوج ما نكون إلى التخلّق بهذه الشمائل عمليًّا؛ ففي حياته الطيّبة أتمّ الهداية وأجلى نور للإرشاد.

وقد أثنى الله تعالى على سيرته العطرة، فقال في كتابه الكريم

قَدۡ كَانَتۡ لَكُمۡ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ فِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ   [الممتحنة: 4]

فلنقتفِ أثره في محبّة المولى عزّ وجلّ، والشفقة على خلقه، وكثرة الرجوع إليه، والصبر على الابتلاءات والآلام، وطلب رضوان الله تعالى، ولزوم الصدق في كلِّ حال.

نسألُ الله تعالى أن يرزقَنا حظًّا وافرًا من بركات خليله سيّدنا إبراهيم ، آمين.

تعليقات



رمز الحماية