مدونات مختارة
الأكثر شهرة
الإمام جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه: علمٌ وزهدٌ ومكانة | محمد رضا القريشي
هذا المقال من مجلة نفحات المدينة: 20
الحمد لله الذي اصطفى من عباده أولياءه وأئمة دينه، فجعلهم منارات هدى، ومصابيح دُّجى، يُهتدى بهم في ظلمات الحيرة، وبعلومهم تحيا القلوب وتستنير البصائر، وصلّى الله وسلّم على سيِّدنا محمد خير الْمرسلين، وعلى آله الأطهار وأصحابه الأخيار.
ومن أعلام أمة الإسلام الذين خلّد التاريخ ذكرهم، الإمام أبو عبد الله جعفر الصادق بن محمد الباقر رضي الله تعالى عنه؛ هو الإمام التابعي الجليل، والعالِم الورع، والقدوة الزاهد، الذي اجتمعت على فضله كلمة العلماء، وتتلمذ على يديه كبار الأئمة، فكان عَلماً من أعلام الهداية، ومنارة من منارات العلم والدين. (وفيات الأعيان لابن خلكان: 1/327)
نسبه الشريف:
هو جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، (نسب قريش للزبيري: 65)
ينتهي نسبه إلى سبط رسول الله ﷺ الشهيد الإمام الحسين رضي الله تعالى عنه. فهو سليل بيت النبوة، ووارث مجدهم، وابن الأئمة الأطهار.
انتسابه إلى سيدنا أبي بكر الصديق من جهة أمه:
وأمه فهي أم فروة فاطمة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وأمها أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهم، (الجوهرة في نسب النبي وأصحابه العشرة للبُرِّي: 2/225)
ولذا قال الإمام جعفر الصادق : ولدني أبو بكر الصديق مرتين. (سير أعلام النبلاء للذهبي: 6/362)
فيجتمع في نسبه شرف أهل البيت النبوي من جهة أبيه، وشرف سلالة سيدنا أبي بكر الصديق من جهة أمه، فكان جامعاً بين مناقب عظيمة، ونَسَبٍ طاهر زكيّ.
مولده ونشأته:
وُلد رضي الله عنه يوم الإثنين 17 ربيع الأول سنة 80 هـ بالمدينة المنورة، (الإكمال في أسماء الرجال للشاه عبد الحق الدهلوي: 11/82)
ونشأ في بيتٍ عامرٍ امتلأ بالعلم والتقوى والعبادة، فوالده الإمام محمد الباقر من كبار التابعين، وجده الإمام علي زين العابدين سيّد العُبّاد والزُّهاد. فشبّ جعفر الصادق في بيئة يغمرها نور النبوة، ويسودها حب العلم والعمل الصالح.
كنيته ولقبه:
كُنّي بأبي عبد الله، ولقّب بـ الصادق، لما عُرف عنه من صدق الحديث، ونزاهة اللسان، فلم يُعرف عنه كذب قط (الأعلام للزركلي: 2/ 126).
وقد أجمع العلماء على أن صدقه وورعه وهما تاج شخصيته، حتى صار اللقب ملازماً لاسمه في كتب التاريخ والرجال.
أزواجه وأولاده:
تزوّج الإمام جعفر الصادق بعدة نساء صالحات، وأنشأ أسرة كريمة علوية هاشمية امتدادًا لبيت جده المصطفى ﷺ تشعّ منه أنوار الهداية وتفوح منه عبَق الرسالة المحمدية الخالدة.
ومن أشهر زوجاته وأولاده:
السيدة فاطمة بنت الحسين بن علي بن الحسين بن علي رضي الله عنهم فهي ابنة عمه التي ولدت له: إسماعيل، وعبد الله الأفطح، (لباب الأنساب للبيهقي: 1/36)
وأم فروة رضي الله عنهم.والسيدة الزكية الطاهرة حميدة المصفاة، أم ولد وتكنى بأم لؤلؤة، التي أنجبت: الإمام موسى الكاظم، ومحمد الديباج (لباب الأنساب للبيهقي: 1/105)
وإسحاق، وفاطمة الكبرى (نسب قريش للزُبيري: 63)
وعلي العريضي جدّ آل باعلوي رضي الله عنهم (لباب الأنساب والألقاب لابن فندمة: 71)
حياته العلمية:
نشأ الإمام جعفر الصادق في المدينة المنورة، التي كانت حينذاك منارة للعلم ومركز للفقه والحديث، فشبّ بين كبار العلماء والفقهاء، وتفتحت مواهبه في بيئة تزخر بالعلم، وكان كثير التردد إلى مجالس العلم، ملازماً للعلماء، متأملاً في القرآن والسنة، حتى صار إمامًا في الفقه والحديث، يَرجع إليه كبار الأئمة والمحدثين.
وقد عُرف بتوسّعه في العلوم، فلم يقتصر على الفقه والحديث، بل كان له باعٌ واسعٌ في علوم التفسير، والعقيدة، والحكمة، واللغة، حتى عُدّ من العلماء الموسوعيين في عصره.
مكانته في الحديث والفقه:
الإمام جعفر الصادق على رأس الطبقة الخامسة من التابعين، وقد تلقى العلم عن كبار الصحابة والتابعين، وروى عن أبيه محمد الباقر، وعن جابر بن عبد الله الأنصاري، وعبيد الله بن أبي رافع، وعروة بن الزبير، وعطاء بن أبي رباح -وروايته عنه في "مسلم"- وجدِّه؛ القاسم بن محمد، ونافع العمري، ومحمد بن المنكدر، والزهري، ومسلم بن أبي مريم، وغيرهم، وليس هو بالمكثر إلا عن أبيه، وكان من جلة علماء المدينة (سير أعلام النبلاء للذهبي: 6/362)
ممن أخذ عنه:
كان رضي الله عنه من كبار التابعين وأعيانهم، مشهودًا له بالمنزلة الرفيعة في العلم والفضل، وقد أخذ عنه جملة من كبار الأئمة رضي الله عنهم، مثل الإمامين أبي حنيفة ومالك، والسفيانين (الثوري وابن عيينة)، ويحيى بن سعيد، وابن جريج وشعبة، وأيوب، وغيرهم من أعلام الأمة. (الإتحاف بحب الأشراف للشبراوي: 54)
وطائفة من أقرانه إسماعيل بن جعفر، ووهب بن خالد، وحاتم بن إسماعيل، وسليمان بن بلال، والحسن بن صالح، والحسن بن عياش -أخو أبي بكر- وزهير بن محمد، وزيد بن حسن الأنماطي، وسعيد بن سفيان الأسلمي، وعبد الله بن ميمون، وعبد العزيز بن عمران الزهري، وعبد العزيز الدراوردي، وعبد الوهاب الثقفي، وعثمان بن فرقد، ومحمد بن ثابت البناني، ومحمد بن ميمون الزعفراني، ومسلم الزنجي، ويحيى القطان، وأبو عاصم النبيل، وآخرون (سير أعلام النبلاء للذهبي: 6/256).
وهذا يدل على أن مدرسته العلمية لم تكن محصورة على مذهب واحد، بل امتدّ علمه بين المذاهب الإسلامية المختلفة، وقد انتشرت عنه العلوم والمعارف، وتناقل الناس حكمه ولطائفه، واقتفوا أثر سيرته الحميدة وهديه الصالح، حتى ذاع صيته في الآفاق، وعمَّ ذكره سائر البلدان.
قال الإمام ابن حجر رحمه الله تعالى: نقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان وانتشر صيته في جميع البلدان (الصواعق المحرقة لابن حجر: 2/586)
ورعه وزهده:
كان الإمام جعفر الصادق مثالاً للزهد والتقوى، متأثراً بسيرة جده علي زين العابدين رضي الله عنه. وكان من الْمكثرين من الصلاة والصيام وتلاوة القرآن.
يقول الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى: لقد كنت آتي إلى جعفر بن محمد، ولقد اختلفت إليه زمانا، فما كنت أراه إلا على ثلاث خصال، إما مصليا، وإما صائما، وإما يقرأ القرآن.
وما رأيته قط يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا على طهارة (مسند الموطأ للجوهري: 207)كما كان زاهداً في الدنيا، معرضاً عن زخارفها، يُطعم الطعام حتى لا يُبقي لعياله شيئاً، (سير أعلام النبلاء للذهبي: 6/362)
فيضرب بذلك أروع الأمثلة في الكرم والسخاء.
كرمه وأخلاقه:
لم يكن علم الإمام الصادق مجرد أقوال تُروى، بل كان خُلُقاً عملياً يظهر في سلوكه ومعاملاته. فقد كان كريماً جواداً، لا يُرد سائله، يُطعم الفقراء والمساكين، ويصل الرحم، ويُكرم الضيف.
وكان يقول: ما توسّل إلىّ أحد بوسيلة هي أقرب إلىّ من يد سبقت مني إليه أتبعها أختها لتحسن ربّها وحفظها؛ لأنّ منع الأواخر يقطع لسان الأوائل. (زهر الآداب وثمر الألباب للحُصري: 1/125)
وكان متواضعاً، لا يتعالى على أحد بنسبه ولا بعلمه، بل كان يجلّ العلماء، ويوقر كبار السن، ويعامل الناس بالحلم والرفق.
محبته للشيخين:
عن زهير، قال: قال أبي لجعفر بن محمّد: إنَّ لي جارا يزعم أنَّك تبرأ من أبي بكر وعمر؟ قَالَ: بَرِئ الله من جارك، والله إني لأرجو أن ينفعني الله بقرابتي من أبي بكر، (سير أعلام النبلاء للذهبي: 6/362)
وهذا تصريح منه بحب الشيخين واعتقاد فضلهما.
شهادات العلماء فيه:
لقد أجمع العلماء على فضله، وهذه بعض أقوال الأئمة الذين أثنوا عليهم:
o ما رأيت أفقه من جعفر بن محمد (الإمام أبو حنيفة) (تاريخ الإسلام للذهبي: 3/828)o كان من العلماء الزهاد والعباد الذين يخشون الله عز وجل. (الإمام مالك) (مسند المؤطا للجوهري: 1/286)
o الإمام جعفر بن محمد ثقة لا يسأل عن مثله (الإمام أبو حاتم الرازي) (الجرح والتعديل لأبي حاتم الرازي: 2/487)
o كان من سَادَات أهل الْبَيْت فقهاً وعلماً وفضلاً (الإمام ابن حبان) (الثقات لابن حبان: 6/131)
o هو أبو عبد الله المعروف بالصادق صدوق فقيه إمام (الإمام ابن حجر العسقلاني) (تقريب التهذيب لابن حجر: 1/141)
o كان يصلح للخلافة لسؤدده وفضله وعلمه وشرفه رضي الله عنه. (الإمام الذهبي) (تاريخ الإسلام للذهبي: 3/828)
وهذه الكلمات الموجزة تختصر سيرة حياة متكاملة، قائمة على الصدق، والتقوى، والابتعاد عن الفتن والخصومات.
وفاته:
توفي الإمام جعفر الصادق يوم الاثنين في 15 رجب سنة 148 هـ، عن عمر ناهز 68 عامًا، ودُفن في مقبرة البقيع الغرقد بالمدينة المنورة، (تاريخ الخميس للدِّيار بَكري: 2/287)
إلى جوار آبائه وأجداده من أئمة أهل البيت، فرحمه الله رحمة واسعة، ورضي الله عنه وأرضاه.
من أدعيته وأذكاره:
كان من دعائه رضي الله عنه: «اللهم أعزني بطاعتك، ولا تخزني بمعصيتك، اللهم ارزقني مواساة من قتّرت عليه رزقه بما وسعت عليّ فضلك» فقال أبو معاوية، يعني غسان، فحدثت بذلك سعيد بن سلم فقال: "هذا دعاء الأشراف". (حلية الأولياء لأبي نعيم الأصفهاني: 3/196)
مختارات من كلماته وحكمه:
o ترك الإمام جعفر الصادق تراثاً من الحكم والمواعظ، تدل على سِعة علمه وعمق بصيرته، ومنها:
إياكم والخصومة في الدين فإنها تشغل القلب، وتورث النفاق (تهذيب الكمال في أسماء الرجال للحافظ الْمزي: 5/92)
o الفقهاء أمناء الرسل، فإذا رأيتم الفقهاء قد ركنوا إلى السلاطين فاتهموهم (سير أعلام النبلاء للذهبي: 6/367)
o من عاش في ظاهر الرسول فهو سنّي، ومن عاش في باطن الرسول فهو صوفي (حلية الأولياء لأبي نعيم الأصفهاني: 1/20، تذكرة الحفاظ للذهبي: 1/126)o لا زاد أفضل من التقوى، ولا شيء أحسن من الصمت ولا عدو أضر من الجهل، ولا داء أدوى من الكذب. (حلية الأولياء لأبي نعيم الأصفهاني: 3/196)
خاتمة:
لقد كان الإمام جعفر الصادق صورة ناصعة للعالم الرباني، الذي يجمع بين العلم والعمل، وبين العبادة والورع، وبين الكرم والأخلاق، فجديرٌ بأجيال المسلمين أن يتخذوه قدوة، وأن يستضيئوا بسيرته في زمن تتنازع فيه الأهواء والفتن، فهي تعكس معاني الإسلام في صفائها ونقائها، وتُثبت أن أهل البيت رضي الله عنهم كانوا ولا يزالون منارات هدى، وركائز ثابتة في بناء الحضارة الإسلامية.
ولذا قال ﷺ: النجوم أمان لأهل السماء، إذا ذهبت النجوم ذهب أهل السماء، وأهل بيتي أمان لأهل الأرض، فإذا ذهب أهل بيتي ذهب أهل الأرض (المستدرك على الصحيحين (3721) الطبراني، المعجم الصغير (983) وفضائل الصحابة لأحمد بن حنبل: 1145).
فرضي الله عن الإمام جعفر الصادق، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، ونفعنا بعلمه وآثاره وجمعنا به مع جده المصطفى ﷺ في دار الكرامة، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلّى الله وسلّم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمّد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

تعليقات