مدونات مختارة
الأكثر شهرة
العقيدة الصحيحة بشأن وجود الجن! | محمد عدنان الجشتي
هذا المقال من مجلة نفحات المدينة: 19
نحن نعيش في عالَمٍ لا يقتصر على البشر فقط، بل تسكنه مخلوقات كثيرة ومتنوّعة لا تحصى.
فمنها: مخلوقات وردت بشأنها روايات وقصص مختلفة، كطائر العُنقاء أو الديناصورات وغيرهما.
ومنها: ما نستطيع رؤيته بالعين المجرّدة، كالبشر والحيوانات والطيور وسائر المخلوقات المنتشرة من حولنا.
ومنها: ما لا تراه بالعين البشريّة، ولكن يمكننا الإحساس به، كالهواء والعطور والرائحة الكريهة، ومن الملفت للانتباه أنّه قلّما نجد أحدًا يقول: "إنّي لا أُؤمن بوجود الهواء؛ لأنّي لم أره بعيني" أو "لا أُقرّ بوجود الرائحة الطيّبة؛ لأنّني لا أبصرها"، بل إنّه يعترف بوجود الهواء لمجرّد أنّه أحسّ به.
ومنها: مخلوقات أو عناصر لا يمكن رؤيتها إلّا باستخدام أدوات وآلات خاصّة؛ لأنّ رؤيتها مجرّدةً بدون مساعدة لا تقع ضمن قدرة العين البشريّة، كالبكتيريا المنتشرة حولنا، أو مكوّنات الدم الدقيقة مثل: الهيموجلوبين وكريات الدم الحمراء والبيضاء، أو الأمراض التي تصيب الجسم، أو عناصر الكالسيوم والبروتينات والفيتامينات، ومقدار كميّتها في أجسامنا..
فهذه الأشياء كلّها لا يُمكن إنكار وجودها، رغم أنّ أكثر الناس لم يروا منها شيئًا بأعينهم، ومع ذلك يعترف الجميع بوجودها ويؤمنون بها.
تأمّل قليلًا، لماذا يكون الأمر كذلك؟
قد يخطر ببالك أنّ هذه الأشياء لا يُمكن إنكارها؛ لأنّ عددًا كبيرًا من الناس قد أخبروا بوجودها، ومع أنّنا لا نراها بأعيننا إلّا أنّنا نسلّم بوجودها استنادًا إلى شهادة كثرة القائلين بها، فكان من الحكمة "التسليم بوجودها."
فانظر الآن وتأمّل: هناك مخلوقٌ لا يمكن رؤيته على صورته الأصليّة بالعين البشريّة، وقد أخبرنا بوجوده ربّنا سبحانه وتعالى، وأنبأنا به أنبياؤه ورسله، وكذلك الصحابة الكرام رضي الله عنهم، والتابعون والصالحون والأولياء والعلماء، جميعُهم قد أخبرونا بوجود هذه المخلوقات غير المرئيّة، وهم "الجن".
فما بالنا نقرّ بوجود الجراثيم، وكريات الدم الحمراء، والبيضاء، والكالسيوم، لمجرّد أنّ جمعًا من الناس أخبرونا بها! ثمّ نُعرض عن التصديق بوجود الجنّ -والعياذ بالله-،
أليس هذا تناقضًا وتفكيرًا غير سليم؟! مع أنّ مَن أخبر بوجود الجنّ هو ربّ العالمين وأصدق الصادقين، ورسله الصادقون، وجموعٌ عظيمة من أوليائه وعلمائه، فالواجب على المؤمن أنْ يسلّم بذلك تسليمًا تامًّا، إذ أنّ إنكار وجود الجنّ مع ورود النص الصريح بهم قد يفضي بصاحبه إلى الخروج من دائرة الإسلام. -والعياذ بالله-
ما حكم إنكار الجنّ؟
قد لا يُصرّح بعض الناس بإنكار وجود الجنّ، ولكنّهم يقولون أقوالًا تستلزم ذلك، كأنْ يقول أحدهم: "الجنّ ليس هم إلّا مجرّد رمز للشرّ".
فعليكم أنْ تنتبهوا جيّدًا! فإنّ وصف الشيطان أو الجنّ الأشرار بأنّهم مجرّد "قوّة الشرّ" فهو في الحقيقة إنكارٌ لوجودهم الحقيقي الغيبي، وهذا يُعدّ كفرًا، وقد صرّح بذلك المفتي محمّد أمجد علي الأعظمي رحمه الله حيث قال: "إنكار وجود الجنّ أو تسمية الجنّ أو الشيطان بقوّة الشرّ كفر.(بهار شريعت: 1/97، تعريبًا من الأردية)
ثبوت وجود الجنّ من القرآن الكريم:
لقد ورد في القرآن الكريم سورة كاملة باسمهم وهي: "سورة الجنّ"، فمَن أنكر وجودهم فقد أنكر نصًّا من نصوص القرآن الكريم؛ لأنّ الله تعالى قد ذكر خلقهم في مواضع عديدة من كتابه المجيد، فقال سبحانه وتعالى:
وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُون (56:الذريت )
وقال تعالى في مقامٍ آخر:وَٱلۡجَآنَّ خَلَقۡنَٰهُ مِن قَبۡلُ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ (27:الحج )
لماذا سُمّي الجنّ بهذا الاسم؟
الجنّ خلاف الإنس، يُقال: جنّه الليل وأجنّه وجنّ عليه، وغطّاه في معنى واحد: إذا ستره، وكلّ شيء استتر فقد جنّ عنك، وبه سُمّيت "الجنّ"، وكان أهل الجاهليّة يسمّون الملائكة جنًّا لاستتارهم عن العيون. (عمدة القاري: 10/644، مختصرًا)
أنواع الجنّ وأشكالهم:
جاء في الحديث الصحيح: عن سيّدنا أبي ثَعلَبَةَ الخُشَنِي قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: الْجِنُّ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ: صِنْفٌ لَهُمْ أَجْنِحَةٌ يَطِيرُونَ فِي الْهَوَاءِ وَصِنْفٌ حَيَّاتٌ وَكِلَابٌ وَصِنْفٌ يَحُلُّونَ وَيَظْعَنُون. (المستدرك على الصحيحين: 3/254 ((3754))
يَحُلُّونَ أي: ينزلون ويقيمون تارة، «وَيَظْعَنُونَ» أي: يسافرون ويرتحلون مرّة أخرى (مرقاة المفاتيح :7/741 )
وفود الجنّ تأتي إلى النبي ﷺ:
لقد ثبت في الأحاديث الشريفة أنّ وفودًا من الجنّ قدِموا إلى النبيّ الكريم ﷺ، ومنهم مَن حضر بين يديه ﷺ حين نسي سورةً من القرآن الكريم، ومنهم مَن سأله ﷺ عن طعامهم، وغير ذلك من الروايات الكثيرة التي تُثبت وجود الجنّ إثباتًا جليًّا كوضوح الشمس في رابعة النهار.
- حين يشاء الله تعالى فقد يُشعِر الإنسان بحضورهم، كما في حادثةٍ أخبر فيها رسول الله ﷺ الصحابةَ الكرام قائلًا: «إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى الْجِنِّ اللَّيْلَةَ، فَأَيُّكُمْ يَتَّبِعُنِي؟»، فَأَطْرَقُوا، ثُمَّ قَالَ الثَّانِيَةَ فَأَطْرَقُوا، ثُمَّ قَالَ الثَّالِثَةَ فَأَطْرَقُوا،فَقَالَ سيّدُنا عَبدُ اللهِ بنُ مَسْعُودٍ : أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ!. قَالَ سيّدُنا عَبدُ اللهِ بنُ مَسْعُودٍ : وَلَمْ يَحْضُرْ مَعَهُ أَحَدٌ غَيْرِي، فَانْطَلَقْنَا حَتَّى إِذَا كُنَّا بِأَعْلَى مَكَّةَ دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ شِعْبًا يُقَالُ لَهُ: "شِعْبُ الْحَجُونِ"، وَخَطَّ لِي خَطًّا وَأَمَرَنِي أَنْ أَجْلِسَ فِيهِ وَقَالَ: «لَا تَخْرُجْ مِنْهُ حَتَّى أَعُودَ إِلَيْك. ثُمَّ انْطَلَقَ حَتَّى قَامَ فَافْتَتَحَ الْقُرْآنَ، فَجَعَلْتُ أَرَى أَمْثَالَ النُّسُورِ تَهْوِي وَتَمْشِي فِي رَفْرَفِهَا، وَسَمِعتُ لَغَطًا وَغَمْغَمَةً حَتَّى خِفْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَغَشِيَتْهُ أَسْوِدَةٌ كَثِيرَةٌ حَالَتْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ حَتَّى مَا أَسْمَعُ صَوْتَهُ، ثُمَّ طَفِقُوا يَتَقَطَّعُونَ مِثْلَ قِطَعِ السَّحَابِ ذَاهِبِينَ.فَفَرَغَ النَّبِيُّ ﷺ مَعَ الْفَجْرِ فَقَالَ: «أَنِمْتَ؟»،قُلْتُ: لَا وَاللهِ!، وَلَقَدْ هَمَمْتُ مِرَارًا أَنْ أَسْتَغِيثَ بِالنَّاسِ حَتَّى سَمِعْتُكَ تَقْرَعُهُمْ بِعَصَاكَ تَقُولُ: «اجْلِسُوا». فَقَالَ: «لَوْ خَرَجْتَ لَمْ آمَنْ عَلَيْكَ أَنْ يَخْطَفَكَ بَعْضُهُمْ».ثُمَّ قَالَ: «هَلْ رَأَيْتَ شَيْئًا؟»،قُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ، رَأَيْتُ رِجَالًا سُودًا مُسْتَثْفِرِي ثِيَابًا بِيضًا،فَقَالَ: «أُولَئِكَ جِنُّ نَصِيبِينَ»،فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! لَقَدْ سَمِعْتُ لَغَطًا شَدِيدًا؟ فَقَالَ: إِنَّ الْجِنَّ تَدَارَأَتْ فِي قَتِيلٍ بَيْنَهُمْ فَتَحَاكَمُوا إِلَيَّ فَقَضَيْتُ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ (الجامع لأحکام القرآن( 8/153)
- وفي رواية صحيح مسلم: عن عامر رضي الله عنه قال: سألت علقمة هل كان سيدنا ابن مسعود رضي الله عنه شهد مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟فقال علقمة: أنا سألت سيدنا ابن مسعود رضي الله عنه فقلت: هل شهد أحد منكم مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟قال: لا ولكنا كنا مع رسول الله ذات ليلة ففقدناه فالتمسناه في الأودية والشعاب.فقلنا: استطير أو اغتيل. قال: فبتنا بشر ليلة بات بها قوم فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء.قال: فقلنا يا رسول الله! فقدناك فطلبناك فلم نجدك فبتنا بشر ليلة بات بها قوم.فقال: «أتاني داعي الجن فذهبت معه فقرأت عليهم القرآن» قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم وسألوه الزاد فقال: "لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحمًا وكل بعرة علف لدوابكم. فقال رسول الله ﷺ: فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم (صحيح مسلم: 450)
كتب نافعـة عن أحكام الجنّ:
لِمَن أراد التوسّع في معرفة أحوال الجنّ وأحكامهم، فإنّ من الكتب القيّمة والنافعة في هذا الباب:
كتاب "آكامُ المرجان في أحكام الجان" للإمام العلّامة بدر الدين أبي عبد الله محمّد الحنفي رحمه الله.
وكتاب "لَقْطُ المرجان في أحكام الجان" للإمام الجليل جلال الدين السيوطي الشافعي رحمه الله.
فدراسة هذين الكتابين ذات نفع عظيم لكلّ مَن يهتمّ بشأن الجنّ وأحكامهم الشرعيّة.

تعليقات