مدونات مختارة مميزة
المدونات الأكثر قراءة
الكذب: داء يهدم الثقة ويفسد المجتمعات | الشيخ عبد الباسط المحمد
هذا المقال من مجلة نفحات المدينة: 23
الحمد لله الذي أمر بالصدق وجعله من صفات المؤمنين، ونهى عن الكذب وحذّر من عواقبه الوخيمة، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ﷺ الصادق الأمين، الذي كان مثالًا للصدق والأمانة في أقواله وأفعاله. وبعد؛ فإنّ المتأمل في أحوال كثير من الناس اليوم يلحظ انتشار الكذب في أحاديثهم ومعاملاتهم، حتى أصبح عند بعضهم علامة على الذكاء وحسن التصرف! بل وسيلة لتحقيق المصالح والمكاسب. وقد أدّى هذا السلوك إلى ضعف الثقة بين الناس، فصار المرء يشكّ حتى في أقرب الناس إليه بسبب كثرة الكذب والتلاعب بالحقائق.
وفي هذا المقال نسلّط الضوء على خطورة الكذب، ونبيّن الأدلة على تحريمه، وأبرز أسبابه وآثاره، مع ذكر بعض الوسائل النافعة للعلاج، سائلين الله تعالى أن ينفعنا بما نقول ونكتب، وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم.
معنى الكَذِبِ لُغةً: الكَذِبُ نَقيضُ الصِّدقِ، يقالُ: كَذَب يَكذِبُ كَذِبًا وكِذْبًا. وتقولُ: [لسان العرب، ابن منظور، 1/704-708]
معنى الكَذِبِ اصطِلاحًا: قال الإمام النَّوويُّ رحمه الله تعالى : الإخبارُ عن الشَّيءِ على خِلافِ ما هو، عمدًا كان أو سهوًا، سواءٌ كان الإخبارُ عن ماضٍ أو مُستقبَلٍ [المنهاج شرح صحيح مسلم، النووي، 1/ 69]
تحريم الكذب من القرآن:
الكذب من أقبح الذنوب وأشنع العيوب، وقد حذَّر الله تعالى منه في كتابه الكريم في عدّة مواطن، كلها تدل على وجوب حفظ اللسان وصيانته عن الكذب، وأن يتحرى في كلامه حتى لا يتكلم إلا عن بصيرة، فالواجب عليك أن تتحرى في كلماتك حتى لا يكون فيها ما يضرك وهكذا، منها:
وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [ الإسراء: 36]
وقال تعالى:مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق: 18]
الكذب من الأحاديث والآثار:
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنَّ الصدق يهدي إلى البر، وإنَّ البر يهدي إلى الجنة، وإنَّ الرجل ليصدق ويتحرَّى الصدق حتى يُكتب عند الله صدِّيقًا، وإنَّ الكذب يهدي إلى الفجور، وإنَّ الفجور يهدي إلى النار، وإنَّ الرجل ليكذب ويتحرَّى الكذب حتى يُكتب عند الله كذَّابًا.
عن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر. (صحيح البخاري: 34)
فليحذر المسلم من الكذب، فإنه طريق الفجور والهلاك، وليحرص على الصدق في أقواله وأفعاله، فإن الصدق سبيل النجاة والفوز برضا الله تعالى.
حالات يُباح فيها الكذب:
الأصل في الكذب أنه محرَّم؛ لما يترتب عليه من الضرر والخداع وإفساد الثقة بين الناس. غير أن الشريعة الإسلامية راعت المصالح الراجحة، فأباحت الكذب في حالات مخصوصة عند الحاجة، إذا تعذر الوصول إلى المقصود المحمود بغيره. أمّا إن أمكن تحقيق المقصود بالصدق أو بالتورية عند الحاجة، فلا يجوز اللجوء إلى الكذب.
فعن أم كلثوم بنت عقبة قالت: لم أسمَعْ رسولَ اللَّهِ ﷺ يرخّصُ في شيءٍ مِمَّا يقولُ النَّاسُ: إنَّه كذِبٌ إلَّا في ثلاثٍ: الرَّجلُ يُصلِحُ بينَ النَّاسِ والرَّجُلُ، يكذِبُ لامرأتِهِ، والكذِبُ في الحَربِ [أبو داود: 4921]
ويمكن تقسيم أحكام الكذب إلى عدة أقسام:
- المحرَّم: وهو ما لا منفعة فيه شرعًا، أو ما يترتب عليه ضرر وظلم وخداع.
- المكروه: كالكذب بقصد جبر خاطر الوالد أو الزوجة ونحو ذلك مما لا تدعو إليه ضرورة.
- المندوب: كالكذب في الحرب لإرهاب أعداء الدين وإظهار قوة المسلمين وعتادهم.
- الواجب: إذا كان فيه إنقاذ مسلم أو حفظ ماله من الهلاك والضرر.
- المباح: كالكذب بقصد الإصلاح بين الناس وإزالة الشحناء والخصومة.
ومع ذلك، فقد ذهب بعض العلماء إلى ذمِّ الكذب مطلقًا؛ لما ورد في الكتاب والسنة من الوعيد الشديد على أهله، ولِما فيه من فساد الأخلاق وضياع الأمانة. [ملخصاً من كتاب الإحياء للغزالي، 7/ 522، ومن شرح صحيح مسلم للنووي، 16/ 157]
المعاريض والتحذير من الكذب:
نقل السلف أن في المعاريض فسحة وخروجًا عن الكذب، أي أن الإنسان قد يلجأ إليها عند الضرورة ليتجنب الوقوع في الكذب الصريح، وأما من غير حاجة أو ضرورة، فلا يجوز استعمالها عبثًا، وإن كانت أخف من الكذب المباشر. [الأدب المفرد، البخاري، برقم 884 موقوفاً على ابن عمر]
ومن أمثلتها ما رُوي:
- عن إبراهيم رحمه الله أنه قال: إذا بلغك عن رجل أمرٌ وكرهت أن تكذب، فقل: إن الله يعلم ما قلت من ذلك من شيء، فيفهم السامع النفي بينما يحتمل الكلام معنى آخر.
- وكان النخعي رحمه الله يتحرز في وعوده لابنته، فلا يقول: سأشتري لك سكرًا، بل يقول: أرأيتِ لو اشتريت لك سكرًا، خشية ألا يتمكن من الوفاء. [المعاريض لابن أبي الدنيا، 44، 45]
لكن هذه المعاريض إنما تُستعمل عند الحاجة، أما اتخاذها عادةً من غير سبب فمكروه؛ لأنها قد تفتح باب التهاون بالكذب.
الأسباب التي تدفع إلى الكذب:
الأسباب التي تؤدي للكذب كثيرة من أهمها: ضعف الخوف من الله تعالى وعدم مراقبته، ومحاولة تغيير الحقائق لتحقيق مصلحة أو تفاخر دنيوي، أومجاراة المجالس ولفت الانتباه بالقصص الكاذبة، والهرب من المسؤولية والواقع، والتعود على الكذب منذ الصغر بسبب سوء التربية، واعتقاد بعض الناس أن الكذب دليل على الذكاء وسرعة التصرف.
ومن صور الكذب التي يتساهل فيها كثير من الناس وهي محرّمة:
1. مَنْ قالَ لِصَبِيٍّ: تَعَالَ هَاكَ، ثُمَّ لَمْ يُعْطِهِ، فَهِيَ كَذِبَةٌ. [مسند أحمد بن حنبل: 9836]
2. نقل كل ما يسمعه الإنسان دون تثبّت؛ لأن ذلك يوقعه في الكذب: كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ. [أبو داود: 4992]3. الكذب من أجل إضحاك الناس، قال ﷺ: وَيْلٌ للَّذِي يُحَدِّثُ فَيَكْذِب لِيُضْحِكَ بِهِ الْقَوْمَ، وَيْلٌ لهُ، وَيْلٌ لهُ. [الترمذي: 2315]
خطر الكذب في مواقع التواصل الاجتماعي:
ومما يجب التنبّه إليه والتحذير منه الكذب في مواقع التواصل فهو من أخطر الآفات؛ لأنه ينتشر سريعًا ويضلّ به الناس، وقد قال الله تعالى:
إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ [غافر: 28]
وقال رسول الله ﷺ: كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ [سنن أبي داوود: 4992]
ومن صوره نشر الشائعات والأخبار دون تثبّت؛ مما يسبب الفتن وفقدان الثقة بين الناس.
وقد أمرنا الله بالتثبت فقال:
یٰاَیُّهَا الَّذِیْنَ اٰمَنُوْا اِنْ جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَاٍ فَتَبَیَّنُوْا [الحجرات: 6]
فالمسلم الصادق يتحرى الحقيقة قبل النشر أو المشاركة خوفًا من الإثم وإضرار الناس.
علاج الكذب وطرق التخلص منه:
أخي المسلم: إذا أردت معرفة قبح الكذب فانظر إلى نفورك من كذب غيرك واحتقارك لصاحبه، فهذا دليل على فطرته السيئة. ويجب على المسلم أن يتوب إلى الله تعالى من الكذب ويجدِّد توبته باستمرار. ومن أهم وسائل ترك الكذب: معرفة حرمة الكذب وشدّة عقابه، وتذكّر ذلك في كل حديث ومجلس، وتدريب النفس على قول الحق وتحمل المسؤولية.
كما ينبغي الابتعاد عن مجالس الكذب وفضول الكلام، واستبدالها بمجالس الذكر والعلم، مع تربية الأبناء على الصدق. وليعلم الكاذب أنه يتصف بصفات المنافقين، وأن الكذب يؤدي إلى الفجور، بينما الصدق يهدي إلى الجنة. كما أن الكذب يسقط ثقة الناس ويجلب الخسارة في الدنيا والآخرة.
خِتامًا:
الكذبَ داءٌ خطيرٌ يُفسِدُ القلوبَ ويهدمُ الثقةَ بين الناس، والنجاةُ كلُّها في لزوم الصدق قولًا وعملاً، فهو طريقُ البرِّ والجنة. فليحذرِ المسلمُ لسانَه، وليجعلِ الصدقَ شعاره في كلِّ شأنه.
قال محمود الوراق:
اصدق حديثك إن في ... الصدق الخلاص من الدنس
ودع الكذوب لشأنه ... خير من الكذب الخرس
وقال آخر:
ما أقبح الكذب المذموم صاحبه ... وأحسن الصدق عند الله والناس (الآداب الشرعية والمنح المرعية: 1/40)

تعليقات