مدونات مختارة مميزة
المدونات الأكثر قراءة
القول السَّديد في بيان التَّوحيد | رضا القريشي
هذا المقال من مجلة نفحات المدينة: 23
الحمد لله رب العالمين، المتفرد بالكمال والجلال، المختصّ بالألوهية والربوبية، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد، فإن علم التوحيد أشرف العلوم قدرًا، وأعظمها غايةً؛ إذ به تُعرف صفات رب العالمين، وبه يتميز الإيمان الخالص من الشرك الْمبين، وقد جعل الله تعالى هذا الأصل أساس النجاة، وعليه مدار القبول في الدنيا والآخرة.
ولما كانت معرفة التوحيد لا تتمُّ إلا بمعرفة ما يضادُّه ويناقضه، وجب على طالب الحق أن يتأمل حقيقة التوحيد كما قرَّرها أئمة أهل السنة والجماعة، وأن يفهم حقيقة الشرك فهمًا منضبطًا بعيدًا عن الغلو والتفريط.
وفي هذه الْمقال نبيّن مفهوم التوحيد والشرك مستندين إلى الكتاب والسنة، مع الاستئناس بكلام أئمة الإسلام كالإمام الطحاوي والإمام الباجوري والإمام التفتازاني وغيرهم رحمهم الله مع دفع الأوهام والشبهات التي يستغلها أهل الغلو في التكفير لرمي عامة الْمسلمين بالشرك بسبب التوسل والتبرك والاعتقاد في الْمعجزات والكرامات، موضحين الفرق الجلي بين التأثير الاستقلالي (وهو الشرك) وبين سببية العباد بإذن الله وعطائه.
أولًا: التوحيد هو حق الله تعالى على عباده
التوحيدُ حقُّ الله تعالى على عباده، وهو أصلُ الدين وأساسُه. وقد ثبت في الصحيح عن سيدنا معاذ بن جبل رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «يا معاذ» قلت: لبيك رسول الله وسعديك، قال: «هل تدري ما حق الله على عباده» قلت: الله ورسوله أعلم، قال: "حق الله على عباده أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئا» ثم سار ساعة، ثم قال: «يا معاذ بن جبل» قلت: لبيك رسول الله وسعديك، فقال: «هل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوه» قلت: الله ورسوله أعلم، قال: حق العباد على الله أن لا يعذبهم" (صحيح البخاري: 170)
فهذا الحديثُ أصلٌ جامعٌ في بيان التوحيد؛ إذ يدل على أن الغاية من خلق العباد هي عبادةُ الله تعالى وحده، وأن صرف العبادة لغيره هو عينُ الشرك الْمناقض للإيمان، فلا يصح إسلام الإنسان إلا بالإيمان بوحدانية الله سبحانه وتعالى وإفراده بالعبادة.
ثانيًا: تعريف التوحيد لغةً واصطلاحًا
التوحيد في اللغة مأخوذ من "وحَّد"، أي جعل الشيء واحدًا. (القاموس المحيط: 324)
فهو مصدر وحَّد يوحِّد توحيدًا، فهو موحد. والواحد والأحد يدور معناه على الانفراد (تاج العروس لمرتضى الزبيدي: 9/269، بتصرف)
وأما في الاصطلاح، فقد عرّفه الإمام الباجوري رحمه الله بأنه: إفرادُ المعبود بالعبادة مع اعتقاد وحدته ذاتًا وصفاتًا وأفعالًا... (تحفة المريد على جوهرة التوحيد للباجوري: 1/38)
ومعنى ذلك أن الله تعالى متفردٌ بذاته، كاملٌ في صفاته، منفردٌ بأفعاله، لا شبيه له ولا مثيل، ولا يشاركه أحدٌ في خصائص الألوهية.
ولهذا كانت دعوةُ جميع الأنبياء والرسل عليهم السلام قائمةً على هذا الأصل العظيم، قال تعالى:
وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيٓ إِلَيۡهِ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدُونِ [الأنبياء: 25]
ثالثًا: حقيقة التوحيد
إنَّ حقيقة التوحيد ليست مجرد الإقرار بوجود الله سبحانه وتعالى، بل هي معرفته بأسمائه وصفاته، وتعظيمه، ومحبته، وخشيته، ورجاؤه، والتوكل عليه، وإخلاص العبادة له وحده.
قال الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله:
فلا صلاحَ للقلوب حتَّى تستقرَّ فيها معرفةُ اللهِ وعظمتُه ومحبَّتُه وخشيتُهُ ومهابتُه ورجاؤهُ والتوكلُ عليهِ، وتمتلئَ مِنْ ذَلِكَ، وهذا هوَ حقيقةُ التوحيد، وهو معنى لا إله إلا الله... (جامع العلوم والحكم لابن رجب: 1/200)
فكلما ازداد العبد معرفةً بربه، ازداد إيمانًا وتوحيدًا واستقامةً.
رابعًا: كيفية تحقيق التوحيد والتقرب إلى الله تعالى:
يتحقق التوحيد علمًا وعملاً بمعرفة الله تعالى، والإيمان بأسمائه وصفاته، وإخلاص العبادة له، والمحافظة على الفرائض، والاجتهاد في النوافل، مع دوام التوبة، والاعتماد على الله، ومراقبته في السر والعلن. كما ورد في الحديث القدسي:
"وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته: كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنّه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته". (صحيح البخاري: 6502)
وهذا يدل على أن التوحيد ليس مجرد اعتقاد نظري، بل هو سلوك عملي ينعكس على حياة الإنسان.
خامسًا: مفهوم التوحيد والشرك
التوحيد والشرك من أعظم موضوعات العقيدة وأهمّها، لما له من أثرٍ أساسي في حياة المسلم وإيمانه. وقد اهتمّ علماء أهل السنة ببيانهما، فعرّفوا كلًّا منهما ووضّحوا الفروق بينهما.
فالتوحيد يعني: بأن الله واحد لا شريك له، ولا شيء مثله، ولا شيء يعجزه، ولا إله غيره. قديم بلا ابتداء، دائم بلا انتهاء، لا يفنى ولا يبيد، ولا يكون إلا ما يريد.لا تبلغه الأوهام، ولا تدركه الأفهام، ولا يشبه الأنام، حي لا يموت، قيوم لا ينام. خالق بلا حاجة، رازق بلا مؤنة، مميت بلا مخافة، باعث بلا مشقة. (متن العقيدة الطحاوية: 8)
فحقيقة التوحيد أن يتوجّه الإنسان بجميع أنواع العبادة لله تعالى وحده، مع الإيمان بأنه الخالق والمالك والْمدبّر الحقيقي لكل شيء.
أما الشرك فهو صرف شيء من أنواع العبادة لغير الله على الوجه الذي لا ينبغي إلا لله تعالى. وهو ضربٌ من الكفر، ومعناه: أن يجعل العبدُ لله تعالى شريكاً سواء في العبادة أو في الْملك أو في الخلق أو في أي معنى من معاني ألوهية الْمولى سبحانه وتعالى كما قال الإمام التفتازاني رحمه الله تعالى: الاشتراك هو إثبات الشريك في الألوهية بمعنى وجوب الوجود، كما للمجوس، أو بمعنى استحقاق العبادة، كما لعبدة الأصنام. (شرح العقائد النسفية للتفتازاني: 55)
سادسًا: الفرق بين صفات الخالق والمخلوق
سؤال:
قد يقع في ذهن البعض هذا السؤال: إن "العلم" صفة لله تعالى، فلو أثبت شخص صفة العلم لغيره، فهل يكون ذلك شركا؟ وكذلك "السميع والبصير" من صفات الله تعالى، فلو أقر أحد بصفة السمع والبصر لغيره، فهل يعد هذا شركا أيضا؟ وعلى هذا النحو، فإن "الحياة" ثابتة لله تعالى، فلو وصف غيره بالحياة (أي قيل عنه إنه حي)، فهل يصير القائل مشركا؟
الجواب:
إن الحياة ثابتة لله تعالى بيقين وإيمان، وكل من وهبهم الله تعالى هذه الصفة فهم متصفون بها؛ ومن ثم فإننا نثبت صفة الحياة لأنفسنا كما نثبتها لله تعالى. والسبب في نفي الشرك عن هذا هو أن الحياة التي نثبتها لله تعالى لا نثبتها لأنفسنا ولا لأي أحد من الخلق؛ لأن الله تعالى هو الذي وهبنا الحياة، بينما لا يوجد من يهب الحياة لله سبحانه. فحياتنا عارضة موهوبة من عنده، وحياة الله ليست عارضة ولا عطائية ولا محدودة، بل هي حياة باقية، بينما حياتنا محدودة وفانية، وبهذا يزول الشرك تماما. ويمكنك طرد هذا القياس وتطبيقه في جميع المسائل والصفات لتتضح لك المسألة جليا.
فإن صفات الله تعالى ذاتية، وقديمة، ولا ابتداء لها ولا انتهاء، وهي لا محدودة، وغنية عن كل شيء، ولا تفنى.
وأما صفات المخلوقين فهي عطائية وموهوبة، وحادثة، ولها ابتداء وانتهاء، ومحدودة، وتقبل الزيادة والنقصان، ومحتاجة إلى الله تعالى، وفانية.
فهل يمكن أن يتحقق الشرك مع وجود كل هذه الفروق؟ كَلّا، ويستحيل قطعًا! أليس يكفي فرقًا أن الله تعالى هو الخالق، وأن الأنبياء والأولياء والصالحين كلهم مخلوقون؟ فأي استواء أو مماثلة بين الخالق والمخلوق؟!
بناء على هذا، يجب أن يتقرر في الأذهان دائما أن مجرد الاشتراك اللفظي والتشابه الظاهري في العبارات لا يوجب الشرك أو التشبيه بأي حال من الأحوال.
سابعًا: أضرار الشرك على الفرد والمجتمع:
الشرك هو أعظم ما يُفسد عقيدة الإنسان، ويُبعده عن تحقيق التوحيد، كما يكون سببًا في حبوط الأعمال والخسران في الآخرة لمن مات عليه.
ولذا حذر الله سبحانه تعالى منه فقال:
إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغۡفِرُ أَن يُشۡرَكَ بِهِۦ وَيَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُۚ وَمَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلَۢا بَعِيدًا [النساء: 116]
وقال النبي ﷺ: من مات يشرك بالله شيئًا دخل النار.
ولا يقتصر ضرر الشرك على الفرد فقط، بل يمتد أثره إلى المجتمع، حيث يؤدي إلى انتشار الجهل والخرافات والعقائد الفاسدة، والانحراف في السلوك والأخلاق، مما يهدد استقرار المجتمع وسلامة عقيدته.
ذلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهۡدِي بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۚ وَلَوۡ أَشۡرَكُواْ لَحَبِطَ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ [الأَنعام:88]
ثامنًا: الغلو في التكفير ورمي تهمة الشرك على الآخرين:
من أبرز المآسي الفكرية في هذا العصر أن كثيرًا من الناس، رغم كثرة وسائل الدعوة والإرشاد، انصرفوا عن دعوة غير المسلمين إلى الإسلام، وانشغلوا بإطلاق أحكام التكفير والتفسيق والردة على إخوانهم المسلمين بسبب مسائل خلافية أو فرعية، حتى أصبحت هذه الظاهرة من أخطر الفتن التي تهدد وحدة الأمة وتمزق صفها.
ولا ريب أن التسرع في تكفير المسلمين أو اتهامهم بالشرك بغير علم ولا بينة من أعظم الذنوب وأشدها خطرًا؛ إذ إن الحكم بالكفر أو الشرك من الأحكام الشرعية الخطيرة التي لا يجوز أن تُبنى على الظنون أو الأهواء، وإنما مردها إلى الكتاب والسنة وفق فهم أهل العلم الراسخين.
موقِفُ الإمام أحمد رضا خان الحنفي الهندي رحمه الله في مسألة التكفير:
قال الإمام أحمد رضا خان رحمه الله: نقلًا عن خلاصة الفتاوى وجامع الفصولين والمحيط البرهاني والفتاوى الهندية وغيرها: إذا كانت في المسألة وجوهٌ تُوجِبُ التكفير ووجه واحد يمنع التكفير فعلى المفتي والقاضي أن يميل إلى ذلك الوجه ولا يُفتي بكفره تحسينا للظن بالمسلم، ثم إن كانت نية القائل الوجه الذي يمنع التكفير فهو مسلم، وإن لم يكن لا ينفعه حمل المفتي كلامه على وجه لا يُوجِبُ التفكير. (الفتاوى الرضوية: 30/345)
وقد توعدت السنة النبوية من يرمي مسلمًا بالكفر أو الفسق بغير حق، بأن يرجع عليه هذا الوصف إن لم يكن المقول فيه مستحقًا له.
وفي المقابل، فإن نقد الأفكار والمعتقدات المخالفة، وبيان الأخطاء العقدية بمنهج علمي قائم على الدليل والإنصاف، أمر مشروع، بل قد يكون من فروض الكفايات إذا كان المقصود منه إظهار الحق ورد الباطل، بعيدًا عن التشهير بالأشخاص أو الطعن في نياتهم أو الانتقاص من كرامتهم. أما إذا تحول النقد إلى وسيلة للإهانة، أو الشماتة، أو إثارة الأحقاد والتفرق بين المسلمين، فإنه يصبح محرمًا شرعًا، ويأثم صاحبه بما يترتب عليه من ظلم وعدوان.
وقد جاءت النصوص النبوية محذرة من خطورة اللسان، ومن التسرع في إطلاق أوصاف الكفر والفسق على المسلمين، فعن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: " لا يرمي رجل رجلا بالفسوق، ولا يرميه بالكفر، إلا ارتدت عليه، إن لم يكن صاحبه كذلك " (صحيح البخاري: 6045)
كما أكد النبي ﷺ في حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه أن أكثر ما يكب الناس في النار هو حصائد ألسنتهم. (سنن الترمذي: 2616)
ومن النصوص التي تبين خطورة التسرع في اتهام المسلمين بالشرك ما رواه البزار عن النبي ﷺ أنه قال: " إنما أتخوف عليكم رجلا قرأ القرآن حتى إذا رئي عليه بهجته، وكان ردءا للإسلام اعتزل إلى ما شاء الله، وخرج على جاره بسيفه، ورماه بالشرك " (مسند البزار: 2793)وهذا يدل على أن الغلو في إطلاق أحكام الشرك والتكفير من سمات أهل الغلو والانحراف، وأنه باب عظيم من أبواب الفتنة.
ومن ثم، فإن الواجب على المسلم أن يتحرى العلم والعدل والإنصاف قبل الحكم على الأشخاص أو الجماعات، وأن يكل مسائل التكفير والتبديع والتفسيق إلى أهل العلم الراسخين؛ لأن إطلاق الأحكام الشرعية بغير علم من أعظم أسباب الفتن والتفرق، وهو مما يُسأل عنه العبد بين يدي الله تعالى يوم القيامة.
وفي النهاية:
نقول أن التوحيد هو أساس الإسلام، وأعظم حقوق الله تعالى على عباده، وهو أول ما دعت إليه الرسل، وآخر ما ينبغي أن يفارق عليه المؤمن هذه الدنيا.
ولا تتحقق السعادة في الدنيا ولا النجاة في الآخرة إلا بإفراد الله تعالى بالعبادة، واجتناب الشرك بجميع صوره، ظاهرها وخفيها.
نسأل الله تعالى أن يرزقنا العلم النافع، والعمل الصالح، والإخلاص في القول والعمل، وأن يثبتنا على كلمة التوحيد، وشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسول الله حتى نلقاه وهو راضٍ عنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

تعليقات