نبذة عن سيرة الإمام الشيخ عبد القادر الجيلاني


نشرت: يوم الثلاثاء،18-ديسمبر-2018


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، أما بعد:

فأعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم

مؤسس الطريقة القادرية سلطان الأولياء إمام الأصفياء الشيخ الرباني القطب الأفخم العارف بالله السيد محيي الدين أبو محمد عبد القادر الجيلاني البغدادي رحمه الله تعالى، الذي يعتبر شيخ الطريقة العطارية القادرية فضيلة الشيخ محمد إلياس العطار القادري مؤسس مركز الدعوة الإسلامية حفظه الله تعالى ورعاه من سلسلته...

ومع إقبال شهر ربيع الآخر تطل ذكرى وفاة هذا العالم الرباني والقطب الصمداني الإمام الجيلاني، ويولي فضيلة الشيخ محمد إلياس القادري حفظه الله تعالى هذه المناسبة العظيمة اهتماماً خاصاً مع مريديه ومحبيه حيث تقام مجالس مباركة مسمّاة بمذاكرة المدينة من أول ليلة شهر ربيع الآخر إلى ليلة الحادي عشر منه تحت إشراف المركز، والشيخ يقوم فيها بتعليم وتربية مريديه ومحبيه على نهج الطريقة القادرية، كما يقوم فضيلته بالإجابة على أسئلة السائلين حول العقائد والأعمال والشريعة والتصوف والطريقة والسَّير والتاريخ وغيرها... ويشارك في هذه الدروس والمجالس المباركة (مذاكرة المدينة) كثير من الإخوة المحبين عدا الذين يتابعونها عبر البث المباشر على قناة مدني، وبهذه المناسبة نقوم بإلقاء الضوء على سيرة الشيخ عبدالقادر الجيلاني العطرة احتفاءً وتخليدًا لذكراه في هذه الكلمات التالية:

نسبه الشريف:

هو شيخ الإسلام مقتدى الأولياء العظام إمام الأصفياء علم الهدى ناصر السنة قامع البدعة سيدنا محي الدين أبو محمد عبد القادر بن أبي صالح عبد الله بن جنكي دوست بن يحيى بن محمد بن داود بن موسى بن عبد الله بن الحسن بن سيدنا الإمام الحسن السبط بن مولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ورضي عنه. (جلاء الخاطر: صـ١٠، بتصرف)

ولادته:

ولد رضي الله تعالى عنه سنة سبعين وأربع مائة للهجرة بالجيل وهي قرية بشاطئ الدجلة قرب المدائن في بغداد. (بهجة الأسرار: صـ114، الطبقات الكبرى للشعراني: 1/108، بتصرف)

وكان رضي الله عنه لا يرضع في نهار رمضان، حيث تقول أمه أم الخير فاطمة رحمة الله عليها: لما وضعت ابني عبد القادر كان لا يرضع ثديي في نهار رمضان...، (بهجة الأسرار: صـ116)

نشأته وطلبه للعلم:

رأت عينا الشيخ رضي الله عنه النور في بيئة معروفة بالعلم، ومؤيَّدة بالكرامات، فأبوه من كبار علماء جيلان، وأمه من عُرِفت بالكرامات، وهي ابنة أبي عبد الله الصومعي العارف العابد الزاهد، فاستنشق الهواء من بيوت العلم والفقه والمعرفة والحقيقة.

علم رحمه الله تعالى أن طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة فشَمَّر عن ساعد الجد والتحصيل، وسارع في طلبه قاصدًا أعلام الهدى من علماء هذه الأمة فابتدأ حياته بقراءة القرآن العظيم حتى أتقنه، وأخذ علوم الحديث والفقه واللغة والأدب والطريقة وغيرها على أيدي كثير من مشاهير عصره من العلماء والفقهاء والمحدثين حتى ألم بعلوم الشريعة والطريقة وبلغ شأواً بعيداً وفاق أهل زمانه وتميز من بين أقرانه، ثم إن الله تعالى أظهره للخلق وأوقع له القبول العظيم، فكان إمام الحنابلة وشيخهم في عصره. (جلاء الخاطر: صـ11 – 12، بتصرف)

منزلته العلمية:

كان (أستاذه) أبو سعد المخرمي رحمه الله تعالى قد بنى مدرسة لطيفة بباب الأزج ففوضت إلى عبد القادر فتكلم على الناس بلسان الوعظ وظهر له صيت بالزهد وكان له سمت وصمت فضاقت مدرسته بالناس فكان يجلس عند سور بغداد مستندًا إلى الرباط ويتوب عنده في المجلس خلق كثير فعمرت المدرسة ووسعت وتعصب في ذلك العوام وأقام في مدرسته يدرس ويعظ إلى أن توفي...، (المنتظم لابن الجوزي: 18/173)

وكان رضي الله عنه يتكلم في ثلاثة عشر علماً، والناس كانوا يقرءون عليه في مدرسته درساً من التفسير ودرساً من الحديث ودرساً من المذهب ودرساً من الخلاف، وكانوا يقرءون عليه طرفي النهار التفسير وعلوم الحديث والمذهب والخلاف والأصول والنحو، وكان رضي الله عنه يُقرِأ القرآن بالقراءات بعد الظهر.

وكان يفتي على مذهب الإمام الشافعي والإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنهما، وكانت فتواه تُعرَض على العلماء بالعراق فتعجبهم أشد الإعجاب فيقولون سبحان من أنعم عليه...، (الطبقات الكبرى للشعراني: 1/108 – 109، بتصرف)

قال الحافظ أبو العباس أحمد بن أحمد البندنيجي رحمه الله تعالى: حضرت أنا والشيخ جمال الدين بن الجوزي رحمه الله تعالى مجلس سيدنا الشيخ عبد القادر رحمة الله عليه فقرأ القارئ آية فذكر الشيخ في تفسيرها وجهًا، فقلت للشيخ جمال الدين: أتعلم هذا الوجه؟ قال: نعم، ثم ذكر وجهًا آخر، فقلت له: أتعلم هذا الوجه؟ قال: نعم، فذكر الشيخ فيها أحد عشر وجهًا وأنا أقول له: أتعلم هذا الوجه؟ وهو يقول: نعم، ثم الشيخ ذكر فيها وجهًا آخر، فقلت له: أتعلم هذا؟ قال: لا، حتى ذكر فيها كمال الأربعين وجهًا يعزو كل وجه إلى قائله، والشيخ جمال الدين يقول: لا أعرف هذا الوجه، واشتد عجبه من سعة علم سيدنا الشيخ رضي الله عنه...، (قلائد الجواهر: صـ38)

تقواه وورعه:

كان الشيخ عبد القادر رحمه الله تعالى متعلقاً بأهداب الورع طوال حياته، وكان يأخذ بالعزيمة في أحواله جميعًا، ويُكثر من النوافل في أوقاته كلها حتى إنه كان يعتبرها بالنسبة إليه كالفروض من حيث التزامه بأدائها... (الشيخ عبد القادر الجيلاني: صـ189 – 192، بتصرف)

يقول أبو الفتح الهروي رضي الله عنه: خدمت الشيخ عبد القادر رضي الله عنه أربعين سنة فكان في مدتها يصلي الصبح بوضوء العشاء. (الطبقات الكبرى للشعراني: 1/110)

ثناء العلماء عليه:

قال الشيخ موفق الدين بن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى: دخلنا بغداد سنة إحدى وستين وخمس مائة فإذا بالشيخ عبد القادر مما انتهت إليه الرئاسة بها علمًا وعُلًا وحالًا واستفتاءًا، كان يكفي طالب العلم عن قصد غيره من كثرة ما اجتمع فيه من العلوم والصبر وسعة الصدر، وكان مليء العين وجمع الله فيه أوصافًا جميلة وأحوالًا عزيزة مارأيت بعده مثله. (بهجة الأسرار: صـ125 - 126)

ويقول الشيخ السيد أحمد الرفاعي رحمه الله تعالى: الشيخ عبدالقادر الجيلاني ذاك رجل بحر الشريعة عن يمينه وبحر الحقيقة عن يساره، من أيهما شاء اغترف، لا ثاني له في عصرنا هذا. (بهجة الأسرار: صـ36)

وقال السمعاني رحمه الله تعالى: كان عبد القادر من أهل جيلان إمام الحنابلة وشيخهم في عصره، فقيه صالح دين خير، كثير الذكر، دائم الفكر، سريع الدمعة. (سير أعلام النبلاء: 15/180)

وقال ابن رجب رحمه الله تعالى في "طبقاته": عبد القادر بن أبي صالح الجيلي ثم البغدادي، الزاهد: شيخ العصر، وقدوة العارفين، وسلطان المشايخ، وسيد أهل الطريقة في وقته، محيي الدين، ظهر للناس، وحصل له القبول التام، وانتفعوا به وبكلامه ووعظه، وانتصر أهل السنة بظهوره، واشتهرت أحواله وأقواله وكراماته ومكاشفاته، وهابه الملوك فمن دونهم. (ذيل طبقات الحنابلة: 2/189)

وقال ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى: كان الشيخ عبد القادر متمسكاً بقوانين الشريعة، يدعو إليها وينفر عن مخالفتها ويشغل الناس فيها مع تمسكه بالعبادة والمجاهدة. (قلائد الجواهر: صـ23)

وقال الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن يوسف الإشبيلي رحمه الله تعالى: في كتاب المشيخة البغدادية: عبد القادر الجيلاني فقيه الحنابلة والشافعية ببغداد وشيخ جماعتهما، وله القبول التام عند الفقهاء والفقراء والعوام، وهو أحد أركان الإسلام، وانتفع به الخاص والعام، وكان مجاب الدعوة، سريع الدمعة، دائم الذكر، كثير الفكر، رقيق القلب، دائم البِشْر، كريم النفس، سخيَّ اليد، غزير العلم، شريف الأخلاق، طيب الأعراق، مع قدم راسخ في العبادة والاجتهاد. (قلائد الجواهر: صـ7 – 8)

وفاته ومدفنه:

عاش الشيخ عبد القادر تسعين سنة، وانتقل إلى الله في عاشر ربيع الآخر وقيل ثامن، وقيل حادي عشر ربيع الآخر سنة إحدى وستين وخمس مائة، وشيَّعه خلق لا يُحصَون، ودفن بمدرسته ببغداد. (سير أعلام النبلاء: 15/185، بتصرف)

قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى: سمعت أنه كان يقول عند موته: رفقا رفقا. ثم يقول: وعليكم السلام، وعليكم السلام. أجيء إليكم، أجيء إليكم. (ذيل طبقات الحنابلة: 2/206)

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتغمده برحمته الواسعة ويغفر له ويرفع درجاته ويغفر لنا به أجمعين. وصلى الله تعالى وسلم على سيدنا محمد وآله وأصحابه وأولياء أمته أجمعين. والحمد لله رب العالمين.

تعليقات



رمز الحماية