مدونات مختارة مميزة
المدونات الأكثر قراءة
الإسلام حصن الضعفاء | الشيخ محمد عمران العطاري رئيس مجلس الشورى في مركز الدعوة الإسلامية
هذا المقال من مجلة نفحات المدينة: 23
إن الإسلام دين كامل متكامل، يجعل رعاية الضعفاء أمانة في أعناق الأقوياء، ويوفر للضعيف حصنا آمنا. وقد أكد القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة مرارا وتكرارا على ضرورة اعتناء الأقوياء في المجتمع بالطبقات الضعيفة.
تعاليم الإسلام تتسم بالاعتدال والتوازن:
لقد أودع الله سبحانه وتعالى في تعاليم الإسلام من الاعتدال والتناسب والتوازن ما يمنع أي مسلم من الظلم أو الاعتداء على أخيه المسلم، أو على أي مخلوق من مخلوقات الله تعالى، فليس في رحاب التعاليم الإسلامية مجال قط لأن يتغطرس القوي سكرانًا بنشوة قوته، أو سلطته، أو منصبه، أو ثروته وأمواله، فيعيث في الأرض فسادًا، يقتل من يشاء، ويسلب أموال من يشاء، ويبطش بمن يشاء، ويهدد كرامته.
كل هذا وأكثر منه كان سائدًا في عصر الجاهلية، ولكن الإسلام لم يحرم كل هذه التصرفات المجردة من الأخلاق فحسب، بل شرع لمركبيها حدودا وتعازير في الدنيا ليرتدعوا، وتوعدهم بالعذاب الأليم في الآخرة.
لقد أُوليت حقوق الضعفاء في الإسلام أهمية كبيرة، وعادة ما تكون بعض الفئات والأفراد مهمّشين في المجتمع، كالعمال والخدم، والضعفاء والعاجزين، والنساء، وذوي الاحتياجات الخاصة، والأيتام، والمساكين، والمرضى، والفقراء، وغيرهم من الطبقات الضعيفة، ولا يتم تجاهلهم وإهمالهم فحسب، بل يحرمون أيضًا من أبسط حقوقهم الإنسانية الأساسية.
الإسلام يحمي الضعفاء:
بحمد الله يوجد في الإسلام نظام شامل يكفل حماية الضعفاء، ويرفع من قدرهم وكرامتهم، ويرغب في مساعدتهم، ويعتبر الإحسان إليهم جزءا لا يتجزأ من الإيمان. وقد أكد الله سبحانه وتعالى وحبيبه المصطفى ﷺ مرارا وتكرارا على وجوب رعاية حقوق الضعفاء، وعدم الظلم لهم، فإن ذلك من الإثم العظيم.
ولو ألقينا نظرة سريعة إلى ما قبل الإسلام، لظهر لنا بأن تلك الحقبة كان يسود فيها الظلم والاستبداد ضد الضعفاء، وطغت فيها هيمنة القوة المادية الغاشمة.
وحين نتعرّف على قصص ومآسِ تعذيب الرقيق والعبيد لرأينا أنها تقشعر لها الأبدان عند قراءتها أو سماعها، حيث كان يُنظر إلى الضعفاء والعاجزين وذوي العاهات على أنهم عبء ثقيل على المجتمع.
لذلك جاء الإسلام فكان الملاذ والحماية لكافة هذه الفئات الضعيفة، فجعل خدمتهم عبادة، والإحسان إليهم مثوبة، ومساعدتهم سببا لسعة الرزق وتنزّل النصر؛ كيلا يعتبرهم أحد عبئا، بل ليسارع في خدمتهم رغبة في خيري الدنيا والآخرة، وقد قالَ النَّبِيُّ الكريم صلّى الله عليه وسلّم: هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ؟
(صحيح البخاري: 2/280 (2896))
يقول العلّامة الملّا علي القاري رحمه الله تعالى في شرح هذا الحديث: حَاصِلُهُ أَنَّهُ إِنَّمَا جَعَلَ النَّصْرَ عَلَى الْأَعْدَاءِ، وَقَدَّرَ تَوْسِيعَ الرِّزْقِ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ بِبَرَكَةِ الْفُقَرَاءِ، فَأَكْرِمُوهُمْ وَلَا تَتَكَبَّرُوا عَلَيْهِم
(مرقاة المفاتيح : 9/84 (5232))
ونحن بدورنا أرواحنا فداءٌ لتعاليم الإسلام العظيمة! فما أروع الأسلوب الذي يُرغّب في مساعدة الضعفاء، كي لا نعتبر إغاثة الضعفاء ومن لا مأوى لهم عبئاً، بل نعدها سبيلاً لخير الآخرة وفلاح الدنيا.
ويمكن إدراك مدى حماية الإسلام للضعفاء من خلال هذا الحديث الشريف: عن سيّدنا مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عن أبيه: قال النبي الكريم صلّى الله عليه وسلّم: إِنَّمَا ينَصْرُ اللهُ هَذِهِ الْأُمَّةَ بِضَعِيفِهَا بِدَعْوَتِهِمْ وَصَلَاتِهِمْ وَإِخْلَاصِهِمْ
(سنن النسائي: ص 518، (3175))
وهذه الرواية تعلّمنا أيضًا درسًا في الإحسان إلى الضعفاء قال العلامة بدر الدين رحمه الله: فبدعائهم ينْصرُونَ وَيُرْزَقُونَ، لِأَنّ عِبَادَتهم ودعاءهم أَشدّ إخلاصًا وَأكْثر خشوعًا لخلوّ قُلُوبهم عن التَّعَلُّق بزخرف الدُّنْيَا وَزينتهَا، وصفاء ضمائرهم عَمَّا يقطعهم عَن الله تَعَالَى، جعلُوا هَمهمْ وَاحِدًا (أي: رضا الله تعالى فقط)، فزَكَت أَعْمَالهم، وَأجِيب دعاؤهم
(عمدة القاري: 10/217، بتصرف)
ويتجلى بوضوح من خلال هذه الواقعة كيف يُرغّب الإسلام أتباعه في حماية الضعفاء وخدمتهم، كما رُوي عن سيّدنا أَنَسٍ رضي الله تعالى عنه قال: كَانَ أَخَوَانِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم، فَكَانَ أَحَدُهُمَا يَأْتِي النَّبِيَّ صلّى الله عليه وسلّم، وَالْآخَرُ يَحْتَرِفُ، فَشَكَا الْمُحْتَرِفُ أَخَاهُ النَّبِيَّ صلّى الله عليه وسلّم، فَقَالَ: لَعَلَّكَ تُرْزَقُ بِهِ
(سنن الترمذي: 4/154 (2351))
وَمَعْنَى لَعَلَّ فِي قَوْلِهِ ﷺ لَعَلَّكَ يَجُوزُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم فَيُفِيدَ القَطْعَ وَالتَّوْبِيخَ
(مرقاة المفاتيح :9/171)
يقول العلّامة الملّا علي القاري رحمه الله تعالى في شرح هذا الحديث: «فَكَانَ أَحَدُهُمَا يَأْتِي النَّبِيَّ صلّى الله عليه وسلّم» أي: لِطَلَبِ العِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ «وَالْآخَرُ يَحْتَرِفُ» أَيْ: يَكْتَسِبُ أَسْبَابَ الْمَعِيشَةِ، فَكَأَنَّهُمَا كَانَا يَأْكُلَانِ مَعًا «فَشَكَا المُحْتَرِفُ» أي: فِي عَدَمِ مُسَاعَدَةِ أَخِيهِ إِيَّاهُ فِي حِرْفَتِهِ أَوْ فِي كَسْبٍ آخَرَ لِمَعِيشَةٍ، فَقَالَ النَّبِيَّ صلّى الله عليه وسلّم: «لَعَلَّكَ تُرْزَقُ بِهِ» أي: أَرْجُو أَوْ أَخَافُ أَنَّكَ مَرْزُوقٌ بِبَرَكَتِهِ لَا أَنَّهُ مَرْزُوقٌ بِحِرْفَتِكَ فَلَا تَمْنُنْ عَلَيْهِ بِصَنْعَتِكَ (مرقاة المفاتيح: 9/171، بتصرفٍ).
يقول العلّامة محمّد علي بن محّمد علان الشافعي رحمه الله تعالى: «فشكا المحترف أخاه» في ترك الاحتراف إلى النّبي صلّى الله عليه وسلّم» فقال مسليًا له وفي انفراده بالاحتراف ترك أخيه الأسباب (فلعلك ترزق به) أي: فلعلّ قيامُك بأمره سببٌ لتيسير رزقك، لأنّ الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه
(دليل الفالحين:1/287)
ويقول الشيخ المحدث عبد الحق الدهلوي رحمه الله تعالى: إن هذا الحديث دليل جلي على أن كفالة الفقراء، ولا سيما الأقارب منهم، وهي من أفضل أسباب البركة في الرزق
(أشعة اللمعات:4/262)
وعن سيّدنا أبي الدرداء رضي الله عنه يقول: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم يقول: أبْغُونِي الضُّعَفَاءَ، فَإِنَّمَا تُرْزَقُونَ وَتُنْصَرُونَ بِضُعَفَائِكُمْ
(سنن أبي داود: 3/46 (2594))
ويقول العلّامة الملّا علي القاري رحمه الله تعالى في شرح هذا الحديث: «أبْغُونِي» أي: اطْلُبُوا رِضَائِي «فِي ضُعَفَائِكُمْ» أي: فُقَرَائِكُمْ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ مِنْ أَغْنِيَائِكُمْ بِالمُسَاعَدَةِ لَدَيْهِمْ «فَإِنَّمَا تُرْزَقُونَ» أي: رِزْقًا حِسِّيًّا أَوْ مَعْنَوِيًّا «أَوْ تُنْصَرُونَ» أي: عَلَى الْأَعْدَاءِ الظَّاهِرَةِ وَالبَاطِنَةِ
(مرقاة المفاتيح: 9/99 (5246))
أيها الأحبة!
وفي الختام أقول: الإسلام هو دين كامل ولذلك لم يجعل القوة وسيلةً للظلم ، بل جعلها أمانة إلهية. وهو لا يرى الضعف مدعاة للاحتقار والازدراء، بل جعله محلاً للحماية والرعاية.
واليوم، إن أردنا إحياء روح التعاليم الإسلامية على المستوى الجماعي، فلا بد لنا أن نكون درعا للضعفاء، وسندا للأيتام، وأملا للمحتاجين، وغوثا للمظلومين. وتذكروا دائما! أن المجتمع الذي يأمن فيه الضعفاء، هو المجتمع الجدير بنصر الله تعالى وبركته ورحمته.
فهلموا نعاهد الله على تسخير قوتنا، ومناصبنا، ومواردنا، ونفوذنا من أجل مساعدة الضعفاء، وصون حقوقهم، وحفظ كرامتهم وعزة أنفسهم. وذلك لأن أمن المجتمع وسلامته يكمن في حماية ضعفائه.

تعليقات