مدونات مختارة
الأكثر شهرة
أصول الطرّق الصوفية | الشيخ طارق المحمد
هذا المقال من مجلة نفحات المدينة: 20
الطرق الصوفية في أصولها الصحيحة ليست بدعًا خارجة عن الشريعة، بل هي امتداد للسير على منهج الكتاب والسنة، غايتها "تربية النفس على الإخلاص ومجاهدة الهوى، وتحقيق مراقبة الله في السر والعلن"، ولذا قال الإمام الجنيد البغدادي رحمه الله تعالى: «من لم يحفظ القرآن، ولم يكتب الحديث، لا يقتدى به في هذا الأمر-يقصد التصوف-؛ لأن علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة (الرسالة القشيرية: صـ 19)
ويقول أيضًا: «الطرق كلها مسدودة عن الخلق إلا على من اقتفى أثر الرسول ﷺ، واتبع سنته ولزم طريقته، فإن طريق الخيرات كلها مفتوحة عليه (طبقات السلمي: صـ 159)
فالتصوف كله آداب، وكل آدابه متفرعة على قواعد الشرع فكيف يُتصور أن تكون أصول الطريقة عند أهل التصوف خارجة عن الشريعة وهي مبنية على العمل بها! ومن زعم أن أصولها تخالف الشرع فقد جهل حقيقتها أو نظر إلى انحراف بعض المنتسبين، والشريعة حاكمة على الجميع، فما وافقها فهو الصحيح في الطريق، وما خالفها فهو مردود.
ولهذا وضع أعلام التصوف، وفي مقدمتهم الشيخ الإمام الشيخ أحمد زرّوق رحمه الله تعالى فهو بحقّ محتسب الصوفية، فقد وضع منهجًا راسخًا بيَّن فيه أن التصوف الحق فرع من فروع الشريعة، لا يخرج عنها قيد أنملة، وفَصَّلَ القول في ذلك في رسالته "الأصول"، إذ رسم معالم الطريقة الصوفية على قواعد التقوى، واتباع السنة، والإعراض عن الخلق، والرضا بالقدر، والرجوع إلى الله في كل حال، كما صرّح الإمام الشيخ أحمد زرّوق بأن مدار التصوف في أصوله كله على الورع، والاستقامة، والعلم الصحيح، ومجاهدة النفس، وهذا هو عين الشريعة التي جاء بها النبي ﷺ، فالتصوف – كما قال الأئمة –:
"هو العمل بالشريعة ظاهرًا وباطنًا، والالتزام بآدابها في السلوك إلى الله تعالى".وبيان للحق الذي يلزم علينا بيانه نذكر لكل مستشكل أو سائل هذه الأصول التي يلتزم بها عامة أهل التصوف الحقّ الذي هو على الشريعة وفيه جواب دامغ لكل باطل سواء ممن يدّعي التصوف ولا يلتزم بهذه الأصول أو ممن يهاجمه وهو يجهل أصوله ومقاصده، يقول سيدي العلامة الشيخ أحمد زروق رحمه الله تعالى مبيّنًا معالمَ التصوف الشريف في رسالته التي سماها بـ"أصول الطريقة":
أصولُ طريقتِنا خمسةُ أشياء:
- تقوى الله تعالى في السِّرِّ والعلانية.
- اتِّباعُ السُّنّةِ في الأقوال والأفعال.
- الإعراضُ عن الـخلقِ في الإقبال والإدبار.
- الرِّضا عن الله تعالى في القليل والكثير.
- الرُّجوعُ إلى الله تعالى في السَّرَّاءِ والضَّرّاء.
فتقوى الله تَتَحَقَّقُ بالورعِ والاستقامة، واتباعُ السُّنّةِ يَتَحَقَّقُ بالتَّحفُّظِ وحسنِ الـخُلُق، والإعراضُ عن الـخَلْقِ يَتَحَقَّقُ بالصَّبر والتوكل، والرِّضاء عن الله يَتَحَقَّقُ بالقناعة والتَّفويض.
والرُّجوعُ إلى الله يَتَحَقَّقُ بالـحمد والشُّكر في السَّرّاء، والالتجاءُ إليه في الضّرّاء.
وأصولُ ذلك كلِّه خـمسة:
- علوُّ الـهِمّة.
- وحفظُ الـحُرْمة.
- وحسنُ الـخدمة.
- ونفوذُ العَزْمَة.
- وتعظيمُ النِّعمة.
فمن عَلَتْ هِـمَّته ارتفعت رتبتُه، ومَنْ حَفِظَ حرمةَ الله حُفِظَت حُرمتُه، ومَنْ حَسُنَتْ خِدمتُه وَجَبَتْ كرامتُه، ومَنْ نَفَذَت عزيـمتُه دامَتْ هدايتُه، ومَنْ عَظُمَتْ النِّعمةُ في عينِهِ شَكَرَها، ومَنْ شَكَرَها استوجَبَ الـمزيدَ مِنَ الـمُنعِمِ بـها حسبما وَعَدَهُ الصَّادق.
وأصولُ الـمعاملاتِ خـمسٌ:
- طلبُ العلمِ للقيام بالأوامر واجتناب الْمَنَاهِي.
- وصحبةُ الـمشايخِ والإخوانِ للتَّبصُّر.
- وتركُ الرُّخَصِ والتَّأويلاتِ للتَّحفُّظ.
- وضبطُ الأوقاتِ بالأوراد للحضور.
- واتِّـهامُ النَّفسِ في كلِّ شيءٍ للخروج عن الـهوى والسَّلامةِ مِنَ العَطَبِ.
فطلبُ العلمِ آفتُهُ: صحبةُ الأحداثِ سِنًّا وعقلًا ودينًا مِـمَّنْ لا يرجعُ لأصل ولا قاعدة.
وآفةُ الصُّحبةِ الاغترارُ والفضول، وآفةُ تركِ الرُّخَصِ والتّأويلاتِ الشَّفقةُ على النَّفس، وآفةُ ضبطِ الأوقاتِ اتِّساعُ النَّظرِ في العمل، وآفةُ اتِّـهامِ النَّفسِ الأنسُ بـحسنِ أحوالِـها واستقامتِها، وقد قال الله تعالى:
وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منه [ الأنعام:70]
وقال سيدنا يوسف صلوات الله تعالى عليه:
وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا من رحم ربي [ يوسف:53]
وآدابُ الـمريدِ مع الشَّيخِ خـمسة:
- اتِّباعُ الأمرِ وإنْ ظَهَرَ له خلافُهُ.
- واجتنابُ النَّهي وإنْ كان فيه حَتْفُه
- وحفظُ حرمتِهِ غائبًا أو حاضرًا.
- والقيامُ بـحقوقِهِ حسبَ الإمكانِ بلا تقصير
- وعزلُ عقلِهِ وعلمِهِ ورياستِهِ إلّا ما يُوافِقُ ذلك مِنْ شيخِه.
وآدابُ المريدِ مع الإخوانِ خمسة:
- حسن المعاملة
- وبذل النصيحة.
- وصدق المحبة، وعلاماتـها: الـمبادرة إلى مصالـحة أخيه إذا أغضبه.
- وبذل المعونة له في كل ضرورة.
- ودوام المواصلة.
وشروط الشيخ الذي يلقِي المريد إليه نفسه خمسة:
- علم صحيح.
- وذوق صريح.
- وهـمّة عالية.
- وحالة مرضية.
- وبصيرة نافذة.
ومَنْ كان فيه خـمسةٌ لا تَصلحُ مشيخته:
- الجهل بالدين.
- وإسقاطُ حرمةِ الـمسلمين
- ودخوله فيما لا يعنيه.
- واتِّباعُ الـهوى في كلِّ شيء.
- وسوءُ الـخُلُقِ بغيرِ مبالاة.
وأصولُ ما تُداوى به عِلَلُ النَّفسِ خـمسةُ:
- تـخفيفُ الـمعدة بقلة الطَّعام والشراب.
- واللَّجأُ إلى الله تعالى مِـمّا يَعْرِضُ عندَ عُرُوضِه.
- والفِرارُ مِنْ مواقفِ ما يُـخشَى الوقوعُ فيه.
- ودوامُ المراقبة والذكر والفكر والاستغفارِ والصَّلاةِ على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
- وصحبةُ مَنْ يدلُّ على الله تعالى بحاله وقاله. إلى أن قال رضي الله عنه: وقد رأيتُ فقراءَ هذا العصر
ابتلوا بـخمسة:
- إيثار الجهل على العلم.
- والاغترار بكل ناعق.
- والتهور في الأمور.
- والتَّعزُّز بالطريق.
- واستعجال الفتح دون شرطه.
فابتلوا بخمسة:
- إيثارُ البدعةِ على السُّنّة.
- واتِّباعُ أهلِ الباطل دون الحق.
- والعملُ بالـهوى في كلِّ أمرٍ أو في جلّ الأمور.
- وطَلَبُ التُّـرَّهاتِ دون الحقائق.
- وظهورُ الدَّعاوي دون صدق.
فظهروا بذلك بخمسة أشياء:
- الوسوسة في العبادات.
- والاسترسال مع العادات.
- والسماع والاجتماع في عموم الأوقات.
- واستمالة الوجوه بحسب الإمكان.
- وصحبة أبناء الدنيا حتى النساء والصبيان. واغتروا بوقائع القوم في ذلك أو ذكر أحوالهم، ولو تحققوا لعلموا أنَّ الوسوسةَ بدعةٌ أصلُها جهلٌ بالسُّنّة أو خبلٌ في العقل، وأنَّ السَّماعَ رخصةُ الـمغلوبِ أو راحةُ الكامل، وأنَّ التَّوجُّهَ لإقبال الخلق إدبارٌ عن الـحقِّ، وأنَّ صحبةَ الأحداثِ ظلمةٌ وعارٌ في الدُّنيا والدِّين.
وكلُّ مَنِ ادّعى مع الله حالًا ثـمَّ ظَهَرَتْ منه إحدى خـمسٍ فهو كذّابٌ أو مسلوب:
- إرسالُ الـجوارحِ في معصية الله.
- والتَّصنُّعُ بطاعة الله.
- والطَّمعُ في خَلْقِ الله.
- والوقيعةُ في أهل الله.
- وعدمُ احترامِ الـمسلمين على الوجهِ الذي أَمَرَ الله، وقلَّ ما يُـختَمُ له على الإسلام.
ثم قال نفعنا الله به وبسائر أهل الله: وينبغي لكَ مطالعةُ هذه الأصول في كلَّ يومٍ أو في كلِّ جـمعةٍ حتَّى تَنْطَبِعَ معانيها في نفسِك، ويقعَ تصرُّفُكَ على مقتضاها، فقد قيل: "إنَّـما حُرِمُوا الوصول مِنْ تضييعِ الأصول"، ومَنْ تأمَّلَ ما قلناه عَرَفَ ذلك.
وبها يتبين لنا مما سبق أن الطريقة في أصولها التي قررها أئمة القوم هي التحقق بأوامر الشرع واجتناب نواهيه، مع تزكية النفس وتهذيب الأخلاق، فهي ليست طريقاً موازياً للدين ولا منفصلاً عنه، بل هي التطبيق العملي لمرتبة الإحسان التي ذكرها الرسول ﷺ في حديث جبريل المشهور، ومن أراد الإنصاف فليحكم الأصل، لا انحراف من انحرف، فالعبرة بما قرره أئمة الطريقة لا بما يفعله جهّالها، والشريعة هي الميزان الذي نقيس به كل قول وعمل، ونسأل الله أن يرزقنا الفقه في الدين وحسن الاتباع، وأن يعصمنا من البدع والضلالات، وأن يجعلنا وإياكم على منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي سار فيه هؤلاء القوم وسهّلوا السلوك فيها بالبيان والعلم الصحيح.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً والحمد لله رب العالمين.

تعليقات