فتح مكة وأثره في ترسيخ قيم العدل والتسامح | الشيخ عادل ديري


نشرت: يوم الثلاثاء،03-مارس-2026

فتح مكة وأثره في ترسيخ قيم العدل والتسامح

فتح مكة وأثره في ترسيخ قيم العدل والتسامح

كان فتح مكة حدثًا مفصليًا توّج بعد سنوات طويلة من الصراع بين المسلمين وقريش، فمنذ هجرة النبي محمد ﷺ وأصحابه من مكة إلى المدينة المنورة خاضت قريش معارك عدة ضد المسلمين (بدر وأحد والخندق وغيرها) في مسعى لصدّ الدعوة، وفي السنة السادسة للهجرة عقد الفريقان صلح الحديبية الذي تضمّن وقف القتال لمدة عشر سنين. لكن هذا الصلح نقضته قريش بعد حوالي عامين بسبب حادثة دامية: إذ قامت قبيلة بني بكر (حليفة قريش) بالاعتداء ليلًا على قبيلة خزاعة (حليفة المسلمين)، فبيتوا خزاعة عند ماء الـوتير وقتلوا منهم رجالًا، بمساندة سرية من بعض زعماء قريش الذين قدموا السلاح والرجال لبني بكر، وبذلك خرقت قريش عهد الحديبية ونقضت الاتفاق، مُوقِعةً بخزاعةَ خسائر في الحرم المكي نفسه، حيث لجأ أفراد خزاعة إلى حدود الحرم فلاحقهم المعتدون فيه (تاريخ الإسلام للذهبي: 2/522) (ابن إسحاق في السيرة: 3/ 336)

أسرعت خزاعة في طلب النصرة من المسلمين؛ فخرج عمرو بن سالم الخزاعي رضي الله عنه في وفد إلى المدينة ووقف أمام النبي ﷺ منشدًا أبياتًا يصف فيها غدر بني بكر ونقض قريش للعهد،

يَا رَبِّ إنِّي نَاشِدٌ مُحَمَّدًا … حِلْفَ أَبِينَا وَأَبِيهِ الْأَتْلَدَا

قَدْ كُنْتُمْ وُلْدًا وَكُنَّا وَالِدَا … ثُمَّتَ أَسْلَمْنَا فَلَمْ نَنْزِعْ يَدَا

فَانْصُرْ هَدَاكَ اللَّهُ نَصْرًا أَعْتَدَا … وَادْعُ عِبَادَ اللَّهِ يَأْتُوا مَدَدَا

فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ قَدْ تَجَرَّدَا … إنْ سِيمَ خَسْفًا وَجْهُهُ تَرَبَّدَا

فِي فَيْلَقٍ كَالْبَحْرِ يَجْرِي مُزْبِدًا … إنَّ قُرَيْشًا أَخْلَفُوكَ الْمَوْعِدَا

وَنَقَضُوا مِيثَاقَكَ الْمُوَكَّدَا … وَجَعَلُوا لِي فِي كَدَاءٍ رُصَّدَا

وَزَعَمُوا أَنْ لَسْتُ أَدْعُو أَحَدَا … وَهُمْ أَذَلُّ وَأَقَلُّ عَدَدَا

هُمْ بَيَّتُونَا بِالْوَتِيرِ هُجَّدًا … وَقَتَلُونَا رُكَّعًا وَسُجَّدَا

(تاريخ الإسلام للذهبي 2/523)

طالبًا العون والوفاء بحلفهم القديم، فما كان من الرسول ﷺ إلا أن أجابه قائلًا: نُصرتَ يا عمرو بن سالم، مؤكدًا عزمه على نجدة حلفائه. أدركت قريش خطورة الأمر وخشيت العاقبة، فعقد زعماؤها اجتماعًا تشاوريًا وقرّروا إرسال زعيمهم أبا سفيان بن حرب إلى المدينة لتجديد الصلح والاعتذار. وصل أبو سفيان والتقى النبي ﷺ والصحابة محاولًا التوسّط لتمديد المعاهدة، لكن مساعيه قوبلت بفتور ولم يحصل على أي ضمان، عاد أبو سفيان إلى مكة خائبًا، وعلمت قريش أن المواجهة باتت وشيكة وأن المسلمين سيُقدمون على فتح مكة عمّا قريب (سيرة ابن هشام: 2/389،390)

الاستعدادات والمعسكرات قبل الفتح

بدأ النبي ﷺ الإعداد لفتح مكة بسرية تامة وحذر شديد، أمر المسلمين بالتجهّز للخروج، لكنه لم يصرّح بوجهته الحقيقية كي لا تتأهب قريش للمقاومة (المصدر السابق: 2/397)

 وفي تلك الأثناء حاول الصحابي حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه إرسال رسالة سرية إلى بعض زعماء مكة يُخبرهم بخطة المسلمين ويتوسّل إليهم حماية أهله، كتب حاطب رضي الله عنه رسالته وأعطاها لامرأة مشركة لتوصيلها مقابل أجر، إلا أن الوحي نزل على النبي ﷺ يُعلمه بالأمر، فبعث علي بن أبي طالب والزبير والمقداد رضي الله عنهم لتعقب المرأة قبل وصولها مكة، فاستطاعوا فعلاً إدراكها في منطقة روضة خاخ (بين مكة والمدينة)، وهددوها حتى أخرجت الرسالة من مخبئها في شعرها، سلموا الرسالة إلى الرسول ﷺ فقرأها، ثم استدعى حاطبًا رضي الله عنه واستوضحه فعله، اعتذر حاطب رضي الله عنه مبينًا أنه أراد حماية عائلته بمكة بحكم أنه ليس قرشي الأصل كغيره من المهاجرين، ولم يفعل ذلك كفرًا ولا ارتدادًا، قَبِل النبي عذره ورحم حاله قائلًا: صدقكم حاطب، وذكّر الصحابة بأنه من أهل بدر الذين نالوا مغفرة الله، بذلك حافظ الرسول ﷺ على وحدة الصف الداخلي وأمن المعلومات، وأظهر في الوقت نفسه رحمةً وحلمًا بقوله: لعل الله اطّلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم (المصدر السابق: 2/398، 399)

وفي رمضان من السنة الثامنة للهجرة، عزم النبي ﷺ على التحرك نحو مكة، استخلف أبا رُهم الغفاري رضي الله عنه على المدينة، وخرج في 10 رمضان قاصدًا مكة (المصدر السابق: 2/ 399)

على رأس جيش كبير قوامه حوالي عشرة آلاف مقاتل، خرج الجيش صائمًا في بداية رمضان امتثالًا لأمر النبي ﷺ، لكنه عليه الصلاة والسلام راعى مشقة السفر؛ فحين بلغ بمن معه منطقة الكَدِيد بين عسفان وأَمَج على بعد مراحل من مكة، أفطر وأفطر الناس معه (الأنوار في شمائل النبي المختار: الحديث رقم 693)،

واصل المسلمون المسير حتى وصلوا مشارف مكة عند وادي مرّ الظهران (قرب مكة) حيث عسكروا ليلًا دون أن تشعر قريش بقدومهم، أمر النبي ﷺ جيشه أن يوقدوا النيران بكثافة في المخيم حتى ترى قريش النار من بعيد وتهاب حجم الجيش، في تلك الليلة خرج العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه – وكان قد أسلم قبل وقت قريب وقدم مع الجيش – يمتطي بغلة النبي ﷺ يتحسّس أي قادم من مكة عسى أن يُبلغ قريشًا لتجنيبها الدمار. على مشارف مكة، التقى العباس رضي الله عنه بأبي سفيان بن حرب ومعه حكيم بن حزام وبديل بن ورقاء، وكانوا قد خرجوا يستطلعون أخبار الجيش المسلم. خاطب العباسُ رضي الله عنه أبا سفيان ونصحه بأن يأتي معه إلى رسول الله قبل أن يكون الوقت قد فات. وافق أبو سفيان، فركب خلف العباس رضي الله عنه وجاء به إلى النبي ﷺ في معسكر مرّ الظهران.

مثُل أبو سفيان بين يدي رسول الله ﷺ في تلك الليلة، وبأسلوب القائد الواثق، سأله النبي: يا أبا سفيان، أما آن لك أن تعلم أنه لا إله إلا الله، فأقرّ أبو سفيان بوحدانية الله. ثم سأله: أما آن لك أن تعلم أني رسول الله؟ فتردد أبو سفيان قليلًا لما في نفسه من رواسب، فقال له العباس رضي الله عنه: "أسلم واشهد شهادة الحق قبل أن يُضرب عنقك". عندها نطق أبو سفيان رضي الله عنه بالشهادتين معلنًا إسلامه وانقياده، لم يشأ الرسول ﷺ أن يفوّت هذا الموقف دون استخدامه لتحقيق نصر نفسي ومعنوي على قريش؛ فقال للعباس: احبس أبا سفيان عند خَطْم الجبل، حتى ينظر إلى المسلمين، وقف العباس رضي الله عنه بأبي سفيان رضي الله عنه عند ممر الوادي عند الفجر، ومرّت قبائل المسلمين وتنظيماتهم العسكرية كتائبَ متتابعة أمام ناظريه. كلما مرت كتيبة ضخمة تساءل أبو سفيان رضي الله عنه في دهشة: "من هؤلاء؟"، فيجيبه العباس رضي الله عنه باسم القبيلة أو الفرقة، رأى أبو سفيان رضي الله عنه أعدادا هائلة لم يعهدها من قبل، حتى مرّت كتيبة الأنصار بقيادة سعد بن عبادة رضي الله عنه تحمل راية النبي ﷺ، فكاد أبو سفيان لا يصدق عينيه من ضخامة جمعها. هنا قال أبو سفيان للعباس رضي الله عنه مذهولًا: لقد أصبح ملك ابن أخيك اليوم عظيمًا"، فأجابه العباس: "إنها النبوة يا أبا سفيان!". لقد أدرك زعيم قريش حينها أنه أمام قوة لا قِبل لقريش بها ولا منعة، وأن الاستسلام والسلامة خير من القتال.

قبل انطلاق الجيش نحو مكة، أراد النبي ﷺ استثمار مكانة أبي سفيان رضي الله عنه بين قومه لتفادي القتال. فقال النبي ﷺ للعباس رضي الله عنه: احبس أبا سفيان عند ممر الوادي ليشاهد الجيش، ثم اذهب به إلى قومه، وبالفعل أُطلق سراح أبي سفيان رضي الله عنه بعد مشاهدته قوة المسلمين، فسارع راجعًا إلى مكة. هناك صاح بأعلى صوته في أهلها محذرًا: "يا معشر قريش، هذا محمد قد جاءكم بما لا قِبَل لكم به! فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن!". وكانت دار أبي سفيان رضي الله عنه في مكة كبيرة تتسع لعدد من الناس. ثم أردف مناديًا: ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن. فتفرّق الناس إلى بيوتهم أو تجمعوا في المسجد الحرام طلبًا للأمان، وخلت الشوارع إلا من نفر قليل عزموا على المقاومة. وبذلك نجحت خطة النبي ﷺ في شل حركة أهل مكة وتجنيب المدنيين ويلات الحرب قدر المستطاع (سيرة ابن هشام: 2/402-404)

أحداث وتفاصيل يوم الفتح

دخلت جيوش المسلمين مكة صباح يوم 20 رمضان سنة 8هـ في مشهد مهيب، قسم النبي ﷺ الجيش إلى فرق تتجه إلى مكة من جهات متعددة بهدف إحكام السيطرة وتجنب الاصطدام قدر الإمكان. فأمر الزبير بن العوام رضي الله عنه أن يقود جناح الجيش الغربي عند منطقة كداء (أعلى مكة)، حاملاً راية رسول الله ﷺ البيضاء، وأمر خالد بن الوليد رضي الله عنه أن يقود الجناح الآخر ويدخل من أسفل مكة جهة المسفلة، ودخلت كتيبة بقيادة أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه من وسط المدينة عبر طريق أخرى. وقد أوصى النبي ﷺ قواده بأن يتجنبوا القتال وألا يبدؤوا أحدًا بحرب إلا عند الضرورة القصوى، وهكذا تقدمت الكتائب الإسلامية بهدوء وحذر نحو مكة (المصدر السابق: 2/406-407)

دخل النبي ﷺ مكة دخول المنتصر المتواضع كان راكبًا ناقته القصواء برفقة أصحابه، وقد أحنى رأسه تواضعًا لله شكرًا لما أكرمه به من الفتح العظيم، حتى كادت ذقنه تلامس ظهر راحلته من شدة تواضعه (المصدر السابق: 2/405)

وفي هذا المشهد المهيب تجلت صورة القائد الشكور لله، الذي لم يغره نصره عن الخضوع لربه. وكان رسول الله ﷺ يقرأ سورة الفتح ويردد التكبير والتهليل وهو يدخل البلد الحرام في موكب إيماني مهيب.

اتجه النبي ﷺ مباشرة إلى المسجد الحرام وإلى جوار الكعبة، كان أهل مكة قد أغلقوا الأبواب على أنفسهم في البيوت واحتموا بالمسجد، فاجتمع الناس هناك يترقبون ما سيفعل. دخل الرسول ﷺ الكعبة المشرفة ومعه عدد من أصحابه، ووجد في جوف الكعبة تماثيل وصورًا كان المشركون قد وضعوها، فأمر بها فمُحيت، ثم خرج إلى صحن الكعبة حيث كانت منصوبة حولها 360 صنمًا لمختلف قبائل العرب. فأخذ النبي ﷺ يطعن تلك الأصنام ويُسقطها واحدًا تلو الآخر بعصا كانت في يده وهو يردد قول الله تعالى

وقل جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ (الكامل في التاريخ: 2/125)

حتى تحطم الأصنام كلها

وبينما كان النبي ﷺ يقوم بتطهير الكعبة، حان وقت الصلاة فأمر رسول الله ﷺ بلال بن رباح رضي الله عنه ذلك العبد السابق الذي عُذّب في مكة لأجل التوحيد أن يصعد على ظهر الكعبة ويرفع الأذان بصوته العذب عاليًا، صدح صوت بلال رضي الله عنه بالأذان في أرجاء الحرم لأول مرة، يعلن توحيد الله ويدعو للصلاة، فهذا بلال الحبشي رضي الله عنه مؤذن رسول الله ﷺ يعتلي أقدس مكان في مكة، وكلمات الأذان تزلزل أصنام القلوب بعد أن حُطّمت أصنام الأحجار! وقد أثار ذلك المشهد بعض التعليقات من كبار قريش الذين لم يدخل الإيمان في قلوبهم بعد.

تصرفات النبي ﷺ بعد الفتح:

جسّد النبي ﷺ أسمى قيم الرحمة والتواضع والحكمة في تعامله مع أهل مكة بعد فتحها، على الرغم من كل ما فعلته قريش من إيذاء وتشريد للمسلمين على مدى عشرين عامًا تقريبًا، إلا أن الرسول ﷺ أعلن منذ اللحظة الأولى سياسة العفو العام والتسامح. فقد جمع أهل مكة عند الكعبة وخطب فيهم خطبة تاريخية في اليوم التالي للفتح، بيّن فيها حرمة مكة وحقوق أهلها، وأعلن العفو الشامل. جاء في مطلع خطبته: أيها الناس إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض، فهي حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دمًا، ولا يعضد بها شجرة… وإنما أُحلّت لي ساعةً من نهار (يقصد وقت القتال اليسير الذي وقع)، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهدُ الغائب (دلائل النبوة للبيهقي: 5/83)

وبهذا أكد رسول الله ﷺ قداسة البلَد الحرام وأنه لم يدخلها مقاتلًا إلا مضطرًا، وأنها ستبقى بلدًا آمنًا محترم الحرمة إلى يوم القيامة.

ثم خاطب النبي ﷺ قريشًا مباشرة مذكرًا إياهم بأخلاق الإسلام في التسامح والعفو. قال لهم: يا معشر قريش، ما تظنون أني فاعل بكم؟ وهو سؤال تحمل إجابته امتحانًا لنفوسهم – فأجابوه: "خيرًا، أخٌ كريم وابن أخٍ كريم". كان جوابهم اعترافًا بفضل النبي ﷺ ونبله. عندها قال رسول الله ﷺ كلمته العظيمة التي دوّى صداها في تاريخ الإنسانية: اذهبوا فأنتم الطلقاء، وأضاف: لا تثريب عليكم اليوم، لقد أعلن الصفح العام عن كل أهل مكة (مرآة الزمان في تاريخ الأعيان: 1/520)

لم يكتفِ النبي ﷺ بذلك، بل دعا أهل مكة إلى بيوتهم آمنين كما سبق وأعلن عبر أبي سفيان رضي الله عنه، فلم يتعرض أحدٌ ممن لم يقاوم للأذى.

ألقى النبي ﷺ في اليوم الثاني للفتح خطبة جامعة بالمسجد الحرام، سبق ذكر جزء منها آنفًا، أكد فيها المبادئ الإسلامية العليا، نهى فيها عن الثأر والقتال داخل الحرم، كما قرر ﷺ بعض الأحكام التنظيمية لمكة، مثل تحريم قطع شجر الحرم أو صيد حيوانه أو التقاط لقطته إلا للتعريف بها، واستثنى من ذلك نبات الإذخر لحاجة الناس إليه، وفي تلك الأيام الباهرة من شهر رمضان، شهدت مكة أعظم تحول في تاريخها؛ إذ انشرح صدر آلاف من أبنائها للإيمان، فدخلوا في دين الله أفواجًا امتثالًا لقوله تعالى:

يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا  [النصر: 2]

وتميز فتح مكة بأنه لم يكن فتحًا عسكريًا فحسب، بل كان فتحًا للقلوب أيضًا، حين رأى أهلها صفح النبي الكريم ورحمته وحكمته، فزالت العداوات وذابت الضغائن، وتوحّد الجميع تحت راية الإسلام.

الدروس والعبر المستفادة من الفتح

شكل فتح مكة مدرسة نبويّة في القيادة والرحمة وضرب أروع الأمثلة في التعامل عند النصر، فيما يلي أبرز الدروس والعبر المستفادة من هذا الحدث العظيم:

التسامح والعفو عند المقدرة: فقد رفض النبي ﷺ أي دعوة للانتقام عندما صاح سعد بن عبادة رضي الله عنه حامل الراية: "اليوم يوم الملحمة، اليوم تُستحل الحرمة!"، فردّ النبي ﷺ تصويبه: بل هذا يوم المرحمة، وفي رواية: بل هذا يوم تُعَظَّم فيه الكعبة، ثم أمر بأخذ الراية من سعد رضي الله عنه لئلا يُستثار القتال (سيرة ابن هشام: 2/ 406-407)

وليس هذا فحسب بل اتخذ النبي ﷺ العفو منهجًا رغم تمكنه من رقاب أعدائه، فلم ينتقم من أهل مكة الذين أخرجوه وحاربوه، بل قال كلمته الخالدة: اذهبوا فأنتم الطلقاء، فعفا عنهم عفوًا عامًا. هذا الموقف يُبرز عظمة تسامحه ﷺ وحلمه، وقد انتصر الرسول على نفوس القوم بالعفو كما انتصر عليهم في الميدان بالقوة.

الحكمة القيادية وحسن التخطيط: يظهر فتح مكة بوضوح دهاء النبي ﷺ وبُعد نظره العسكري والسياسي. فقد أخفى نياته عن الجميع تقريبًا وحافظ على عنصر المفاجأة حتى اللحظة الأخيرة، مما أربك قريش ومنعها من التحشيد. كما أنه استثار حماسة القبائل المسلمة في الجزيرة العربية فحشد قوات كبيرة دون أن تعلم قريش، وعندما حصلت محاولة تسريب (رسالة حاطب)، عالجها فورًا بحزم وذكاء دون أن تُكتشف خطته، وخلال التقدم إلى مكة، وزع جيشه إلى عدة محاور لدخول المدينة من جميع الجهات، بهدف إضعاف أي مقاومة محتملة وإظهار تفوق المسلمين. كذلك برزت حكمته السياسية في استثمار شخصية أبي سفيان رضي الله عنه لكسر إرادة القتال لدى قريش؛ إذ منحه لقبًا تشريفيًا خاصا بإعلان أن من دخل دار أبي سفيان فهو آمن تطييبًا لخاطره وتعزيزًا لمكانته أمام قومه، مما دفع الكثيرين للامتثال دون مقاومة. هذه الخطوات القيادية المحكمة جنبّت المسلمين حرب شوارع خطيرة، وحققت فتحًا سريعًا بأقل الخسائر، إن تخطيط النبي ﷺ الدقيق وحنكته في إدارة الموقف يقدمان درسًا بليغًا في فن قيادة الجيوش وضبط النفس في ساعة الانتصار.

تطبيق العدل والمساواة: حمل فتح مكة دروسًا في إقامة العدل وعدم المحاباة. فعلى الرغم من أن مكة أصبحت تحت سلطة النبي ﷺ المطلقة، فإنه لم يستأثر بمفاتيح الكعبة مثلًا لنفسه أو لبني هاشم، بل أعاد المفتاح إلى حاملها الشرعي عثمان بن طلحة رضي الله عنه من بني شيبة، وقال له: هاك مفتاحك يا عثمان، اليوم يوم برّ ووفاء، خذوها (أي سدانة الكعبة) خالدة تالدة، لا ينزعها منكم إلا ظالم (المصدر السابق: 2/412)

وبذلك أرسى مبدأ أداء الأمانات إلى أهلها رغم إغراء السلطة، ولم يُعطِ المفتاح لعلي أو العباس رضي الله عنهما رغم تطلعهما إليه. وفي هذا درس بأن القيادة الحقة تقيم الحق ولو على حساب أقربائها، وتفي بالعهود والوعود وتحترم حقوق الجميع. كما رأينا أنه ﷺ لم يعاقب عامة أهل مكة بذنب خاصته الذين أجرموا، بل حاسب أفرادًا محددين ثبتت جرائمهم الخطيرة واستثناهم من العفو وفقًا للعدالة، وكذلك منع استمرار دائرة الثأر عندما أوقف خزاعة عن قتل رجل من ليث بعد الفتح، وأكد أن الدماء في مكة وغيرها لا تسفك إلا بحقها. وفي ذلك تأصيل لمبدأ سيادة القانون والعدل على الجميع من غير تمييز.

الانتصار بأقل قدر من العنف: من أبرز العبر في فتح مكة أن الإسلام انتشر يومها بقوة الحق لا بقهر السيف، فقد حرص النبي ﷺ على تفادي المعركة قدر الإمكان، وسعى لدخول سلمي إلى مكة. وعندما اضطُر لقتال محدود كان ذلك دفاعًا وردًا على مقاومة فئة من قريش. وكانت النتيجة فتحًا يكاد يكون سلميًا بالكامل. لم يقتل المسلمون سوى عدد يسير جدًا من المشركين ولم يتعرض المدنيون لأي أذى، بل أعلن النبي ﷺ الأمان لكل من لزم بيته أو دخل المسجد، هذه السياسة الحكيمة جنّبت مكة حمام دمٍ كان يمكن أن يحدث لو أراد الانتقام، وهي تُثبت أن الإسلام دين رحمة حتى في ميادين الحرب، وأن القوة فيه لضبط الشر لا لإكراه الناس على الدين؛ فقد دخل أهل مكة في الإسلام طوعًا بعدما شهدوا أخلاق الفتح العظيم، لقد تحقق النصر بلا إهلاك، واعتنق المئات الإسلام عن اقتناع بالمبدأ والكلمة لا تحت تهديد السلاح، وهذا درس عظيم للقادة: أن الفوز الحقيقي هو كسب القلوب لا مجرد كسب المعارك.

باختصار، يجسّد فتح مكة مبادئ الإسلام في التسامح والرحمة والعدل عند الغلبة. فقد دخل النبي ﷺ مكة فاتحًا متواضعًا عادلًا رحيمًا، فلم يجرح كرامة أهلها ولم يسفك الدماء بغير حق، إنما هدف إلى هدايتهم وتحريرهم من عبودية الأوثان. وفي ذلك أسمى الدروس لقادة البشرية: أن القوة يجب أن تقترن بالعدل، وأن النصر الحقيقي هو انتصار المبادئ، وهكذا انتهت غزوة فتح مكة بنصر مبين للمسلمين دون تكبّر أو طغيان، بل بخضوع القائد لربه وشكره، وبإعلاء قيم التسامح والوفاء. فلم يكن الفتح مجرد فتح مدينة، بل كان فتح قلوبٍ وعقول، وبداية عهد جديد انتشر فيه الإسلام في شبه الجزيرة العربية بأكملها. لقد ضرب رسول الله ﷺ أروع مثل في كيفية التعامل عند الظفر، فكان بحقّ يوم الفتح يوم الرحمة والعدل والخير.

تعليقات



رمز الحماية