العلم بين التلقّي والتصدّر (الجزء الأول) | الشيخ طارق المحمد


نشرت: يوم الأَربعاء،23-سبتمبر-2026

العلم بين التلقّي والتصدّر (الجزء الأول)

هذا المقال من مجلة نفحات المدينة: 23

الحمد لله الذي رفع أهل العلم درجات، وجعلهم ورثة الأنبياء وحملة شريعته، فقال سبحانه:

يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [المجادلة: 11]

وجعل سؤالهم طريق النجاة من الجهل والانحراف، فقال عز وجل

فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ  [النحل: 43]

والصلاة والسلام على سيدنا محمد ﷺ الذي ترك أمته على المحجة البيضاء، وربّى أصحابه على العلم قبل القول والعمل، حتى أصبحوا أئمة الهدى ومصابيح الدجى، ثم حمل عنهم التابعون وتابعوهم هذا الدين بالسند المتصل جيلاً بعد جيل، حتى وصل إلينا غضاً طرياً كما نزل أما بعد:

فهذه توصيات على منهج العلماء في تلقي المعلومات والفهم في الدين على طريقة الربانيين، وهي تنبيهات من ضلالات الثقافة المعاصرة الداعية إلى تجريد العلم عن الأدب ونبذ التلقي عن العلماء من خلال تهوين الأخذ من كل أحد ظهر بزي العلماء، أو تكلّم بكلامهم، فتمييزاً لما قد يختلط على بعض المبتدئين نقول:

أولاً: معالم المنهج الرباني في اختيار العلماء والتحذير من الاغترار بثقافة الشاشات:

فإن من أعظم الفتن التي ابتُلي بها الناس في هذا العصر أن كثيراً منهم توهّم أن سهولة الوصول إلى المعلومة تَعني امتلاك العلم، وأنّ كثرة القراءة تُغني عن التلقّي، وأن تصفّح المواقع ومتابعة المقاطع المختصرة يجعل المرء قادراً على الإفتاء والترجيح والاعتراض على أئمة الإسلام، وهذه شبهة خطيرة قلبت موازين العلم، حتى رأينا من يتصدر للكلام في دين الله وهو لم يجلس بين يدي العلماء، ولم يعرف طرائق الاستدلال، ولم يذق مرارة الطلب، ولم يتأدب بآداب العلماء.

وقد كان السلف الصالح يفرقون بين العلم وبين الثقافة، وبين التلقي وبين الاطلاع، وبين العالم الرباني وبين الخطيب والناصح؛ لأنّ العلْم عنْدهم نورٌ يقذفه الله في القلب، وليس مجرّد محفوظاتٍ تردِّدها الألسنة، ولذلك قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: "الْعِلْمُ عِلْمَانِ عِلْمٌ فِي الْقَلْبِ فَذَلِكَ الْعِلْمُ النَّافِعُ، وَعِلْمٌ عَلَى اللِّسَانِ فَذَلِكَ حُجَّةُ اللهِ عَلَى خَلْقِهِ". (أخرجه الترمذي الحكيم في النوادر وابن عبد البر من حديث الحسن مرسلا بإسناد صحيح، وأسنده الخطيب في التاريخ من رواية الحسن عن جابر بإسناد جيد وأخرجه ابن أبي شيبة وغيره)


  ومن هنا كانت قضية اختيار من يؤخذ عنه العلم من أعظم قضايا الدين؛ لأن فساد المنهج في التلقي يورث فساداً في الاعتقاد والعبادة والسلوك، ولذلك قال الإمام محمد بن سيرين رحمه الله تعالى:

"إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم". (مقدمة صحيح مسلم: صـ 19) و (الكفاية في علم الرواية: صـ 113)

وهي كلمة عظيمة جعلت التلقّي جزءاً من حقيقة التديّن، فلا ينفصِل الدين عن رجاله الأمناء الذين حملوه بالأسانيد المتصلة، والعمل الصالح، والأخلاق الزكيّة.


  وليس المقصود بهذا تعظيم الأشخاص لذواتهم، وإنما تعظيم المنهج الذي حفظ الله به هذا الدين؛ إذ جعل العلماء الربانيين أمناء على الوحي، يميّزون صحيحه من سقيمه، ومحكمه من متشابهه، وعامَّه من خاصه، ومطلقَه من مقيَّده، فلا يُترك هذا التراث العظيم لكل متعجّل أو متصدّر أو صاحبِ هوى.

ومن هنا جاءت عناية العلماء بوضع الضوابط التي يُعرف بها العالم الرباني، والتحذير من أهل الأهواء، والمتعالمين، وأرباب الشهرة والجدل، حتى لا تختلط الهداية بالضلالة، ولا السنة بالبدعة، ولا العلم بالدعاية.

ثانياً: التلقي أصلٌ من أصول حفظ الدين

لم يكن انتقال العلم في الحضارة الإسلامية قائماً على تداول الكتب وحدَها، ولا على كثرة القراءة، وإنما كان يقوم على التلقّي، وهو أن يأخذَ الطالبُ العلمَ عن شيخٍ متقِن، تلقّاه عمَّن قبلَه، حتى يتَّصل السند برسول الله ﷺ.

وهذه الخصِيصة من أعظم خصائص الأمة الإسلامية، ولذلك قال عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى: "الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء" (المرجع السابق)

ولهذا بقيت علوم القرآن، والحديث، والفقه، والسلوك، واللغة، محفوظة بالأسانيد والرواية والمشافهة، قبل أن تحفظ في بطون الكتب.

ومن أبدع من تكلم في هذا الباب الإمام إبراهيم بن موسى الشاطبي، إذ ذكر في كتابه الموافقات أن للعالم الذي يؤخذ عنه العلم علاماتٍ يعرف بها،

وجعل أولها: أن يكون عاملاً بعلمه، موافقاً قوله فعله،
وثانيها: أن يكون قد رباه الشيوخ، ولازمهم، وأخذ عنهم العلم بالتلقّي،
وثالثها: أن يكون مقتدياً بمن أخذ عنهم، متأدباً بآدابهم، سائراً على نهجهم. ثم بيّن أن هذا هو شأن السلف الصالح جيلاً بعد جيل، وأنه الطريق الذي به حفظ الله الشريعة من التحريف والانتحال. (الموافقات: 1/142 وما بعدها)

وليس هذا مجرد تنظيم تعليمي، بل هو منهج شرعي دلّ عليه القرآن والسنة؛ فإن الله تعالى أمر بسؤال أهل الذكر، ولم يأمر كل أحد أن يستقل بفهم النصوص بعيداً عن أهلها، كما أن النبي ﷺ ربّى الصحابة بالمجالسة والملازمة، ثم ربّى الصحابةُ التابعين على ذلك، وهكذا انتقل العلم بالتربية قبل الرواية، وبالأدب قبل الجدل.

ولهذا كان علماء السلوك يقرّرون أن العلم الحقيقي لا ينفصل عن التربية؛ لأن النفس قد تحفَظ النصوص، ولكنها تُفسد في فهمها إن لم تُهذَّب بالتواضع والإخلاص، وهذا الفساد والاعوجاج يحتاج لتقويم ولا يتم إلا بالشيوخ العارفين: ولذلك قال الإمام أحمد زروق رحمه الله تعالى في قواعده: أخذ العلم والعمل عن المشايخ أتم من أخْذِه دونهم

بَلْ هُوَ ءَايَٰتٌ بَيِّنَٰتٌ فِي صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُوا ٱلْعِلْمَ [العنكبوت: 49]

وَٱتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ۚ [لقمان: 15]

فلزمت المشيخة سيّما والصحابةُ أخذوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أخذ عن جبريل ... ا ه. (قواعد التصوف: صـ 54)

وهذا معنىً تؤيِّده التجربة العلمية عبر القرون؛ إذ كان العلماء يربّون تلامذتهم على الورع، والخشية، والأدب، قبل أن يربّوهم على كثرة المعلومات.

ومن هنا ندركُ أن العلم في الإسلام ليس مجرد انتقال معلومات، وإنما انتقال منهجٍ، وروحٍ، وورع، وفهمٍ، وأدبٍ، وأن العلم كما قال القوم: روح تنفخ لا مسائل تُنسخ. وأن الكتب مهما عظُمت لا تستطيع وحدها أن تصنع العلماء، وإنما تصنعهم صحبة العلماء، وطول الملازمة، وحسن الاقتداء، كما قال الإمام مالك رحمه الله تعالى: "تعلّمِ الأدبَ قبل أن تتعلم العلم". (حلية الأولياء :6/330)

لماذا ..؟... لأن الأدب هو الوعاء الذي يحفظ العلم من أن يتحول إلى كبْر أو جدَال أو وسيلة للرياسة.

ولهذا كان السلف يرحلون الشهور والسنين لسماع حديث واحد أو مسألة واحدة، لا لعدم وجود الكتب، وإنما لأنهم يعلمون أن بركة العلم في صدور الرجال، وأن نور الفهم ينتقل بالمجالسة كما تنتقل الألفاظ بالرواية، وأن التربية العملية جزءٌ لا ينفصل عن حقيقة التعلم.

ومن هنا كان انفصال العلم عن التربية بداية ظهور المتعالمين، كما أن انفصال الكتب عن العلماء بداية انتشار الفوضى العلمية، فإذا اجتمع ضعف التربية مع سهولة النشر وطلب الشهرة، خرج جيل يظن أن امتلاك منصة أو قناة أو حساب إلكتروني يؤهله للكلام في دين الله، مع أن ميزان الشريعة لا يزال كما كان: العلم يؤخذ عن أهله، والأمانة لا تثبت إلا بالتلقي، والوراثة النبوية لا تنال بالادعاء، وإنما بالملازمة والعمل والإخلاص.

ثالثاً: صفات العالم الرباني بين العلم والعمل

إذا كان التلقي الصحيح هو الباب الذي يدخل منه طالب العلم إلى ميراث النبوة، فإن أول ما يميّز العالم الرباني بعد ذلك أن يكون علمه شاهداً لعمله، وعمله ترجماناً لعلْمه؛ إذ لا قيمة لعلمٍ لا يورث صاحبه خشيةً، ولا لسانٍ يحسن البيان إذا خالفه واقع الإنسان.

ولهذا جعل الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى أول علامة من علامات العالم الذي يؤخذ عنه العلم: أن يعمل بما علم، حتى يكون قوله مطابقاً لفعله، فإن كان مخالفاً له فليس بأهل أن يؤخذ عنه. (الموافقات :1/141)

ثم ذكر أن من تمام أهليته أن يكون قد ربّاه الشيوخ، وتأدب بآدابهم، واقتفى آثارهم، لأن العلم إذا انفصل عن التربية تحول إلى معلومات مجردة لا تصنع الرجال ولا تحفظ الدين.

وهذا المعنى أصلٌ راسخ في القرآن الكريم؛ إذ ذمّ الله تعالى من يأمر بالخير وينسى نفسه فقال

أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ [البقرة: 44]

وقال سبحانه:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ۝ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ [الصف: 2-3]

ولم يكن السلف يفهمون هذه الآيات على أنها دعوة لترك الدعوة إذا وقع الإنسان في التقصير، وإنما كانوا يعدّونها تحذيراً شديداً من أن يتحول العلم إلى وسيلة للرياسة، أو إلى ألفاظ تزين المجالس، بينما يبقى القلب بعيداً عن آثارها.

ولذلك صرحوا بذلك في كتبهم وشروحهم، كما في الإحياء ورسالة أيها الولد للغزالي والنصيحة الكافية للشيخ أحمد زروق رحمهما الله تعالى، فالعلم الذي لا يقترن بالخوف حجة على صاحبه، ولذلك كان علماء التربية والسلوك يرون أن أول ثمرات العلم هي الخشية؛ لأن الله سبحانه لم يقل: إنما يخشى الله أكثر الناس قراءة، ولا أكثرهم جدلاً، وإنما قال:

إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر: 28]

أي العلماء العاملون الربانيون، فالخشية هي الميزان الذي يزن به صدق العلم، وكل علم لم يزد صاحبه تواضعاً لله، وخوفاً منه، ورحمةً بخلقه، فهو علم يحتاج صاحبه إلى مراجعة نفسه قبل أن يراجع غيره.

وكل علم لا يورث الخشية فليس بعلم نافع؛ لأن المقصود من العلم إصلاح القلب قبل إصلاح اللسان، وإحياء النفس قبل الانتصار في الجدل والمناظرات.

التربية قبل المعلومات:

ومن أعظم ما امتازت به مدارس العلماء عبر القرون أنها لم تكن تخرّج حفاظاً للنصوص فحسب، وإنما كانت تخرّج رجالاً يحملون أخلاق العلم وآدابه.

ولهذا كان الطالب يمكث سنوات طويلة في خدمة شيخه، يراقب عبادته، وسمته، وورعه، قبل أن ينقل عنه المسائل، حتى قال بعض السلف: كانوا يتعلمون الهدي كما يتعلمون العلم (مقدمة تذكرة السامع والمتكلم لابن جماعة: صـ 31، دار البشائر الإسلامية)

ولم يكن هذا من باب التقديس للأشخاص، بل لأن العلم الشرعي لا ينفصل عن الأخلاق التي يحملها صاحبه؛ إذ كيف يؤتمن على بيان الحلال والحرام من لم يؤتمن على نفسه؟

ومن هنا نفهم لماذا كان الأئمة يحرصون على سؤال الناس عن دين الشيخ وورعه وأمانته كما يسألون عن حفظه وإتقانه؛ لأن الانحراف الأخلاقي كثيراً ما يسبق الانحراف العلمي، فإذا ضعف الإخلاص دخل الهوى، وإذا دخل الهوى فسدت الأحكام، ثم أصبح العلم تابعاً للرغبات لا للنصوص.

العلم بالتلقي لا بالادعاء:

ومن أعظم ما قرره الإمام الشاطبي أن العالم لا يبلغ رتبة الإمامة بمجرّد كثرة المطالعة، وإنما يبلغها إذا شهد له شيوخه، وأخذ عنهم، وتأدب بآدابهم، وصار امتداداً لمنهجهم.

وهذا المعنى هو الذي جعل الأمة الإسلامية تحفظ علومها أربعة عشر قرناً دون انقطاع، إذ لم يكن أحد يدّعي الإمامة بنفسه، وإنما كانت الأمة تعرف علماءها باعتراف العلماء لهم، كما قال أهل الحديث: إن هذا العلم دين، فلا يُسلَّم زمامه لكل من أحبّ الشهرة أو أحسن الخطابة.

ومن هنا كان العلماء يحذّرون من ظاهرة التصدّر قبل التأهل، لأنها لا تفسد صاحبها وحده، بل تفسد أجيالاً تتعلق به، وتظن أن الجرأة على الكلام دليل على الرسوخ في العلم، مع أن الحقيقة على العكس؛ فإن الراسخين أشد الناس هيبةً من الفتوى، وأكثرهم خوفاً من القول على الله بغير علم.

رابعا : العلماء ورثة الأنبياء… لا ورثة الشهرة:

لقد ابتلي عصرنا بخلطٍ عجيب بين الانتشار والإمامة، وبين عدد المتابعين وعدد التلاميذ، وبين جمال الإلقاء ورسوخ الفقه.

فكم من رجلٍ ملأ الشاشات، وهو عند أهل العلم مجهول، وكم من عالمٍ ربانيٍّ ملأ الأرض علماً ولم يعرفه إلا طلابه.

ولهذا قال الإمام الأوزاعي: "إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ كَانَ كَرِيمًا تَلاقَاهُ الرِّجَالُ، فَلَمَّا صَارَ فِي الْكُتُبِ صِرْتَ تَجِدُهُ عِنْدَ الْعَبْدِ وَالأَعْرَابِيِّ" وفي لفظ: " ما زال هذا العلم عزيزا يتلقاه الرجال حتى وقع في الصحف فحمله أو دخل فيه غير أهله (مسند الدارمي ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق وأخرجه الخطيب البغدادي في كتابه تقييد العلم)

ولم يكن الأوزاعي يذم الكتب، وإنما كان يحذر من انفصال الكتاب عن المعلِّم، والعلم عن التربية، والرواية عن الفهم.

فإذا كان هذا تحذيرُ إمام من أئمة التابعين في زمن كانت الكتب فيه نادرة، فكيف لو رأى زماناً يستطيع فيه كل إنسان أن يفتح منصةً رقمية، فيفتي في العقائد، ويخوض في الدماء، ويجرّح العلماء، ويؤصّل البدع، ويظن نفسه مجدداً للأمة؟

إن المشكلة ليست في الوسائل؛ فالوسائل نعمٌ عظيمة إذا أُحسِن استخدامُها، وإنما المشكلة في أن تتحول الوسيلة إلى بديل عن العلماء الربانيين، وأن يصبح محرّك البحث شيخاً، والمقطع المختصر مدرسةً، والمنصة الرقمية بديلاً عن حلقات العلم.

ولا ريب أن التقنية نعمة من نعم الله إذا استعملت فيما ينفع، فهي تقرّب الكتب، وتيسر الوصول إلى الدروس، وتختصر المسافات، ولكنها لا تستطيع أن تمنح صاحبها ملكَة الفقه، ولا نورَ الفهم، ولا أدبَ الطلب، ولا تزكيةَ النفس؛ لأنَّ هذه الأمور لا تزال تُكتسب بالملازمة، وطول الصحبة، والتدرج في الطلب، كما كان شأن العلماء في كل عصر.

ومن هنا نقول ما يذكره أشياخنا رضي الله عنهم: ليس كل من جمع المسائل صار فقيهاً، ولا كل من حفظ الأقوال صار عالماً، وإنما الفقيه من رزقه الله نوراً يضع به كل دليل في موضعه، ويعرف به مقاصد الشريعة، ويجمع بين النصوص، ويحمل المطلق على المقيد، والعام على الخاص، دون إفراط ولا تفريط.

وبهذا يظهر الفرق العظيم بين الثقافة الدينية التي يستطيع كثير من الناس تحصيلها، وبين العلم الشرعي الراسخ الذي لا يناله إلا من سلك سبيل أهله، وصبر على مشقته، وتأدب بآدابه، وصدق الله في طلبه.

فنسأل الله أن يجعلنا من أهل الفهم والصدق والعمل وأن يكرمنا بحسن الختام عند انتهاء الأجل ... وهذه لمحة مهمة لم تنته في مقالنا هذا وأرجأنا تمامها إلى مقالنا القادم في هذه المجلة وما بقي من الوصايا والتحذيرات الهامة التي ينبغي ألا نهملها، وخاصة فيما يتعلق بين العالم والداعية إلى نفسه، وبيانِ هيبة الفتوى عند السلف، وأن العلم لا يؤخذ عن كل أحدٍ، والمسلم بين نعمة التقنية وفتنة ثقافة الشاشات.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً والحمد لله رب العالمين.

تعليقات



رمز الحماية