مدونات مختارة
الأكثر شهرة
الإيمان بالله والاستقامة | أبو رجب محمد آصف العطاري المدني
هذا المقال من مجلة نفحات المدينة: 21
عن سيّدنا سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! قُلْ لِي فِي الْإِسْلَامِ قَوْلًا، لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَكَ، قَالَ: قُلْ: آمَنْتُ بِاللهِ، فَاسْتَقِمْ (صحيح مسلم، ص 46، 159)
شرح الحديث:
المقصود من هذا السؤال:
قال القاضي عياض المالكي : هذا مِن جوامِع كلِمِه ﷺ (شرح النووي على صحيح مسلم"، الجزء الثاني، 1/9 )
وكان قصد الصحابي الجليل سيّدنا سفيان بن عبد الله الثقفي أنْ ينصَحَه النبي ﷺ بكلامٍ جامعٍ يَكمُلُ به الإسلامُ، ويُراعَى به حقوقُه، ويُستدلُّ به على توابِعِه (مرقاة المفاتيح، 1/161-162، بتصرف)
فأجابَه النبُّي ﷺ بتوجيهٍ بليغٍ وكلماتٍ جامعةٍ موجزةٍ حيث أرشَدَه قائلًا: قُلْ: آمَنْتُ بِاللهِ، فَاسْتَقِمْ.
المقصود بالإيمان باللّٰه سبحانه وتعالى:
أنّ المراد بالإيمان باللّٰهِ سبحانه وتعالى هو "التصديقُ الجازم بجميع العقائد الإسلاميّة"؛ فيَدخُلُ فيه الإيمانُ بالتوحيد والرِّسالةِ والبعث والنُّشُور والملائكة والجنّة والنَّار.
ما هي الاستقامة؟
قال الإمام الفخر الرازي : الاستقامةُ أمرٌ صعبٌ شديدٌ لشُمولها العقائِدَ بأنْ يجتَنِبَ التشبيهَ والتعطيلَ، والأعمالَ بأنْ يحترِزَ عن التغييرِ والتبديل، و (لشمولها) الأخلاقَ بأنْ يَبعُدَ عن طرَفَيِ الإفراطِ والتفريط (مرقاة المفاتيح، 1/162)
ولقد بيّنَ الصحابة والعلماء مفهوم "الاستقامة" بأساليبَ متعدِّدةٍ:
- فعندما سُئل سيّدنا أبو بكر الصدّيق عن الاستقامة قال: أن لا تُشرِك بالله شيئًا.
- وقال سيّدنا عمر بن الخطّاب : الاستقامة أنْ تستقيم على الأمر والنهي.
- وقال سيّدنا عثمان بن عفّان : استقاموا أخلِصوا في العمل.
- وقال سيّدنا علي بن أبي طالب : أدّوا الفرائض (تفسير الخازن، 4/85، مختصرًا)
- وقال العلّامة الملّا علي القاري : الاستقامةُ: امتِثالُ كلّ مأمورٍ، واجتنابُ كلّ محذورٍ، فيَدخُلُ فيه أعمالُ القلوب والأبدان من الإيمان والإسلام والإحسان (مرقاة المفاتيح، 1/161-162، . بتصرف)
- وقال الإمام شرف الدين الطيبي : استقم" لفظٌ جامعٌ للإتيانِ بجميع الأوامر، والانتهاءِ عن جميع المناهي؛ لأنّه لو ترك أمرًا لم يكن مستقيمًا على الطريق المستقيم، بل عدل عنه حتّى يرجع إليه، ولو فعل منهيًّا فقد عَدَلَ عن الطريق المستقيم أيضًا حتّى يتوبَ (مرقاة المفاتيح، 1/161-162، بتصرف)
فيُستفادُ من هذه الأقوال السابقة أنّ الاستقامةَ تعني: التمسُّكَ بجميعِ الأعمالِ الإسلاميّةِ والثَّباتَ عليها بكلِّ دِقَّةٍ وانْضِباطٍ.
فائدة الاستقامة:
قال الأستاذ أبو القاسم القُشَيري في رسالته: الاستقامةُ درجةٌ بها كمالُ الأمورِ وتمامُها وبوُجودِها حُصولُ الخيرات ونِظامُها، ومَن لم يكن مُستَقيمًا في حالتِه ضاع سَعيُه وخاب جَهدُه (شرح الطيبي على مشكاة المصابيح"، 1/134، مختصرًا)
أعظم كرامة لزوم الاستقامة :
قالت الصوفية s: الاستقامة خيرٌ من ألفِ كرامة (مرقاة المفاتيح"، 1/162، بتصرف يسير)
ومعنى ذلك: أنّ العبدَ إذا ثبتَ على الصراط المستقيمِ دون أنْ يَنشَغِلَ بطلبِ الكراماتِ، فهذه هي "أعظمُ كرامةٍ" عند الله تعالى.
ثمرة العمل بهذا الحديث:
الحديث السابق هو نصٌّ جامعٌ بين الإيمان والتقوى، وقد بشّرَ القرآنُ الكريمُ مَن يَعمَلُ بمقتضاه بالجنّةِ والنعيم المقيم، حيث قال الله عزّ وجلّ في محكم تنزيله
إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسۡتَقَٰمُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ أَلَّا تَخَافُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ وَأَبۡشِرُواْ بِٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِي كُنتُمۡ تُوعَدُونَ [فصلت: 30]
قال الإمام الخازن في تفسير قوله تعالى ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ﴾: قال سيّدنا عبد الله بن عبّاسٍ عند الموت، وقيل: إذا قاموا من قُبورهم، وقيل: البُشرى تكون في ثلاثة مواطن: عند الموت وفي القبر وعند البعث، ﴿أَلَّا تَخَافُواْ﴾ أي: من الموت، وقيل: لا تخافوا على ما تَقدَمون عليه من أمر الآخرة، ﴿وَلَا تَحۡزَنُواْ﴾ أي: على ما خلَّفتم من أهلٍ ووَلدٍ، فإنّا نَخلُفُكم في ذلك كلّه، وقيل: لا تخافوا من ذنوبكم (تفسير الخازن"، 4/85، مختصرًا)
مثال للصبر والثبات في سبيل الله تعالى:
كان سيّدنا خبّاب بن الأرَتّ من السابقين الأوّلين إلى الإسلام، أسلم قبل أنْ يدخل رسول الله ﷺ دار الأرقم وقبل أنْ يدعو فيها، وكان من المستضعفين الذين يُعذّبون بمكّة المكرّمة ليرجع عن دينه.
وجاء يومًا إلى سيّدنا عمر بن الخطّاب فقال له: ادنُه، فأجلسه على مُتّكئه وقال: ما على الأرض أحدٌ أحقّ بهذا المجلس منك إلا عمّار بن ياسر ، وفي لفظ: إلّا بلال بن رباح ، فقال: يا أمير المؤمنين! إنّ بلالًا كان له في المشركين مَن يَمنعُه الله به، ولم يكن لي أحدٌ يمنعني، فلقد رأيتني يومًا أخذوني وأوقدوا لي نارًا ثمّ سَلَقوني فيها، ثمّ وَضَع رجلٌ رِجلَه على صدري فما اتَّقيتُ الأرض إلّا بظَهري، ثمّ كشف عن ظهره فإذا هو قد بَرِص (الطبقات الكبرى" لابن سعد، 3/122-123، و"مرآة الزمان في تواريخ الأعيان" لسبط ابن الجوزي، 6/331-332، بتصرف)
ختامًا!
هذا هو عصرنا الحالي قد امتلأ بالفِتَن والضلالاتِ، وغلَبَتْ فيه النفس والشيطان، وتكاثرت الأسباب التي تُزَعزِعُ الإيمان، وفي مثلِ هذه الأحوال الفاسدة لا يَنجُو ولا يَفوزُ إلّا مَن أدَّى حقّ قول الحبيب ﷺ: "اسْتَقِم" بعد قوله: "آمنتُ باللّٰه عزّ وجلّ".
نسألُ اللّٰهَ تعالى أنْ يحفظَ علينا إيمانَنا، وأنْ يرزقنا الاستقامةَ على الأحكام الشرعيّة المطهَّرة، آمين بجاه خاتم النبيّين ﷺ.

تعليقات